سبعة أشهر مرت على الانقلاب الدموي الفاشي، قوبل خلالها بمقاومة فاقت الخيال من جماهير الشعب، بل اعتبرها البعض تجربة إنسانية نضالية فريدة.. وقد آتت تلك المقاومة أكلها؛ إذ صار الانقلابيون محاصرين من شتى الجهات، فلم يستطيعوا أن يضيفوا لبنة واحدة إلى نظامهم الحرام، بل لا نبالغ إذا قلنا إن الفوضى ضربت كل شيء، وتفككت أوصال الدولة، ولم تعد هناك مؤسسات بالمعنى المتعارف عليه في مكونات الدول، وما بقي هو قوة باطشة لعناصر فاسدة مطلوبة للقصاص، يدعمها- للأسف- جيش دولة بكامل عتاده، كان الأولى به أن يوجه هذا الدعم لحدودنا المخترقة ومياهنا المسروقة.
لا مجال إذًا لليأس أو التراجع، وإذا كانت ثمة دعوات لوقف النضال تحت زعم ألا طاقة لنا بهؤلاء، فإنما هي دعوات صادرة عن الشئون المعنوية للعسكر لتثبيط الهمم، وتقنيط الثوار، وشغل الناس عن جرائمهم، وهكذا تزيف الحقائق وتضيع الحقوق، ويذهب دم الأبرار الأطهار هدرًا، وهو ما لا يقبله وطني شريف أو مسلم يعرف أبجديات دينه.
لو استطاع الانقلابيون السير في خريطتهم الشيطانية (خريطة المستقبل) لقلنا إنهم بالفعل قفزوا فوق الحصار، لكنهم لم يستطيعوا أن ينفذوا منها شيئًا ولن يستطيعوا، هم يوهمون المغيبين من أنصارهم- الذين أعمتهم مصالحهم عن الوقوف مع الحق- أنهم أنجزوا وأنجزوا، أما الواقع فيكذب كل ادعاءاتهم، فلا الناس شعروا بالأمن، ولا لمسوا تحسنًا اقتصاديًّا ومعيشيًّا، ولا رأوا استقرارًا على مستوى من المستويات، بل يمسك الجميع قلبه خوفًا من وقوع حرب أهلية وفتن طائفية بعدما قسم العسكر الشعب قسمين: قسمًا يستبيح الدم بغير حق، ويغني للبيادة التي داست على كل القيم والأعراف، وقسمًا آخر يحاول استرداد بلده الذي سُرق، ويعيد لمواطنيه كرامتهم وعزتهم ومستقبلهم المشرق المضيء.
والله-عز وجل- يحب أن يرى منا في هذه الأيام جرأة وإقدامًا لإزهاق الباطل، ونضالاً وصمودًا على مشاق الطريق، والجائزة كبرى إن شاء الله، فمصر التي اكتوت بنار العسكر وفسادهم وتفريطهم، آن لها أن تودعهم إلى غير رجعة، ومن يناصرهم، ومن يمدهم بالمال والسلاح والأفكار المسمومة والخدع المجرمة.. وفي اعتقادي أن الشرفاء أضعاف أضعاف من تورطوا في حرب الحق وقتل أهله، ما يطيل النفس، ويزرع الأمل في اندحار الباطل والتكبير لعودة الأمور إلى نصابها.
وكلٌ يعمل على شاكلته، لكن لا مبرر لقعود أو فرار أو نكوص أو اختلاق أعذار، بل المطلوب نسيان الرخصة والأخذ بالعزيمة، خصوصًا الشباب الطاهر الزكي، مفجر الثورات قاهر الطغاة المستبدين.. ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئًا، فالثورة يلزمها- بالطبع- ملايين الغاضبين في الشوارع، كما يلزمها محامون يدافعون عنها ويروجون لثمارها، ويلزمها إعلاميون يوضحون الصورة ويردون على كذب وتدليس عبيد الانقلابيين، ويلزم الثورة- قبل كل هذا- مشاركة أطياف المجتمع كافة، وأن تكون المرأة- بعاطفتها وسلميتها- في مقدمة الصف، ترمز للحق الأعزل الذي يواجه الدبابة والمصفحة، ويقاوم ذكورًا ملثمين يصطنعون البطولة في الشوارع ويفرون- في المقابل- من الأعداء على جبهات القتال.
والله ليتمن الله الأمر، فإنه ناموس وقدر، غير أن الله لا يعجل بعجلة أحدنا، وأن هناك ميقاتًا يفصل فيه- سبحانه- بين الحق والباطل، فيجعل الأولين في مقام محمود، يعلون الآخرين الذين ضلوا وأضلوا وزلوا وأزلوا وجهلوا فما تركوا إثمًا إلا فعلوه ولا جرمًا إلا ارتكبوه.. والله لا يخزى عباده الصالحين المضحين، وما سمعنا يومًا أن طاغية نال نهاية سعيدة، والعبرة بالخواتيم، قد يطول الطريق قليلا، لكن الجائزة في آخره، هكذا كان حال الرسل والأنبياء والأصفياء "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ" [البقرة: 214].