ذكرى مولدك سيدي يا رسول الله، روحٌ ملهمة، لأمتك الثائرة.

 

أمة لو وعت مكنون رسالتك لكانت أعز الأمم.

 

رسالتك سيدي رسالة تحرير للإنسان، رسالة تضع المسلم بين حدين صارمين هما: "لا تَذِل، ولا تَطْغًى"، فالمسلم محرم عليه قبول الذل، ومحرم عليه أن يطغى ويستذل غيره.

 

لا للذل..

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 8)، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً  * إلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) (النساء؛ 97-99).

 

ولا للطغيان والعلو في الأرض..

(تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83)

 

وفي سبيل إعزاز الإنسان وحفظ كرامته، جعل مقاومة الظلم مسئولية الأمة إن لم تقم بها فقد عرضت نفسها للعذاب.. "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعذاب منه"، "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم".

 

يعلق الكاتب الراحل خالد محمد خالد رحمه الله عن هذا الحديث بقوله: "قوة الأمة تتبدى أول ما تتبدى في موقفها الحازم تجاه أي ظلم سياسي أو اجتماعي مهما يكن مصدر هذا الظلم، وإذا ذلت الأمة وهانت أمام جبروت طغاتها، رفع الله يده عنها، ثم لم يبالِ في أي واد هلكت، ولا في أي هوة فاغرة سقطت".

 

هذه هي التعاليم التي صاغت شخصية المسلم، فحمل رسالته ليزلزل أركان الظالمين، وترجمها في عبارات ربعي بن عامر أمام كسرى: "جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة"، وترجمتها شخصية الأعرابي الذي وقف أمام خليفة المسلمين يقول له: "والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا".

 

إنها عقيدة عزة وكرامة، لم تهيئ أتباعها بظهور وحوافر ليكونوا مركبًا للطغاة الظالمين، بل هيأتهم بمخالب وأنياب ليكونوا أسودًا تأبى الضيم، وترفض الذل، وتكافح الظلم.

 

إن أعمق معاني الديمقراطية التي توصلت لها المدنية الحديثة بعد صراعها الطويل نحو الحرية لن تعدو أن تتجاوز هذين الحدين الذين وضعها الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا: لا للذل، ولا للطغيان.. لا تَذِل، ولا تَطْغَى.

 

والصلاة والسلام على خير الأنام محرر الإنسان، والرحمة المهداة لكل الأنام.