دستور أي بلد هو عقيدتها ومرجعيتها، وهو الترجمة الأمينة لدينها وقيمها وأعرافها، وهو توافق وطني وشعبي، ولسان حال جميع أطياف المجتمع، وما سمعنا بدولة- منذ أن عرفت الدول الدساتير- وضعت دستورها عنوة على غير رغبة مواطنيها، أو وضعته على أشلاء ودماء بنيها، سوى دولة العسكر الانقلابية التي تحكمنا هذه الأيام، وقد ولغت في دماء الشعب وفعلت ما لم يفعله الأعداء.

 

إن دستورًا وضعته الراقصات، وشارك فيه الشواذ والفلول ومتعاطو البانجو والخمور، وقد أتى بعد انقلاب دموي فاشي، وبعد مقتل نحو ستة آلاف شخص وإصابة عشرين ألفًا وسجن مثلهم ويزيد- لا يصح أن نطلق عليه لفظ (دستور)، بل قل: هو اتفاق حرام بين عصابة من الأشرار جمعهم الكيد للمسلمين، فتخلوا عن خلافاتهم ونزاعاتهم- وهي كثيرة- وعكفوا على صياغة هذا الاتفاق فيما بينهم، والذي بموجبه يكون لهم حكم البلاد والعباد- ولو بالنار والدمار- وتغييب الصالحين الأطهار؛ إما بالقتل وإما بالسجن والترهيب.

 

لم يختر الشعب أحدًا من أعضاء تلك العصابة التي خطت هذه الوثيقة الصفراء، وقد كتبوا ما كتبوا من مواد عنصرية وأبواب طائفية في جنح الظلام، ثم خرجوا إلينا- بكل بجاحة- يطالبون بالتصويت بنعم على ما كتبوا، وقد وزعوا الغنيمة فيما بينهم، فتلك مادة لتحصين العسكر، سارقي البلد ناهبي خيراته، وأخرى لمحاكمة من يخالف العسكر، وثالثة لزرع شوارع مصر بالكنائس وتغيير وجهها الإسلامي الحضاري، ورابعة لفرض الأقباط على المجالس التشريعية، وسادسة وسابعة وعاشرة من المواد التي تلغي الهوية وتجعل الشرع مستباحًا، بعدما أحلت تلك الوثيقة ما حرّم الله وحرمت ما أحل الله، وما مواد مساواة المرأة بالرجل- على سبيل المثال- إلا ترجمة لهذا العدوان على حدود الله وشرائع دينه.

 

يأتي هذا (الدستور!!) السفاح، ليبجل القاتل، ويمدح ظلمه وعدوانه، ويفسح له الطريق لمزيد من القتل والدماء، ويعطيه- فوق ذلك- ملك مصر، ليجعل أهلها عبيدًا، وقد استخف كثيرًا منهم- للأسف الشديد- فأطاعوه، وقربوه واعتبروه نبي العصر، وفلتة الزمان الذي لم يتكرر اسمه ولا رسمه ولا شخصه على مر الأيام، ما أغراه بالتدليس والكذب، والتمادي في القتل والتنكيل، بعدما اطمئن لكثرة العبيد، وانبطاح غير ذوي المروءة، الذين لم يكتفوا بانبطاحهم، بل راحوا يمجدون المجرم ويثنون على قدراته وإمكاناته.

 

لن يعترف وطني واحد كامل الأهلية بهذا الدجل، ولن يقبل مصري محترم بتمرير هذا (الزفت) ولم يزل الرئيس المنتخب مخطوفًا، ولم يزل أنصار الشرعية مسجونين أو مطاردين، فالحق أحق أن يتبع، وما جرى هو انقلاب غادر على اختيار شعبي تم بأرقى وسائل الديمقراطية، والمشاركة في هذا (الدستور!!) وغيره من الإجراءات ضمن (خارطة إبليس) هو مشاركة أثيمة في دماء من قتلوا عمدًا وبدم بارد تحت ضحكات العسكر الهستيرية وسخريتهم من الأطهار الشرفاء وقد حوصروا وتساقط عليهم الرصاص والغاز من كل مكان.

 

حرام على كل مسلم، أن يسمح بالحديث- مجرد الحديث- عن هذا العبث، وإلا فإنه يحلل القتل ويجيز انتهاك الحرمات، ويشارك في إقامة دول الباطل والضلال.. ليس كافيًا إسقاط الانقلاب- وقد بدأ بالفعل في السقوط- بل لن يرضى الشعب بأقل من تعليق القتلة على أعواد المشانق في الميادين العامة، ومحاسبة كل من شارك في هذا الغدر وتلك الخيانة، وعودة الشرعية التي قام الشعب بثورة من أجلها وناضل على مدى سنة ونصف السنة لتحقيقها، ثم أتى العسكر فنسفوا كل ذلك بجرة قلم في بيان لم يزد على خمسة أو ستة أسطر، فهل يقبل هذه الشعوذة عاقل أو إنسان لديه ذرة من كرامة؟!.. والله لا يقبل هذا إلا سفيه يستحق الحجر، أو صاحب عذر لا طاقة له بالتغيير أو إبداء الرأي، فهو عاجز اليد واللسان متعطل القلب.