أكد بحثٌ علمي جديد أنَّ اللغةَ العربيةَ هي أصل لغات البشر جميعًا، وربما تكون النتيجة التي توصَّل إليها هذا البحث ليست جديدة علينا نحن العرب لكوننا نؤمن أنَّ لسانَ العربِ هو لسان أهل الجنةِ التي كان فيها أبونا آدم عليه السلام، لكنَّ الجديدَ في البحث أن صاحبه من خارج دائرة المتخصصين في اللغة العربية فهو ليس من خريجي الأزهر أو دار العلوم أو حتى كليات الآداب، بل هو مهندس متخصص في الهندسةِ الميكانيكية، إنه عبد المنعم الغروري الذي قدَّم بحثه ومشروع أبحاثه القادمة إلى عددٍ من كبارِ المتخصصين في اللغة وآدابها مثل د. عبد العظيم المطعني ود. عبد الغفار حامد هلال العميد السابق بكلية اللغة العربية والدكتور مدحت الجيار الأستاذ بجامعة الزقازيق وغيرهم، وكان ردهم جميعًا موافقتهم الباحث على النتائجِ التي توصَّل إليها.

 

في البداية يقول عبد المنعم الغروري تخرَّجتُ في كليةِ الهندسة عام 1962م وسافرتُ في بعثةٍ إلى كل من ألمانيا وإيطاليا بهدف نقل صناعة أجزاء الجرِّ الخاصة بالسيارات والجرارات إلى مصر، ويُطلق على هذه الأجزاء اللفظ الإنجليزي GEAR  وأصلها العربي (الجواري) أي الجاريات حول محورها.

 

ويُضيف في عام 1980م بدأت في إعدادِ كتابٍ يجمع كل خبرتي في هذا المجال ليكون الساعد الأول للمهندسين والفنيين واخترتُ له عنوانًا هو (المرجع العربي في صناعةِ التروس)، وهنا بدأت المأساة حيث اكتشفت ضآلة رصيدي اللغوي؛ وهو ما دفعني إلى البحثِ في المراجع العربية وعلى رأسها لسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، وخلال هذا البحث صادفتني تفسيرات لمصطلحات أجنبية كثيرة جاءت من أصول عربية مثل industry وهو لفظ إنجليزي وفرنسي من الأصليين العربيين TIDUR تطور و SYN صنعة، وهنا أسقط الأعجمي الهاء كما فعل في لفظِ القاهرة وكتبه Cairo، ثم أسقط العين أيضًا لغيابها عن لسانه.

 

سألناه عن الدافعِ الذي جعله قوم بهذا البحث فقال: أولاً: رفع الألفاظ الأعجمية من المعاجم العربية مثل معجمي الوسيط والوجيز الذين أصدرهما مجمع اللغة العربية، وقد بلغ عدد هذه الألفاظ ثلاثة آلاف لفظ مثل التليباني Telepathy توارد فكرة على خاطري شخصين متباعدين في وقتٍ واحد، وبتطبيق المنهج الذي توصلتُ إليه يكون معناه تبادل الوحي = Telepathy وأصلها لفظ إنجليزي من كلمتين عربيتين هما تبادل TEPTL والوحي AEHY، وهنا أبدل الأعجمي حرف الحاء بحرف H، كما فعل في لفظ حاز كتبه HAS، ونلاحظ هنا رجوع حرف P المصنع إلى أصله وهو الباء العربية.

 

وثانيًا: كما يقول الباحث: إنَّ المنهجَ الذي توصلتُ إليه من خلالِ هذا البحث يدفع عجلة التغريب في كلياتنا العلمية مثل الطب والهندسة، والعلوم والصيدلة؛ وذلك لأننا نعيش واقعًا علميًّا مؤسفًا حيث يتم تدريس العلوم في الجامعاتِ بلغة غير لغتنا، بينما اليهود يقومون بتدريس العلوم بلغة التوراة منذ خمسين عامًا وهو أمر في غايةِ الخطورة لو استمرَّ دون تصويب.

 

مشكلة المنهج

تسبب الحماس الذي يتحدث به المهندس الغروري في أن نسأله عن مدى توافر الشكلِ العلمي للمنهج الذي اتبعه في هذا البحثِ فكانت إجابته بنفس الحماس: أنا بدأتُ البحث بالحجةِ التي أثبتها العالم اللغوي الألماني الشهير شلوتزر في تقسيمِ لغات البشر إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى اللغات الصرفية والانشقاقية وهي الساميات ومنها العربية والآرامية؛ حيث إنها لغات لا تستعين في اشتقاق المعنى بإضافةِ اللواصق وبتجميع أجزاء الكلام، وإنما هي تنحت الألفاظ من جذور المعاني ثم تشتق الموسع من البسيطِ بالتصرفِ في بنية الجذر الأصلي وِفْق أوزان ثابتة فمثلاً نحن نقول: فعل يفعل فهو فاعل.

 

والثانية: اللغات الغروية ومنها أسرة اللغات الهندأوروبية فهي لغات تستعين في اشتقاقِ المعنى الموسع من المعنى البسيط بإضافةِ اللواصق من الخلفِ والأمام فيبدو اللفظ منحوتًا من كلمةٍ واحدة نطقًا وكتابةً، وهو في الحقيقةِ مكون من بضعةِ أجزاء موصولة ببعضها كأنما يربطها غراء.

 

وعلى هذا كما يقول المهندس الغروروي فإنَّ اللغةَ العربيةَ تكون الأكثر ثراءً من حيثِ الوفرة الاشتقاقية التي لا تتوفر لغيرها من لغاتِ العالم المعروفة اليوم.

 

الاعتراضات

ورغم أنَّ هناك من علماءِ اللغة مَن وافقوا على ما ذهب إليه الباحث المهندس الغروري كان هناك آخرون ردوا بقولهم:

 

إنَّ هذا البحث جاء من غيرِ متخصصٍ، ولذلك طرحنا هذا الاعتراض على الباحثِ فقال: أنا دخلتُ هذا المجال من بابِ تخصصي الأصلي في الهندسةِ الميكانيكية عندما كنت أُعدُّ مؤلفي (المرجع العربي في صناعة التروس)، وهو الذي دفعني إلى البحثِ في المعاجم العربية لأحصل على ضالتي وهي المصطلح التقني، وهذا يقع في دائرة اختصاصنا نحن المهندسين، وقد كشف منهج التأصيل العربي الذي توصلتُ إليه الآلاف من الألفاظِ التقنية جاءت من الأصولِ العربية مثل اللفظ المشهور Ductile= يدق ويطبل والمعنى العربي يصف المادة الطروق مثل النحاس وحولها الأعجمي بالنحتِ من الأصلين العربيين DUIC = يدق وUDEL للاختصار أي أن Ductile = يستطيل، وبالمنهج نفسه يمكن القول إنَّ الأعجمي حوَّل اللفظ بالقلبِ بين الأحرف من الأصل العربي يستطيل وبالتأصيل يصبح Ucitdel .

 

سألنا الباحث عن الذين اعترضوا على البحثِ فقال: حتى الآن لم يعترض علماء على البحث ومنهجيته وإنما بعضهم قال إنَّ المصطلحاتِ العلمية تكون من حقِّ الذين أنشئوها لكن ردي على ذلك أنَّ الصانع الأجنبي لم يستطع تكوين مصطلحٍ جديد إلا من أصولٍ عربية.

 

ماذا لو؟

وفي الختامِ قلنا للمهندس عبد المنعم الغروري ماذا لو جاء باحث آخر وأثبت خطأ ما ذهبتَ إليه من نتائج؟ فأجاب: أنا لست أول الباحثين في هذه القضية فقد سبقني الشيخ محمد أحمد مظهر العالم الهندسي المسلم سنة 1960م؛ حيث نشرت عدة مقالات في مجلةِ الديانات التي تصدر في الهند باللغة الانجليزية، وقد بسط آراءه في هذه القضيةِ من خلال تسعِ مقالات استعرض فيها أصل طائفة من اللغات الحية والميتة مبينًا تشعبها من أصول اللغة العربية فطبق نظريته على اللغة السنسكريتية واللغة الإنجليزية.

 

وفي عام 1991م قدمت الدكتورة تحية إسماعيل أستاذ اللغة الانجليزية بآدابِ القاهرة كتابها (العربية منشأ الهندوأوروبيات)، وقدَّم أفكار هذا البحث الدكتور مصطفى محمود وأنا لا أسعى من خلال بحثي إلى الحصولِ على شهرة أو درجة علمية أو أرباح دنيوية، ولكن هدفي هو خدمة اللغة العربية التي شرَّفها الله سبحانه وتعالى بأن خلدها بجعلها الوعاء الذي نزل فيه الوحي الإلهي إلى رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو القرآن الكريم دستور البشرية الخالد.