ككل المناسبات التى تمنى الانقلابيون أن تكون تبييضا لوجه انقلابهم ، تتحول المناسبة إلى خطوة للأمام يرسمها الثوار بدمائهم ، وإصرارهم ... وعقولهم النيرة .
وهذه شواهدنا على يوم الاستفتاء :
أولاً: فشل الانقلاب في تزييف الصورة :
كان الحشد الإعلامى للتصويت بنعم مخططا له بعناية ، فلم يقتصر على الميديا المصرية فقط ، ولكنه أدخل فى السياق قنوات عربية مثل MBC مصر ، وروتانا ، والإخبارية والعربية بكل فروعها ، كما دخلت قنوات أجنبية مثل فرنسا 24 ، الحرة ، بقوة ودخلت الـ BBC ولكن بحرفية سيلاحظها المهتمون فقط .
وكان دور الإعلام المصرى فى 3 محاور :
1-الحشد للتصويت بنعم .
2-أن التصويت لم يسبق له مثيل فى التاريخ .
3-التخويف من الإخوان وأعمالهم الإجرامية !!
واقتصر الدور العربى والأجنبى على الاحتفاء بنسبة التصويت ، وفى كل الشاشات فقد تم تسليط الكاميرات على مامجموعه حوالى 20 لجنة لا تبارحهم ، بحيث تذهب الكاميرا وتجئ إلى المكان المحشود له بشكل احتفالى .
وزايد المذيعون كل حسب ثقافته ومخاطرته !!
فتجرأوا وغامروا بالأرقام ليثبتوا أن النسب قد تجاوزت الخمسين بالمائة فى اليوم الأول !!
وكان الإبراشى ولميس على رأس المهرطقين .
وهلل الإعلام المصرى لخبر من CNN صباح أول يوم مفاده أن طوابير الاستفتاء تملأ مصر ، ولكن مع مساء اليوم الثانى كانت الصواعق تتوالى حين أعلن مراسل CNN أن (عدد المصوتين أقل من عدد المتظاهرين) ، ولترد مراسلة الواشنطن بوست"إيرين" على المتحدث العسكرى الذى زعم أن الحشود لم يسبق لها مثيل فقالت له نعم لعلها لم يحدث لها مثيل (فى الانخفاض) ، ثم أتت الجارديان صبيحة 15 يناير لتقول قتلى ومقاطعون على طريق إستفتاء مصر ، بينما عادت BBC إلى رشدها فكانت أخبار الجميع من (9 محافظات كبرى) أن التصويت ضعيف أو منعدم ولم يعرفوا نسب الحضور مطلقا بينما أشاوس مصر علموا أنها ستتعدى الثمانين بالمائة !!
وفاجأ مركز (تكامل مصر) الجميع حين أصدر تقرير اليوم الأول (والمهم) بأنه تراوح من 3-9% فى كل محافظات مصر ريفا وحضرا .
ثم اختتم الاستفتاء أعماله بتقرير اللجنة الدولية للحقوقيين (بأن الاستفتاء جرى فى أجواء من الرعب والتخويف )، ناهيك عن تصريحات أمريكية رسمية بأن الإستفتاء وحده لا يكفى وإنما المهم هو التوافق الوطنى .
وأتى يوم الخميس 16/1 بمايشبه الهجوم المنظم من كبريات الصحف والمنظمات الحقوقية الدولية ، وكانت صحف "كريستيان ساينس مونيتور" و"لوس أنجلوس تايمز" و"واشنطن بوست"ووكالة "أسوشيتدبرس" ، و"إيكونوميست" و"الجارديان" و"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جرنال" ، جاءت هذه الصحف بكل مايسقط الوجه الديمقراطى ،أو النزيه ، أو الناجح ، للاستفتاء ، أو للسيسي أو لحزب النور ،وكانت التغطيات كلها بعبارات خشنة وطالب بعضها بعدم الاعتداد دوليا وأمريكيا بهذا التصويت.
أما منظمة "الشفافية الدولية" فقد أرسلت ثمانية فقط وقررت أنهم واجهوا قيودا لاداعى لها أعاقت عملهم، وبادر"مركز كارنيجى" بتقرير يصف الاستفتاء بأنه (تخطى كل حدود التجاوزات وأثبت أن العسكر غير راغبين فى التنازل عن السلطة لأى رئيس مدنى منتخب)
ومازال التنديد الإعلامى الدولى بالحدث متواليا حتى كتابة هذه السطور ، لكن ألطف الحوادث كانت فى القبض –خطأ- على الفريق الدولى الذى استأجره السيسي لتجميل صورته!
أما أبطال المشهد فكانت الميديا الشخصية البديلة التى صورت (الناخب الدوار) ، واللجان الخاوية ، والمال الانتخابى،وحفلات الرقص ، والتوجيه من خارج أو داخل اللجان ، بالإضافة لانعدام الوعى لدى المصوتين جماعيا.
لكن التحالف قد تفوق على نفسه بأن راقب نسبة الحضور بكل اللجان ، مع حفاظه على خطة تحركاته الثورية ، وكانت له نتائجه المفصلة التى أكدت أن نسب الحضور تراوحت بين 3 و15 بالمائة.
الدلالة الواضحة هنا هى نجاح مقاطعة الاستفتاء فعليا ،وهذا مايهم الثوار بصرف النظر عما سيتخذه الانقلاب من قرارات تالية ، فهكذا تموت خارطة الطريق يوما بعد يوم ويتشبث السيسي بالهواء ، وينضم الحدث إلى دفتر انتصارات الثورة.
ثانيا :دولة الشيوخ فى مواجهة ثورة الشباب :
لم تخطئ عيون الميديا ارتفاع أعمار مؤيدى الانقلاب ، مع حداثة أعمار الثوار والرافضين لخارطة السيسى ولا حظنا فى هذا الإطار :
1-طوابير الصباح كانت من عجائز وشيوخ المسيحيين الذين خرجوا فى معركة حياة أو موت قادها "تواضروس" شخصيا .
2-التصويت الجماعى والمحشودون أمام الكاميرات أغلبهم يبدأون من العقد الخامس ، وأن عمر الشباب تكاد ينحصر فى الجنود الذين ألبسوهم ثيابا مدنية ، أو فى البلطجية .
3-أن ضيوف القنوات كلها ، من العجائز والشيوخ ، وخلا المشهد تماما من الشباب الثورى ، أو الخبراء الذين اكتشفتهم الثورة ، ووجدنا لواءات متقاعدين ووزراء من عهد ناصر والسادات ومبارك ، ومثقفين وفنانين طاعنين تجاوزتهم الثورة ثم عادوا ليحلو محل الشباب !!
وخطورة الاعتماد على هؤلاء هو فى وقوعهم فى الأخطاء المهلكة التى تدمر معنويات مؤيديهم ، وكذلك فى خطابهم الحجرى والتخوينى وغير المتحفظ ، وانفعالهم السريع بسبب السن والمرض، وتمثيلهم لعصور مكروهة من الغالبية .
هذا فى الوقت الذى أدار فيه الانقلاب وجهه للشباب الثورى المثقف أمثال عبد الرحمن يوسف وبلال فضل والحمزاوى والبرغوثى وهيثم محمد وهيثم أبو خليل ، بعد أن سجن علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر ودومة ، ثم أساء إلى إسراء وأسماء والنجار ، ولا أذكر هنا طبعا رموز الثورة الإسلاميين فكلهم إما فى الميدان أو شهداء أو فى السجون .
هذا بالإضافة إلى خنوع بعض اكتشافات الثورة مثل معتز عبد الفتاح الذى ارتمى فى أحضان العسكر.
وخلاصة المشهد أن أجيال الشباب انضمت للثورة ، وأن أجيال الشيوخ والعجائز انضمت للعسكر ، وأسفر ذلك عن أمل حقيقى بمستقبل الثورة ؛ فالزمن فى صالح الثوار ، أما الانقلاب فهو يستكمل امتصاص ما تبقى من رحيق دولة العجائز العسكربة... وأى رحيق يا ترى قد بقى؟!
ثالثاً :اعتماد الانقلاب على الأمل الأمريكى :
يعلم العسكر ما سبق تماما ، ويعيش الأزمة كما نشرحها نحن الآن ، فهل يترك نفسه بلا سند ؟
بالقطع يبقى المرابى الأمريكى هو الملاذ الآمن لكل الديكتاتوريات والانقلابات العسكرية فى كل مكان على وجه الأرض.
وستلاحظ الآتى :
1-إعتذار "مركز كارتر" عن مراقبة الانتخابات ، بزغم أن الظروف غير مواتية لإجراء استفتاء نزيه ، رغم أن المركز راقب فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية إستحقاقات تصويتية أصعب من ذلك بكثير ، وإذا علمنا أن المركز يحظى بثقة القرار الأمريكى ، وأنه يتحرك وفق هذا القرار ، فإن الا تفاق -كما ترى- أن يتحمل الانقلابيون ملاحظة (الاعتذار والنقد بسبب سوء الأجواء) وألا يتحمل نتائج المراقبة التى لا شك لم تكن فى صالح الإنقلاب ...
وقد يُرفع الحرج عن الإدارة الأمريكية بغياب المركز ،بالإضافة إلى أن الإدارة كانت بصدد توقيع توافق بين الحزبين فى الكونجرس يضع حدا لحالة الشلل فى القرار السياسى والاقتصادى فى أمريكا ، وتسبب هذا الوفاق فى التبشير بقرب صدور قانون بصرف المعونة لمصر (حوالى 1,5 مليار دولار) ، بشرط شهادة من كيرى بسلامة موقف الانقلاب من إسرائيل والحفاظ على "كامب ديفيد" .
3-وُضعت قناة الحرة تحت أمر الاستفتاء فوجدناها قد فقدت رشدها وتركت الحبل على الغارب للمراسلين المصريين الذين استخرجوا مواهبهم الإنشائية اللاموضوعية لتزييف الصورة طبقا للرؤية الانقلابية .
4-وبعد أن احتار الانقلابيون مع المواقف العربية الإقليمية ، حيث نرى السعودية فى منتهى القرب مع الانقلاب ثم الجفاء ثم البعد ثم القرب ، وكذلك الإمارات ، والكويت ، ومن هنا كان الموقف الأمريكى هو الذى يضبط البوصلة ويعيد العرب إلى رشدهم !!
ويتلخص الموقف الإنقلابى فى كلمة السر القديمة وهى ( هو السند أمريكى ،والداعمون عرب والحكم الذى يضبط المساندة أو الدعم... إسرائيلى .
السند الأمريكى متردد والعربى مضطرب وضابط الإيقاع هو الصديق الإسرائيلى !!
إذا :لا ثورة ، ولا شعب ، ولا قوة ناعمة مصرية يعتمد عليها الانقلاب.
رابعا :عودة المشهد للثلاثية الثورية :
يحاول الانقلاب (تجميد) موقف الثوار و(تطوير) موقف سلطته ، بحيث يفرض واقعا يتجاوز الثوار ، وباءت كل محاولاته بالفشل ، وشواهد ذلك هى :
1-إصرار الثوار على أن يربحوا كل المواقف والمناسبات بنسبة مائة بالمائة مكنهم من أن يفرضوا شكل المعادلة التى يرونها بالمشهد المصرى ؛ حيث تبلور الموقف من جديد إلى الصورة الثورية وهى (حراك ثورى/حيرة الكتلة الصامتة/حراك مضاد من منظومة المصالح القديمة) لكن الميزة هو التقدم خطوة كبيرة نحو انكشاف تفاصيل الدولة بحيث تصبح الثورة على (مكونات) دولة الفساد كلها وليس على رمزها فقط (مبارك) .
2-سقوط إستراتيجية (الرعب/استغلال الدين/الخداع الإعلامى) .
وهذا ما رأيناه بكثافة هائلة لحث الناس على التصويت ، ولم يستجب الناس ، وبالتالى تسقط الاستراتيجية التى لا يملك الانقلاب غيرها.
3-سقوط المشروعية القانونية للانقلاب (بالتزوير) بعد سقوط المشروعية الأخلاقية (باستغلال القضاء) .
4-تقدم تحالف الشرعية خطوة جديدة ؛ فبعد أن امتلك (الشوارع) عاد ليمتلك التأثير على (الصوت الانتخابى) ، ويتبقى له السيطرة على (ميادين الثورة) حتى سقوط العسكر ، وسيظهر امتلاك الصوت الانتخابى فى التحدى الأكبر وهو التصويت على انتخاب السيسى ، وأتصور أن تصويت الاستفتاء سيعيد العسكر إلى المربع صفر ، والتفكير فى محاولة إيجاد تسويه مع الرئيس الشرعى ، والسيسى يعلم أن التصويت على الاستفتاء كانت تصويتا على شرعيته هو شخصيا ، تماما كما كان التصويت على إستفتاء 2012 تصويتا على مشروعية الرئيس وجماعة الإخوان بالإضافة للدستور نفسه ، واستمرار التحالف فى احتقار السلطة وإسقاط هيبتها وإنهاك قواها البشرية ، سيلجئ الانقلاب إلى الذود عن (الميادين) ولو بحمامات الدم ، وإذا فكر العسكر فى حمامات الدم فقد أتى يوم الخلاص ، فهذا هو اليوم الذى تنتصر فيه الثورات .
لقد قدم الثوار شهداء فى أيام الاستفتاء وقدموا معتقلين ومصابين ، ليثبتوا أننا فى أيام لا يتحقق فيها أهداف الشعب دون العرق والدم .
كنا نقرأ هذا فى الكتب .
الآن نقرؤه ونحن نُسجِّى أعين الشهداء أو نخرج الرصاص من جسد المصابين أو نزور المعتقلين .
الحمد لله على الفوز فى المعركة الإستفتاء.
وإلى النصر فى 25 ؟
مكملين ...
لا رجوع ...