قال الحكماء: إن من يعرف التاريخ يضيف إلى عمره عدد سنوات ذلك التاريخ، ولذلك يعود العقلاء إليهليتعلموا من دروسه، ويستلهموا منه العبر والعظات، ويدرسوا تجارب الأمم وما وقعت فيه من الأخطاء للنجاة عن مزلات ومواطن الضرر.
ولما كانت ثورتنا المصرية تتعرض لمرحلة حرجة تكاد تبلغ فيها القلوب الحناجر، لذا وجب علينا أن نلقي نظرة سريعة علىتاريخ الثورات الشعبية في الأمم الأخرى حتى وإن اختلفنا معها، ونعرف أهم العقبات التي واجهتها وكيف نجحت في اجتيازها؟ وما المدة التي استغرقتها للوصول إلى بر الأمان؟
وسنبدأ بالثورة الفرنسيةالتي اندلعت في الرابع عشر من يوليو عام 1789م وامتدت عشر سنوات حتى 1799م، مرت خلالها بثلاث مراحل أساسية:
المرحلة الأولى (يوليو1789- 878838783أغسطس1792)، فترة الملكية الدستورية:
تميزت هذه المرحلة بتأسيس الجمعية الوطنية، واحتلال سجن الباستيل، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أول دستور للبلاد، والمسيرة الكبرى نحو البلاط الملكي في فرساي،واتهام النظام الملكي اليميني بمحاولة إحباط إصلاحات رئيسيّة، وتم إلغاء امتيازات النبلاء ورجال الدين ومصادرة أملاك الكنيسة،وأقرت الثورة مبدأ مجانية وإجبارية التعليم والعدالة الاجتماعية وتوحيد وتعميم اللغة الفرنسية.
المرحلة الثانية (أغسطس1792- 9899989يوليو1794)، فترة بداية النظام الجمهوري وتصاعد التيار الثوري:
تم إعلان إلغاء الملكيةثم إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى (إقامة نظام جمهوري متشدد) في سبتمبر 1792، وأعدم الملك لويس السادس عشر، وتم الإطاحة برؤوس من 16,000 إلى 40,000 مواطن فرنسي في الفترة الممتدة بين 1793 و1794 على يد "لجنة السلامة العامة" إثر سيطرة روبسيبر على السلطة.
المرحلة الثالثة، (يوليو1794 – 99998881نوفمبر1799)، فترة تراجع التيار الثوري:
وعودة البورجوازية التي سيطرت على الحكم ووضعت دستورا جديدا وتحالفت مع الجيش، كما شجعت الضابط نابليون بونابرت للقيام بانقلاب عسكري عام 1799م ووضع حد للثورة وإقام نظام ديكتاتوري.
واستمرت عودة الحكم الملكي واستبداله بنظام جمهوري لفترات ممتدة خلال القرن التاسع عشر، حيث قامت الجمهورية الفرنسية الثانية (1848-1852)ثم تلتها عودة الملكية (1852-1870) وفي أعقاب الهزيمة الساحقة التي مني بها الإمبراطور نابليون الثالث على يد الجيوش الألمانية قامت الجمهورية الفرنسية الثالثة من عام 1870 واستمرت حتى عام 1940عندما احتلت ألمانيا فرنسا ثم تحررها عام 1945.
وهكذا رأينا أن الصراع بين الثوار الأحرار وأنصار النظام الملكي البائد والديكتاتورية المستبدة قد استمر حوالي 81 سنة حتى قامت الجمهورية الفرنسية الثالثة.
وبمناسبة الثورة الفرنسية كان لابد أن نتوقف مع شخصية عسكرية هامة أثرت في أحداثها ونعني بها الجنرال: نابليون بونابرت، ونقارن بينه وبين الجنرال السيسي.
لا يُعرف للجنرال السيسي أي تاريخ عسكري أو سياسي مشرف سوى أن المجرم مبارك – المعروف بسوء اختياراته - قد اختاره رئيسا للمخابرات الحربية، ثم خُدِع فيه الرئيس مرسي لما رأى تمثيله العاطفي لدور المؤمن التقي فعينه وزيرا للدفاع على غير اجتهاد منه؛ فخان "ولي نعمته" ولدغ اليد التي امتدت إليه بالإحسان، وقتل وجرح وسجن الآلاف من شعبه، وانتهك أعراض نسائهم، وأحرق المساجد، وصادر أموال اليتامى في الجمعيات الخيرية...إلخ.
وعلى النقيض من الجنرال السيسي، فقد ذاعت شهرة انتصارات الجنرال بونابرت وخططه ومهاراته الحربية ضد أعداء وطنه الخارجيين قبل وبعد توليه الحكم، إلا أنه يتشابه مع السيسي في كثير من مواقف الخيانة والفشل والفساد والإجرام ...إلخ.
ففي سنة 1795أظهر نابليون براعته في باريس حين ساهم في تعضيد حكومة الإدارة وفي القضاء على المظاهرات التي قام بها الملكيون، تساعدهم العناصر المحافظة والرجعية.
وقاد نابليون الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ووجّه نداءً إلى الشعب المصري، دعاه إلى الاستكانة والتعاون زاعما أن نابليون قد اعتنق الإسلام وأصبح صديقًا وحاميًا للإسلام، وأنه "صديقٌ للسلطان العثماني" وادعى أيضًا أنه قدم إلى مصر "للاقتصاص من المماليك" لا غير، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري، وكان يتجوّل مرتديا الملابس الشرقية والعمامةوالجلباب، وكان يتردد على المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية مثل الصلاة(أنا مش هحلف بس أقسم بالله .. انتو مش عارفين انكو نور عنينا ولا إيه).
وفي حملته على مدينة يافا أمر بإعدام جميع أفراد الحامية و1400 أسير حرب من الذين ساهموا بالدفاع عن المدينة، باستخدام الحراب أو عن طريق الإغراق، وذلك كي يوفر رصاص البنادق، وسمح لجنوده بنهب المدينة، فارتكبوا عدّة فظائع طيلة 3 أيام، حيث نهبت وقتلت الكثير من السكان (مجزرة الحرس الجمهوري وفض رابعة والنهضة ومجزرة رمسيس).
وعندما رفع الحصار عن عكا وتراجع إلى مصر، ولكي يسرّع من تحرك الجيش، أمر بأن يُدس السم لكل جندي في جيشه مُصاب بوباءالملارياأوالطاعون كي لا يكون هناك ما يُلكأ المسيرة (كل من يحاول تعطيل مسيرته سيتخلص منه كالبرادعي).
وفي سنة 1799، اغتنم بونابرت فرصة الانسحاب المؤقت للسفن البريطانية من على سواحل فرنسا وأبحر مسرعًا إليها، وترك للجنرال كليبر قيادة القوة الفرنسية في مصر.
وعرض "عمانوئيل جوزيف سيس" (حمدين صباحي حاليا)، على نابليون أن يدعمه في انقلاب للإطاحة بالحكومة الدستورية وإقامة حكومة جديدة بدلاً منها، بعد أن أصبحت الأولى شديدة الوهن ولا تقوى على النظر بشؤون البلاد والعباد، فقاد نابليون الجنود، وعزل أعضاء الحكومة بالقوة، واستولى على الحكم، وجعل مكان الحكومة القديمة حكومة جديدة مكونة من ثلاثة قناصل: "سيس"، "دوكو"، ونابليون نفسه.
وكان "سيس" يعتقد بأنه سيُسيطر على الحكومة الجديدة بمنتهى السهولة، نظرًا لأنه هو من كان صاحب فكرة الانقلاب منذ البداية، إلا أن نابليون كان أكثر دهاءً وأشد مكرًا منه، حيث قام بنفسه بصياغة العديد من مواد الدستور (كما حدث في دستورالدم 2014)، بشكل يضمن انتخابه لمنصب القنصل الأول،فانتقل للسكن في قصر التويلري الذي اتخذ منه ملوك فرنسا مقرًا لهم في السابق، ثم سعى في إعلان نفسه امبراطورا وتم له هذا بعد 5 سنوات بإعلان من مجلس الشيوخ الفرنسي.
أعاد نابليون إقرار صحة الاتجار بالرقيق في قانون سنة 1802 في جميع المستعمرات الفرنسية، ملغيًا بذلك قانون سنة 1794 الذي كان قد قضى على العبودية نهائيًا،فثار سكان المستعمرات وخاصة المستعبدين منهم، ثاروا على الفرنسيين وقاوموهم وتكبد كلا الطرفين خسائر بشرية كبيرة، فأرسل نابليون جيشًا ليستعيد السيطرة على القسم الغربي من الجزيرة المعروف باسم "القديس دومينيك"، إلا أن ذلك الجيش لم يستطع أن يفعل شيئًا، إذ أُفني عن بكرة أبيه بفعل انتشار الحمى الصفراء بين الجنود وبسبب المقاومة الشديدة التي أبداها القادة العسكريون الهاييتيون.
فلما بدأت الحرب مع بريطانيا تلوح بالأفق، وتبين لبونابرت أنها واقعة قريبًا لا محالة، قام ببيع حصة فرنسا من الأراضي في أمريكا الشمالية إلى الولايات المتحدة، خصوصًا أنه لم يكن بالإمكان الدفاع عنها ضد البريطانيين حال زحفوا عليها من مستعمراتهم الكندية شمالاً. أضف إلى ذلك أن الخزينة الفرنسية كانت على شفير الإفلاس، وكانت الدولة بحاجة إلى موارد مالية تستطيع بواسطتها أن تُنفق على الجيش في الحرب القادمة،وحصلت الولايات المتحدة على الأراضي التي شكّلت مستعمرة لويزيانا الفرنسية مقابل أقل من 3 سنتات للفدان الواحد (7.40$ للكيلومتر المربع).
كانت العلاقات الودية بين الدولة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية قد انقطعت إبان الثورة،فلما تولى نابليون الحكم رأى أن المصلحة تقتضي إعادة التفاهم بين الكنيسة وفرنسا، وعقد معها معاهدةاعترف فيها نابليون بالبابا رئيسًا للكنيسة وأزال بعض القيود التي فرضتها الثورة على رجال الدين، وعادت المياه إلى مجاريها بين فرنسا والبابا. (مشهد تواضرس والطيب 3 يوليو)
كانت الثورة قد قضت على نظام الطبقات وجعلت الناس متساوين، ولكن نابليون أنشأ طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات لا ترتكز على الحسب والنسب كالسابق، بل على الخدمات الجليلة الشأن التي يُقدمها الفرد لوطنه!!، وتكون هذه الامتيازات على شكل أوسمة وألقاب تُمنح لمستحقيها من رجال العلم والأدب والسياسة والفن وغيرها. (عكاشة وإلهام وتهاني ...إلخ)
تزوج نابليون في سنة 1810 من ابنة الإمبراطور النمساوي "ماري لويز" فتوترت علاقته مع الكنيسة، حيث رفض ثلاثة عشر كاردينالاً حضور حفل زفافه، فأمر بسجنهم جميعًا.
ونشبت معركة بورودينوبين نابليون وروسيا نجم عنها خسارة35,000 جندي فرنسي ما بين قتيل وجريح وأسير، وقد قيل في هذه المعركة أنها كانت أكثر المعارك دمويةً في التاريخ البشري حتى ذلك الحين، ثم انسحب الجيش الفرنسي من موسكو بعد أن بلغت نابليون أنباء مقلقة عن اضطراب الأوضاع في فرنسا وخوفه من فقدان سلطته، وعانى الفرنسيون معاناة كبيرة أثناء انسحابهم، إذ تعاون برد الشتاء الروسي القارس والمرض ومناوشات الأقنان على إفناء الجيش فلم يسلم منه إلا عدد قليل، فقد كان عدد الجنود في بداية الحملة يصل لأكثر من 400,000 جندي على الخط الأمامي، أما عند العودة في شهر نوفمبر من سنة 1812، فلم ينجح أكثر من 40,000 منهم بعبور نهر بيريزينا.
وفي سنة 1813، هزمت قوّات الائتلاف السادس الجيش الفرنسي في معركة الأمم؛ وفي السنة اللاحقة اجتاحت هذه القوّات فرنسا ودخلت العاصمة باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش، ونفوه إلى جزيرة ألبا.
هرب بونابرت من منفاه بعد أقل من سنة، وعاد ليتربع على عرش فرنسا، وحاول مقاومة الحلفاء واستعادة مجده السابق، لكنهم هزموه شر هزيمة في معركة واترلو عام 1815م، ثم استسلم بونابرت بعد ذلك للبريطانيين، الذين نفوه إلى جزيرة سانت هيلانة فتوفي بها سنة 1821م.
وقد استشهد العالم النفسي "ألفرد أدلر" بنابليون سنة 1908، ليصف عقدة نقص يعاني منها الناس قصار القامة، حيث يُظهرون سلوكًا عدائيًا غير عادي ليعوضوا عن افتقارهم للطول الطبيعي؛ فأطلق على هذه الحالة المرضية اسم "عقدة نابليون".
ويرى البعض نابليون طاغية جبارا مغتصبا للسلطة، أعاد الحكومة الامبراطورية ووزع المناصب والألقاب على أسرته ودخل مغامرات عسكرية دمرت الجيش، حيث لم تكن لديه أية مشكلة في التضحية بآلاف بل بملايين الأشخاص في سبيل الوصول إلى الهدف الذي يبتغيه، وأنه في سعيه إلى السلطة المطلقة أشعل نار الحرب في أوروبا وأجج النزاعات فيها، وترك الخزانة الفرنسية مفلسة (إهداء إلى أنصار الاستقرار).
وانتقدوا سماحه لجنوده بنهب المدن والبلاد التي دخلوها، فمتاحف فرنسا لا تزال غنية بالتحف والآثار التي غنمتها الجنود الفرنسية في العديد من البلدان التي غزتها وأحضرتها إلى متحف اللوفر، الأمر الذي جعل منه متحفًا مركزيُا مهمًا؛ وقد أدى عمل بونابرت هذا إلى تقليد القادة اللاحقين له في غزواتهم، مما حرم الكثير من الدول من كنوزها القومية ومنها مصر التي يحتفل فيها بعض المغفلون بالحملة الفرنسية عليها.
ترى هل سيصمت الشعب المصري على نزوات المغامرين الحالمين بالأوميجا حتى تفلس مصر وتحتل ويهزم جيشها كما حدث لفرنسا في عهد نابليون؟!