ها هي ثورة المصريين الأحرار تزداد توهجا وتألقا، وأنى للاحتلال وعملائه أن يتمكنوا من إخماد جذوتها المشتعلة وهي التي يقودها شباب مصر الأبطال وفتياتها الزاهرات، والذين لا يترددون لحظة في تقديم الوقود اللازم لاستمرار ثورة 25 يناير من دماءهم الزكية وأرواحهم الطاهرة وحريتهم الغالية ولكنها ليست أغلى من وطنهم الحبيب.
ولن أتوقف طويلا عند كلمات الشهيد الموهوب التي يقول فيها:كان الشباب قديمًا وحديثًا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها.
وقوله: إنما تنجح الفكرة إذا قوي الايمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، وتكاد تكون هذه الأركان الأربعةمن خصائص الشباب.
وقوله: من هنا كثرت واجباتكم، ومن هنا عظمت تبعاتكم، ومن هنا تضاعفت حقوق أمتكم عليكم، ومن هنا ثقلت الأمانة في أعناقكم. ومن هنا وجب عليكم أن تفكروا طويلا، وأن تعملوا كثيرًا، وأن تحددوا موقفكم، وأن تتقدموا للإنقاذ، وأن تعطوا الأمة حقها كاملا من هذا الشباب.
ولكنني سأذكر بحادثة استشهاد محمد رضا الطالب بالفرقة الأولى بكلية الهندسة، داخل أسوار جامعة القاهرة على يد بلطجية داخلية الانقلاب كما فضحهم الدكتور جابر نصار رئيس الجامعة على الهواء، وقد سبق رضا أو لحق به مئات من الطلاب والطالبات الذين استشهدوا أو أصيبوا أو اعتقلوا أو فصلوا.
وكما ذكرتك عزيزي القارئ – من قبل في مقال سابق - بالدور الأمريكي في صناعة عشرات الانقلابات، سأبث فيك الأمل وأذكرك أن معظم هذه الانقلابات قد فشلت وتحررت الشعوب من الأخطبوط الأمريكي، والأهم أنني سأذكرك بأن تاريخ الحركة الطلابية المصرية الوطنية يعد مفخرة لشبابها، وما حادثة كوبري عباس يوم 9 فبراير عام 1946مإلا صفحة مضيئة في تاريخنا.
وقد حدثت هذه الحادثة في عهد وزارة المجرم محمود فهمي النقراشي الذي أعاد فتح باب المفاوضات مع بريطانياعلى أساس التمسك بمعاهدة 1936م التي أعطت مصر استقلالاُ منقوصاً يتمثل في بقاء قوات بريطانية في مصر لتأمين قناة السويس، فاندلعت المظاهرات العارمة للطلبة في كل أنحاء مصر تطالب بالجلاء وقطع المفاوضات.
وأصدرت اللجنة التنفيذية العليا للطلبة قرارًا بدعوة الطلاب لعقد مؤتمرات عامة يوم 9 فبراير لمناقشة حالة البلاد في ظل الاحتلال، وطالبت بعدم الدخول في المفاوضات إلا على أساس الجلاء التام، وانعقد المؤتمر فيجامعة القاهرة وشارك فيه كثيرون من طلبة المعاهد والمدارس، وعم الاجتماع شعور بالوحدة وأعلن المؤتمر اعتبار المفاوضة عملاً من أعمال الخيانة يجب وقفه، وطالب بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي 1899 الخاصتين بالسودان وضرورة جلاء القوات البريطانية فورًا.
وخرجت من الجامعة أضخم مظاهرة عرفت منذ قيام الحرب العالمية الثانية فعبرت شارع الجامعة ثم ميدان الجيزة إلى كوبري عباس وما إن توسطته حتى حاصرها البوليس من الجانبين وفتح الكوبري عليها وبدأ الاعتداء على الطلبة فسقط البعض في النيل وقتل وجرح أكثر من مائتي فرد، وفي ذات اليوم حدثت مظاهرة في المنصورة أصيب فيها 7 شبان و3 جنود واعتقل أربعة كما اعتقل عدد من الشبان في أسوان وفي اليوم التالي عمت المظاهرات القاهرة والأقاليم.
وقد أقر عميلا الاحتلال مأمور بندر الجيزة ومأمور بندر مصر القديمة بأن الأوامر صدرت إليه من رئيسهما الانجليزي فيتزباترك باشا حكمدارالجيزة والانجليزي رسل باشا حكمدارالقاهرة وقتئذ بأن يسمح بخروج طلبة الجامعة في مظاهرتهم معلنين المطالب الوطنية حتي يعبروا كوبري عباس, فيضرب كردونا خلفهم ويضربهم بشدة إذا حاولوا العودة إلي الجيزة.
وفي 12 فبراير خرجت جنازة صامتة على روح الشهداء وأقام طلبة الأزهر صلاة الغائب عليهم وحدثت اشتباكات بين الشباب والبوليس أمام كلية الطب لفض مؤتمر عقده الطلبة بالكلية واعتقل العشرات، وحدث اشتباك آخر في الإسكندرية أصيب فيه متظاهرين كما قامت مظاهرة بالزقازيق قتل فيها اثنان وفي المنصورة قتل واحد وجرح مئات.
وصادرت حكومة النقراشي الصحف التي كانت تنشر أخبار المظاهرات مبررة ذلك بالقانون الذي يحظر نشر أخبار صحيحة أو كاذبة عن حوادث الإضراب أو المظاهرات التي يقوم بها الطلبة أو غيرهم حتى لا تسري عدوى "الهياج العام".
ولم يمنع ذلك الاحتجاجاتفأصدرت الحكومة قرارًا بتعطيل الدراسة ثلاثة أيام، فلم تعد المظاهرات قاصرة على الطلبة ولا الشباب إنما ضمت جماهير من كافة الفئات وبدأ معظمها في الأحياء الشعبية.
وبدأ الإضراب العام من طلاب مصر ضد سلطات الاحتلال البريطاني ردًا على أحداث 9 فبراير، وأدى الإضراب إلى التحام الطلاب مع القوات البريطانية في ميدان التحرير التي فتحت النار عليهم فقام الطلاب بحرق أحد المعسكرات البريطانية.
وامتدت الثورة الطلابية إلى أسيوط جنوبًا والإسكندرية شمالًا، وأسفرت تلك الأحداث عن 28 قتيلًا و432 جريحًا، وألقى الكثيرون بالتبعية علي العميل الخائن محمود فهمي النقراشي الذي كان رئيساً للوزراء وكان يتولى وزارة الداخلية أيضاً فاتخذ إجراءات قمعية ضد مظاهرات الطلبة وأطلق يد البوليس في استخدام العنف في استخدام أساليب غاية في القسوة.
وقام الملك فاروق بمنح نيشان "محمد علي" للنقراشي باشا مما يدل على استهتار الملك بمشاعر الناس ولامبالاة إزاء أرواح شهداء الطلبة التي راحت في هذا الحادث؛ فتزايدت مظاهرات الطلبة ضد الملك الذيضحي بالعميل النقراشي، وشكل وزارة جديدة برئاسة إسماعيل صدقي.
لكن الملك فاروق يضطر لإعادة النقراشي للوزارة مرة أخرى في 9 ديسمبر 1946م حتى يواصل أدواره القذرة ويسلم فلسطين لليهود بعدة وسائل منها بتسليم القيادة العامة للجيوش العربية المسلحة إلى إنجليزي صهيوني هو جلوب باشا، وعدم وضع خطة محكمة لتحركات الجيش وتسليحه بأسلحة فاسدة، وقبول الهدنة ليلتقط الصهاينة أنفاسهم، وأخيرا سجن التطوعين المجاهدين لتحرير فلسطين.
وفي النهاية ذهب النقراشي إلى مزبلة التاريخ تماما كما سيذهب غيره من الخونة والعملاء غير مأسوف عليهم، وبقيت صفحات مجيدة سطرها ويسطرها طلاب مصر في تاريخها بأحرف من نور.