في انتخابات التزوير عام 2010م اكتسح الحزب الوطني الحاكم- آنذاك- بفوزٍ منقطع النظير، وفي غضون أشهرٍ أعقبت ذلك الفوز خرج الشعب المصري ثائرًا ليسقط ذلك الحزب ونظام الحكم برمته معلنًا أن إرادته قد زُوِّرَت عليه في تلك الانتخابات وما سبقها من انتخاباتٍ واستفتاءات، لقد أسقط الشعب نظام مبارك ودستورَه رغم أنه- وفقًا للنتائج الرسمية للانتخابات- كان يحصد أغلبيةً ساحقةً من أصوات الناخبين الأحياء منهم والأموات، كذلك كان دأب تعديلاته على الدستور، وقف الشعب في ميدان التحرير وفى كل ميادين مصر متحديًا شرعية نظامٍ بني وجوده القانوني على الغش والتزوير، وأبى الثوار إلا أن يُقوِّضوا أركان ذلك النظام أو يموتوا دون ذلك، فخر النظام أمام إرادته صَعِقًا، ليثبت الشعب أنه صاحب الأرض وسيدُها، وأن كل من يضع يده عليها مدعيًا ملكيتها إنما هو مغتصبٌ مجرمٌ آثم، حتى وإن قدم أوراقًا رسميةً تثبت ملكيته لها، فالمواطنة هي الرسمية القانونية المطلقة التي لا تحتاج صكًا أو توثيقًا يثبتها، ولا يَحْتَجّ - أمامها - أصحابُ الحقوق والمراكز بما يُثبت حقوقَهم ومراكزَهم ولو كانوا يركنون إلى سنداتٍ رسمية ؛ لأن الشعب هو من أضفى الرسمية على سنداتهم، وله وحده - دون معقبٍ ودون ذريعةٍ - أن يَنقض ما أبرمه في أي وقت ودون سابق إنذار، إنه صاحب الحق الرسمي المطلق في كل شيء.
فإذا خلصنا أن الشعب له الحق المطلق في نقض أي سندٍ رسمي صحيح يَحتج به صاحبه أمامه، فإنه- من باب أولى - يملك ذلك الحق إذا كان من بيده السند قد استحصل عليه بالمخالفة للقانون أو بالغش والتدليس، فالقاضي يستطيع إهدار السند الرسمي - ولو كان حكمًا قضائيًا باتًا- إذا بُني ذلك السند على غشٍ أو تدليس، وقد استنبط قضاء النقض ذلك الحكم من القاعدة الأصولية التى تقول إن " الغش يفسد كل شيئٍ " وقد تواترت الأحكام على ذلك النهج إلى يومنا هذا واستقرت محكمة النقض على أنه : " من المقرر في قضاء هذه المحكمة: أن قاعدة "الغش يبطل التصرفات" هي قاعدةُ سليمةٌ ولو لم يجرِ بها نصٌ خاصٌ في القانون، وتقوم على اعتباراتٍ خُلُقية و اجتماعية في محاربة الغش والخديعة والاحتيال و عدم الانحراف عن جادة حسن النية الواجب توافره في التصرفات والإجراءات عمومًا؛ صيانةً لمصلحة الإفراد و المجتمع، و إذ كان إستخلاص عناصر الغش من وقائع الدعوى و تقدير ما يَثبُتُ به هذا الغش وما لا يثبت به يدخل في السلطة التقديرية لقاضى الموضوع بعيداً عن رقابة محكمة النقض في ذلك ؛ ما دامت الوقائع تسمح به . "( الطعن رقم 1073لسنة 48 ق - جلسة 21 / 5 / 1979 - س 30 - ج 2 - ص 399 )، ( الطعن رقم 345 لسنة 21 ق - جلسة 0 / 2 / 1956 - س 7 - ج 1 - ص 168 ) , ( الطعن رقم 1629لسنة 60 ق - جلسة 12 / 12 / 1995- س 46 - ج 2 - ص 1363) .
فإذا كان القاضي - وهو أحد عُمَّال الشعب في ولاية العدل- يملك نقض ما هو رسميٌ إذا بني على غشٍ أو تدليسٍ، أفلا يملك الشعبُ ذلك وهو من ولاهُ ذلك الأمر؟ بالقطع يملك الشعب ذلك، يملك نقض كل ما يستند إلى رسميةٍ صحيحة، كما يملك إهدار ما يتساند إلى رسميةٍ باطلةٍ قامت على التزوير والغش، فهو المحكمة العليا للنقض والإبرام، يُصدر أحكامه دون رقابةٍ أو أسباب سوى إرادته المطلقة، ومن هنا أقول : إن الإستفتاء على تعديل الدستور الشرعى للبلاد الذى أقره الشعب ولازال متمسكًا به، هو استفتاءٌ على إهدار إرادته وتزويرها، وقد بلغ ذلك الإستفتاء من البطلان مبلغًا ينحدر بنتيجته إلى حد الانعدام، ذلك أنه قام على انقلابٍ عسكرىٍ اغتصب السلطةَ ممن ولاه الشعب أمرها بقوة السلاح دون سندٍ من الواقع أو القانون، فانعدم ما يوجبه، وانتفى ما يبرره، هذا الانقلاب اختطف رئيس الدولة الشرعى وأجلس مكانه آخر دون إرادة الأمة ودون سندٍ من القانون، وعطل الدستور، وأطاح بحكومة الشرعية وأحل محلَّها حكومةً انقلابيةً تُواليه، وتمكن من خلال ذلك النظام الذى صنعه أن يستصدر إعلاناتٍ دستوريةٍ وأن يدعو الناخبين للإستفتاء على تعديل الدستور المعطل الذى وضعته لجنةٌ شكلها واختارها بطريقةٍ تحكميةٍ، فلم تُجرِ تعديلاتٍ بل مسخت دستور الأمة وطمست هويتها وجمعت في يد الحاكم تلابيبَ السلطة والحكم، وها هو قد استفتى الشعبَ عليها، فلم يذهب إليه سوى الأقباط وكوادر الحزب الوطني، والنتيجة معروفةٌ مقدمًا أن ذلك المسخ الدستورى سيُمرر وسيحصد - كما كان يحدث بالماضي- الأغلبيةَ المطلوبة، سيعود ما قبل ثورة يناير إلى الوجود من جديد، نفس الطرق وذات الأساليب، والنخب التي زرعها مبارك في كل سلطات الدولة- دون غيرها- ستلعب ذات الدور الذي كانت تلعبه لحسابه، والقصة معروفةٌ ولا زالت تُحكى، أليس ذلك أكبر عملية غشٍ عرفها التاريخ ؟
لكن كما ثار الشعب بعد أشهرٍ من انتخابات عام 2010 وأهدر نتائجها، بإمكانه أن يخرج ليقوض ما سيسفر عنه ذلك الإستفتاء من نتائج لا تعبر عن إرادته، فليصنعوا ألف استفتاءٍ وانتخاب، إن هذا لا يكبح إرادة الشعب، ولا يقيدها، ولا يلزمه بقبول نتائجها، وليمكثوا على ذالك عاكفين، فإن حق الشعب في نقض ما أبرموا - وقتما يشاء وكيفما يشاء - أصيلٌ لا يسقط بالتقادم، ولا يدحضه سندٌ رسمىٌ أو اعترافٌ دولىٌ أوشهود زور ؛ لأن الشعب مطلقٌ في مشيئته وكل ما دونه نسبىٌ، وهو ثابتٌ في ذاته , وكل ما يخرج عن تلك الذاتِ متغيرٌ، وهو الخالدُ أبدًا والأفراد إلى زوال، هو من يبرم وينقض ويعطى ويمنع، هو من يَسألُ ولا يُسأل، هو واهب الشرعية وقابضها، هو مانح الرسمية وساحبها، واليوم ينظر إلى مايجرى من استفتاءٍ على دستورٍ لا يريده ويعلم التواطؤَ على تمريره باطمئنانٍ أن بمقدوره إلحاقه بما سبقه من دساتير أبطلها, إن ذلك الاستفتاء هو آخر محاولات الانقلاب للحياة، لكن لا حياةَ لمن ولد ميتًا، لا حياة للأموات .
----------------
* رئيس محكمة المنصورة عضو المكتب التنفيذى لحركة قضاة من أجل مصر رئيس حملة الشعب يدافع عن دستوره ضد الإنقلاب