لا أرى مسوغًا لليأس والقنوط والإحباط بعد تطورات الأحداث، فإن أولئك جميعًا مما نهى الله تعالى عنها.. وعلى كل من حدثته نفسه بها أن يراجع إيمانه، وأن ينظر فى طاعاته وعلاقته بربه، فإن الله لم يجعل الدنيا دار راحة للمؤمنين، بل دار محن وابتلاء، وهى سجن المؤمن وجنة الكافر.. ولا يزال المؤمن يتنقل بين محنة وأختها حتى يختم الله له بالخير، ويكلل صبره بالأجر العظيم والثواب الجليل، وتمتد ثمار ذلك الأجر إلى أمة المسلمين جميعًا، الفاجر منها والبر.. من أجل ذلك جعل الله الجهاد الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، الذى إن تركه المؤمنون ذلوا.


والله -سبحانه- لا يعجل لعجلة أحدنا؛ ذلك لأن لهذا الكون نواميس، الله وحده هو الذى يحركها ويجريها، وهو ناظر ومطلع على كل صغائرنا وكبائرنا، ويعلم ما يصلح العباد وما يضرهم، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، ورحمته بالصالحين أعظم، فهو وليهم وركنهم وظهيرهم والمدافع عنهم، ولن يرضى -جل فى علاه- أن يكون شيئًا فى ملكه فى غير صالحهم، غير أنه -من باب الاصطفاء- يميزهم ويختبرهم، فيكون الأذى والضيق من جانب الكفار والمنافقين والظالمين وأشباههم، فلا يزال المؤمن يتقلب فى هذه الساحة حتى يأتى وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.


المطلوب منا أن نعمل لله طول الوقت، وفى كل عمل نجدد النية، ونستعين بالله على من يعادينا، ونعوذ به من الزيغ ومضلات الهوى، ومن الجهالة والضلال، ومن الزلل والضياع، ولا شىء من أفعال البشر -مهما كان حجمه وضرره- يثنينا عن طريق الله، فنحن مأمورون بالحركة والنشاط ودفع اليأس والتعلق بالرجاء -حتى لو قامت القيامة، كما جاء فى السنة- وقد ضرب الأنبياء الكرام المثل فى علو الهمة وقوة العزيمة وتمام الإرادة.. فها هو نوح يظل فى قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وقد سخروا منه واستهزءوا به، لكنه لم يبق وسيلة من وسائل الدعوة إلا جربها معهم.. ورغم كل ذلك فما آمن معه إلا قليل، فما سمعنا أنه أصيب بالإحباط، بل عده الله من أولى العزم من الرسل، أولئك الخمسة الذين نجلهم ونعتز بهم. بل كان أنبياء غيره يأتى أحدهم ومعه الرهط، ومعه الرجلان، ومعه الرجل، ويأتى النبى وليس معه أحد، فما ضرهم ذلك أبدًا، إنما أدوا ما عليهم وما سمعنا أنهم قصروا فيما أرسلوا من أجله.


 قد يلحقنا اليأس للحظة، لكن لا نفرّ، إنما نستعيذ بالله من ذلك كما نستعيذ به سبحانه من الذنوب والهوام وشرار البشر، وأن نتذكر فإذا نحن مبصرون.. لقد لام الله ذا النون -عليه السلام- لفراره من قومه لما أبدوه من عزوف عن دعوته، بل عاقبه حتى آب وعاد، فعوضه الله بعدد من الملتحقين بركب الدعوة لم يذكر مثله فى كتاب الله.. وعاتب النبى صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت لقلة صبره وملله، ففى صحيح البخارى عنه -رضى الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له فى ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له فى الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.. لكنكم تستعجلون».. وعمر بن الخطاب لما رأى العرب قد ارتدت، أصابه اليأس للحظة؛ إذ ظن ألا طاقة للمسلمين بحربهم جميعًا، فكانت التذكرة من الصديق أبى بكر، الذى خاطبه بشدة قائلا: «أجبار فى الجاهلية خوار فى الإسلام يا عمر، والله لو منعونى عقالا كان يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحاربتهم عليه» فأفاق عمر بأن شرح الله صدره لرأى أبى بكر.


 وفى قصة يوسف -عليه السلام- درس بليغ لمن غابت عنه مبادئ الدين وثوابت الدعوة.. لقد تقلب الكريم ابن الكريم ابن الكريم فى ظلمات الأذى والظلم سنين عدة، وهو النبى، فما صرفه ذلك عن طريقه شيئًا، بل تجد فى سيرته إشراق المؤمن وعزته، وقوته وصلابته، وفى المقابل حقارة ونذالة من آذوه ولاحقوه، ففى المشاهد الأخيرة من القصة رأينا من ألقوه فى البئر قد جاءوه متسولين، ومن اتهمته زورًا قدمت له الاعتذار وهى صاغرة ذليلة، وقد صار ملكًا عزيزًا ونبيًا كريمًا، وهو من ختم بالآية: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين} [يوسف: 90].


 والله الذى لا إله إلا هو، لسوف ينصر الله أولياءه نصرًا مؤزرًا، ولسوف يطال انتقامه من قتلوا وحرقوا وسجنوا وأصابوا الصالحين، وسوف تطرق عليهم المصائب كل باب فما يستطيعون دفعها {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31].. والمطلوب: الصبر، وانتظار الفرج، فأما الأول فهو شطر الإيمان، وأما الآخر فهو عبادة المرابطين، وأن نستن بالأفاضل ممن شهدوا الأحزاب، فما أوقفوا الحفر، وما استعجلوا النصر، وما علموا أن المعركة سوف تحسمها الريح.. إنها جنود الله التى لا يعلمها إلا هو.


6- وألا نعتمد على عواطفنا وحدها فى الحكم على الأشياء.. فتلك مواقف تحتاج إيمان المؤمنين وهمة السابقين وعقل العاقلين، يقول الإمام الشهيد حسن البنا فى ذلك: «ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق فى أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هى منكم ببعيد».