نعم، حمّل المولى- عز وجل- شرفاء هذه الأمة أمانة حفظها ورعايتها، وصونها من عبث العابثين وكيد الكائدين، فهم لذلك أكثر الناس بلاءً، وعلى قدر دينهم تكون درجة البلاء.. والمعاصرون ليسوا بدعًا من الأولين، فما كتب على حواريي الأنبياء وعلى أصحاب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، يكتب مثله- وربما أكثر- على المتأخرين؛ إذ القابض على دينه الآن مثل القابض على الجمر، وكان في الأولين من يعينون على مشقات الطريق، والآن لا يجد الصالحون من يعينهم على ذلك.
وليكن معلومًا أن الله- عز وجل- لا يرضى لعباده العذاب، لكنه يحب أن يرى منهم خيرًا، ويريد أن يميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، ولا يكون ذلك إلا في مواضع البذل والتضحية، فالصادق يسترخص دمه ويهلك ماله في سبيل الله، والكاذب ممتنع أو متردد، لا يرى ما يراه المؤمن من برد اليقين وسلامة الطريق وصحة الوجهة رغم ما يعترضه من عقبات وما يلاقيه من إحن وآلام.
ولا يظن ظان أن هذا رضاء بالدون وتسليم بالواقع ولو كان مرًّا، أبدًا فالمسلمون عقب أحد- ولم يضعوا أسلحتهم بعد- تجهزوا لملاقاة الكفار في جولة أخرى في حمراء الأسد، رغم ما قوبلوا به من حملات دعاية مضادة بغرض شق الصف وتسريب الضعف واليأس إليهم.. وفي مقابل هذا الصمود وتلك الإرادة القوية والعزيمة الضاربة التي قرأنا مشاهدها في كتب السيرة؛ حيث كان الأخ السليم يحمل أخاه الجريح لنقله إلى أرض المعركة الجديدة- كانت المكافأة من الله تعالى؛ إذ انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم.
إنه- إذًا- قدر وملحمة كتبها الله على المصطفين الأخيار، فمن أراد أن يدخل في هذه الطائفة الطاهرة، فليدخل وله الأجر، في الدنيا والآخرة، لكن ليعلم أنه يدافع عن شرف أمة، وعن مستقبل وطن سرق منذ عقود، سرقته عصابة تكره الدين وتعادي الأخلاق.. من أجل ذلك سوف يكون ثمن تحرره غاليًا، وضريبة استرداده مكلفة، من أرواح وأموال، وسوف يستغرق ذلك زمنًا ربما يطول، فهل من مشمر لهذه المهمة؟، وهل من صابر على تلك المطالب وهاتيك التكاليف؟ وهل من رجل لا يشكو ولا يضعف ولا يفتر ولا يمل؟.. اللهم أشهد أن أمتك لا تخلو من هؤلاء الأخيار الأبرار.
ماذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين، الشريف النسيب، مع من عادوه حتى يتعرض لما تعرض له، وهو النبي الخاتم والرسول المجتبى؟!.. والجواب قاله له بحيرا الراهب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم: "لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي".. لم يكن النبي الكريم يتصور أن قومه سوف يخرجونه ويحاولون قتله وتوقيفه، لم يتخيل أن الخير يقابل بعداوة، وأن الطهر تقابله القسوة والفظاظة.. ورغم ذلك لم يقعد يأسًا وزهقًا، ولم يعتب على ربه- وحاشاه أن يفعل ذلك- أن أخر عنه النصر أو أبطأ الانتقام ممن آذوه وأظهروا له صنوف الإرهاب.. لقد بقى في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الله، في أجواء عداوة وقهر وحصار، ومؤامرات وتحالفات شيطانية، فما ذهب يومًا مغاضبًا على تلك البأساء، بل أقصى ما قال: "إن لم يكن بك غضب علىَّ فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي"، قالها بعد شوط من العذاب ورحلة غير موفقة إلى الطائف أوذي فيها كثيرًا، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
إذًا سوف يحاسبنا الله على العمل، لكن لن يحاسبنا على نتائجه، فإنه- سبحانه- أثنى على العاملين القائمين المجاهدين، المنفقين المتصدقين، الباذلين أرواحهم وما ملكوا لله، وذم- في المقابل- القاعدين الناكصين المترددين، الذين ألقوا بأيديهم إلى التهلكة؛ لإمساكهم وفرارهم من حظيرة الله إلى حظوظ دنيوية بائسة.. أما نتائج هذا وذاك فإنها من قدر الله، يضعه فيمن يراه أهلاً له، في الوقت الذي يراه مناسبًا له.. ولهذا يأخذك العجب في مواقف السيرة: ففي بدر خرجوا للعير فكانت النفير، وهي الغزوة التي سميت (فرقانًا) تقديرًا لنتائجها العظام، رغم أنهم لم يعدوا لها العدة، وهي التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن شاركوا فيها بعد تورط حاطب في قصة فتح مكة "لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اذهبوا فإني قد غفرت لكم".. وفي أحد تجهزوا، وتشاوروا وأعدوا العدة، ورغم ذلك أصيبوا وعادوا يتجرعون ألم المعركة.. وفي الأحزاب آتاهم النصر من حيث لم يحتسبوا.. وهكذا في سائر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم: الخروج من الأزمات يضعه الله عز وجل، أما المؤمنون فإنهم في شغل دائم، يؤدون ما عليهم، لا تتوقف حركتهم ولا ينزعجون لعارض، ولا يغترون بعدد ولا عدة، لكنهم على ثقة كما قالت أم المؤمنين الأولى: "والله لا يخزيك الله أبدًا"؛ لعلمها بما قدم من خير سوف يجد في مقابله- عند الله- خيرًا أعظم، في الدنيا والآخرة.
والباحثون عما عند الله من نصر وأجر، يتحرون صدق النية، وسلامة الصدر، ويتحرون البعد عن المعاصي والذنوب، وعدم الوقوع في الصغير والكبير منها، فإنها مهلكة مبعدة للنصر، فقد عاتب الله مقاتلي أحد الذين قالوا كيف ننهزم ونحن المؤمنون، قائلا: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)) (آل عمران)؛ لمخالفتهم أمر النبي صلى الله عليهم وسلم في التزام الجبل وجريهم وراء المغانم، فانكشف لذلك الصف وعلا عليهم الأعداء.
وفي القرآن أمثلة لا تحصى لأقوام أهلكتهم ذنوبهم، وبسببها تسلط عليهم الأعداء وعمتهم البلاءات، فما نجاهم سوى التوبة والإنابة، والتزام الإيمان والثقة فيما عند الله.. وهو ما نأمله أن يكون في صف الثوار الآن الذين يرابطون في سبيل الله، فيجب أن تكون سريرتهم نقية، وظهرهم كوجههم، فلا يكونون سببًا في تغلب الأعداء عليهم، وانصرافهم- عياذًا بالله- غير مأجورين.