قال أحدهم: نذهب ونقول (لا للدستور) حتى لا نترك لهم الفرصة ليمرروا وثيقتهم المشبوهة ويسبغوا على أنفسهم شرعية دستورية.
قال الثاني: ولكن إذا ذهبنا سنمنحهم هذه الشرعية التي يفتقدونها؛ لأننا لبينا نداء رئيس انقلابي دعا إلى التصويت على وثيقة انقلابية، وبالتالي مهما كانت النتيجة فقد حازوا الشرعية.
قال الأول: إذن لا نذهب أفضل فعلاً.. ثم استدرك: ولكن إذا لم نذهب سيحشدون عن طريق قيادات الحزب الوطني والكنيسة وبرهامي، وحتى لو لم يكن الحشد كبيرًا- وهذا ما أتوقعه- سيتكفل الإعلام بإظهار طوابير مصنوعة في بعض اللجان ليبعث رسالة بأن الشعب مع "شرعية السيسي"!!
أضاف الثاني: ولا تنس أن القضاء أصبح مطية للانقلاب، وهو جاهز للتزوير كما كان يفعل أمام "مبارك".
استنكر الأول: قائلاً: لا لا من الصعب لجوء "السيسي" للتزوير لأن الفرز وإعلان النتيجة سيكون باللجان الفرعية، وﻷن وضعه الدولي حرج أصلاً ولا يريد أن يضيف إحراجًا جديدًا "لأوباما" لو شهدت بعض المنظمات الدولية بالتزوير، وبالتالي لن يتحصل على الاعتراف الأمريكي الصريح بشرعيته الذي يُعَدّ شهادة ميلاد تختلف عن ولادة "السِفاح" التي يعاني مرارتها.
الثاني: يا سيدي ومن الذي سيلحظ؟.. إنهم محترفون، والرقابة على الانتخابات لا تذهب لكل اللجان، وسيضمنون النزاهة في اللجان التي ستراقبها المنظمات الدولية و(الشغل) يكون في الباقي.
الأول: صحيح !!ولكن هل ستسكت خمسون منظمة مصرية؟
الثاني: بعضهم لن يسكت قطعًا ولكن ما هي إمكاناتهم لإظهار التزوير لو حدث؟ إمكاناتهم محدودة لا شك، وسيتكفل الإعلام بالرد بأن بعض (التجاوزات) لا تؤثر على "المشهد العظيم"!!!
الأول: ولكن "سواسية" ستراقب؟.. فقد حصلت على موافقة لجنة الانتخابات، لأن اللجنة منحت الموافقة لكل من راقب في الانتخابات الماضية وما زال مسجلاً على نفس نشاطه.
الثاني: نعم، ويمكنها أن تخطط لرقابة تفضحهم في كل اللجان عبر متطوعين في كل المحافظات، بحيث نحوز الخيرين، ألا نشارك ونحرمهم شرعيتنا، وفي نفس الوقت نراقبهم ونفضحهم.
الأول: ولكن في النهاية سيقولون: إن "سواسية" منظمة إخوانية ومن الطبيعي أن تشوه المشهد الديمقراطي، وشهادتها بالتالي مجروحة.
الثاني: صحيح.. فما العمل إذن؟
دخل الفقيه الدستوري في الحوار متسائلاً: أرى أنكم قلقون من إقرار الدستور أليس كذلك؟
قالوا: نعم.
قال: ليس من الحكمة أن تكون أي خطوة من الانقلاب سببًا في توتركم، فهم يفهمون الدستور خطأ، فالدساتير لا تخلق المجتمعات ولا حراكها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولكن الحراك المجتمعي هو الذي يفرز دستوره، فإذا جاءت العملية بالعكس كما هو حادث الآن فسيسقط هذا الدستور المصنوع ولن يحظى هو بالشرعية فضلاً عن أن يسبغ الشرعية على صانعيه، والحقوق التي يقررها لن ترى النور ما دامت تتصادم مع عموم رغبات الشعب، ومن يتحصل على مثل هذه الحقوق ستكون سببًا في معاناته وليس العكس، فالكوتة المقررة للنصارى مثلاً سيجنون بسببها حصارًا شعبيًّا؛ حيث سيشعر الشعب بتمييز طائفي يُقسِّم البلد ويهدد ثوابته، حينئذ ستبدأ عداوة تلقائية لكل من أخذ حقًّا لا يستحقه، وقس على ذلك القضاة والمؤسسة العسكرية ورجال اﻷعمال الذين طمأنوهم بإلغاء مفوضية محاربة الفساد، مما سينتهي به المطاف لإسقاط هذه الحقوق، وإسقاط الوثيقة التي كفلتها.
الأول: الله أعلم، فكم من دساتير ديكتاتورية استمرت. وسكت عنها الشعب.
مدرس التاريخ: أنت أشرت بفصل القول حين قلت: (وسكت الشعب)، لأن الشعوب المتخاذلة لا تستحق إلا أنظمة قمعية، ولكن شعبنا يثور، ويتزايد غضبه كلما اكتشف الخديعة..
أريد أن أذكركم أن ثورة شبيهة بثورتنا في ظروفها وهي "الثورة الفرنسية" لم يستقر لها حال رغم هدم "سجن الباستيل" ومظاهرات النساء حول قصر الملك في "فرساي"، ورغم قيام ما يسمى "الهيئة الثالثة" وهي الممثلة الحقيقية للشعب (بعيد عن هيئتي النبلاء والقساوسة) ووضعت (دستور 1791) لإنشاء الملكية الدستورية، إلا أن فريقًا من شركاء الثورة اختلفوا- وهم (نادي اليعاقبة) بقيادة "روبسير"- وأعلن النظام الجمهوري ووضع (دستور 1793)، ولكن الفريق الآخر من شركاء الثورة واسمهم (الجيروند- نسبة لمكانهم) انتفضوا ووضعوا (دستور1795)!.
اﻷول: يا الله كل هذا النضال من أجل حياة كريمة، فما بالك بمن هدفه مشروع الإسلام الشامل؟!
الثاني (لمدرس التاريخ): يا سيدي أنت أحبطتني بينما تريد أن تمنحني الأمل.. فأنت تشعرني أن نضالنا قد يستمر سنوات، بينما كنت آمل أن نحسم الموضوع في أسابيع أو شهور.
مدرس التاريخ: بالقطع فإن ظروفنا أفضل بكثير ولا أتوقع أن يحتاج نضالنا سنوات، ﻷن اﻷحداث متسارعة والانقلابيون فاشلون تمامًا في التمكن من الحكم، لكن لا تجعل الوقت قيدًا عليك، بل صدِّر له المشكلة بالصمود، ليكون مرور الوقت خنقًا ﻵليات انقلابه.
تدخل السياسي المخضرم قائلاً: هذه مشكلة يجب أن نعالجها فورًا، وننقى منها عقيدة ثورتنا ضد الانقلاب، وعلينا ألا نجعل الوقت ولا الإجراءات الانقلابية قيدًا على حركتنا، وإلا تسربت الهزيمة النفسية إلينا من أنفسنا، لقد تربصوا هم بثورة يناير30 شهرًا وهم شر وباطل وظلم، ألا يتجلد طالبو الحق والخير؟
الأول: ولكن هل يستطيع أنصار الشرعية الاستمرار في ثورتهم وفي تضحياتهم؟
مدرس التاريخ: بالتأكيد يستطيعون فقد واجهوا اﻷسوأ في البداية فماذا يستطيع أن يفعل "السيسي" أكثر من ذلك؟، ولا تستهن يا ولدي بالشعب المصري، ولا تخطئوا في تفسير حالة الانخداع التي يعيشها اليوم، فمنكم من عاد ليكفُر بهذا الشعب، ومنكم من قال: إنه شاهدنا نذبح ولم يتحرك، ومنكم من قال: هم يؤيدون ويفوضون من يستعبدهم.. رغم أنكم جميعًا متفقون على أنه تعرض لأكبر عملية خداع في التاريخ المصري، فهل تراجعون أنفسكم؟ وتعلمون أن واجبكم بجوار الثورة هو إيقاظ الشعب من غفلته وخداعه؟. أم أن هذا كلام صالونات لا يقنعكم؟
الأول: ليس كلام صالونات ولكن المهمة ثقيلة.. هل سنتظاهر ونواجه رصاصهم ومدرعاتهم أم سنقوم بحملات توعية؟
السياسي: أنتم تقومون بها فعلاً، وتقدمون بديلاً إعلاميًّا مؤثرًا سواء بنزولكم اليومي أو بوسائل الميديا الإبداعية التي تنتشر وتلقى نجاحًا متصاعدًا، وينبغي الاستمرار.
مدرس التاريخ: المصريون لهم نضال حقيقي ولكن ﻷن إعلام الضلال يتحدث كثيرًا عن هذا النضال لنفاق الشعب أصبحتم لا تصدقون هذه الحقائق، فقد ناضل حتى وصل (لدستور 1882 ) الذي ألغاه الإنجليز، ثم ناضل لإقرار (دستور 23 ) الذي ألغاه الملك وحكومته العميلة بوضع (دستور30 ) المشوه، والذي أسقطه الشعب بعد خمس سنوات وأعاد دستوره المختار (دستور 23)، كما أن ما تقدمونه اليوم لم تشهده مصر في تاريخها والشعب يستجيب لكم بقدر رفع الغشاوة عن عينيه.. واعلموا أن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها انكشاف لكل مؤسسات الدولة الفاسدة، وهذا من شأنه أن يجعل أهداف انتفاضتكم واضحة، ولا يستطيع أحد خداع الجماهير بعدها إذا صمدنا، فلقد كان الشعب مطمئنًا إلى القضاء وقد فضح؟ وكم كان مطمئنًا إلى قيادات جيشه؟ وكم كان مطمئنًا إلى نخبة ثورية معارضة؟.. الآن تتساقط الأقنعة، وهذه مرحلة متطورة للغاية في جهاد أي شعب.
الفقيه الدستوري: وأنتم أسقطتم بانتفاضتكم ترسانة الدساتير الموهوبة والمعسكرة من56، 52، 71، وتعديل 2005 المشبوه وتعديلات 2007، ووصلتم لدستور 2012، لذا فما يقوم به العسكر الآن هو مجرد مقاومة منه قبل أن تسقط ولايتهم الاحتكارية على الشعب، لذا وجب مقاومتهم بمنتهى العناد والإصرار حتى تخور قواهم.
الثاني: إذن فما هي واجباتنا القادمة؟
تدخل "الشيخ" الذي حضر النقاش ولم يتكلم فقال: إنهم يسابقون الزمن إلى شرعية يفتقدونها بإقرار الدستور فاعملوا على إسقاطه، فإن نجحوا فاعتبروها جولة وليست نهاية، وسيذهبون إلى انتخابات رئاسة وبرلمان، فأفشلوهم ولديكم الوقت للانتشار بأرجاء البلاد، فإن فشلوا فقد خلصنا الله منهم، وإن نجحوا فقد حفروا قبورهم بأيديهم، ووضعوا أنفسهم على سدة حكم لشعب أغلبه سيرفضهم، واستمِرُّوا في تدمير ركائز عرشهم، فكلما طال الوقت كان تدمير الفساد أيسر.
علينا أن نشعرهم أن كل يوم هو آخر أيامهم، ولكن علينا أن نوطن أنفسنا على جهاد طويل في نفس الوقت.
المهم عقيدة مستقرة، وجهاد طويل، وإبداع وتطوير للمعركة، وعمل في كل أفرع الحياة.
وليكن يقينكم دائمًا أنكم منصورون وأنهم مخذولون.
وسينتقلون بسبب صمودكم من فشل إلى فشل، وسيكون تدبيرهم تدميرهم.
حاصروهم- أنهكوهم- أسقطوهم.
مكملين..
لا رجوع.
------------