البشري: برامج المعرض وندواته لا تناسبني
العريان: التعنت وراء غياب الأنشطة الحقيقية هذا العام
تحقيق: أحمد الطهطاوي
ينتظر المثقفون وعامة الناس معرضَ القاهرة الدولي للكتاب، هذا العرس الثقافي كل عام؛ للمشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية مع كبار المفكرين والكتَّاب ورجال السياسة في مختلف المجالات.
ولكن للأسف.. لم تكتمل فرحة هذا العرس هذا العام؛ لغياب الندوات الدينية والسياسية، والتي تُعتبر أهم الجوانب فعاليةً في برنامج المعرض الثامن والثلاثين؛ بسبب تعنت إدارة المعرض وتمسكها بعدم إقامة أية ندوات دينية أو سياسية، وكذلك عدم استضافة أية شخصيات دينية أو سياسية كبيرة، وهو ما أدَّى إلى غياب السخونة عن الندوات والفعاليات.
الأمر الذي أثار التساؤلات حول هذا الحَظْر المثير للجدل والمرفوض من حشد المثقفين العرب، والذي يتزامن مع التطورات السياسية على الساحة المصرية، وبشكل خاص بروز الإسلاميين كقوةٍ فعَّالةٍ مؤثرة في صنع القرار السياسي بعد نجاحهم الساحق في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
ومن أطرف ما تمَّت ملاحظته هذا العام في معرض الكتاب تكدُّس عربات الأمن المركزي بجنودها المسلحين بالهراوات داخل المعرض في انتظار أية بادرة مظاهرات للانقضاض عليها رغم قلة الجمهور الذي قاطع الندوات التي يتسم معظمها بالتَّفاهة.
ومع اقتراب نهايات فعاليات المعرض الدولي للكتاب تواجه الإدارة المنظمة مأزقًا صعبًا، وضعها فيه هذه المرة الجمهور، بعد أن تصدَّرت الكتب الدينية والسياسية مبيعات المعرض؛
حيث شهد المعرض إقبالاً كبيرًا من الجمهور على الكتاب السياسي والديني، وهو خيار بعيد عن المحورين اللذين حددتهما إدارة المعرض لهذا العام.
فمن أكثر الكتب مبيعًا "الدولة والسلطة في الإسلام" للدكتور صابر طعيمة و"موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب" للدكتور عبد المنعم الحفني و"من سرق المصحف" للدكتور رفعت سيد أحمد، وكتاب الشيخ عائض القرني الصادر عن دار العبيكان بعنوان "إشراقات" و"سلسلة تصحيح المفاهيم" و"الحاكمية إستراتيجية وتفجيرات القاعدة" عن نفس الدار.
وفي مجال السياسة العربية كتاب "ياسر عرفات" إعداد بسام أبو شريف وكتاب "عاهرات مقدسات.. نساء في خدمة المخابرات الإسرائيلية" إعداد مصباح محجوب من أهم وأكثر الكتب مبيعًا.
ولكن الشيء اللافت للنظر هذا العام هو غياب المثقفين عن معرض الكتاب، وتؤكد كافة الشواهد أنه قرارٌ سياديٌّ بعدما أحرز الإخوان هدفًا موجعًا في مرمى النظام بــ88 مقعدًا؛ مما كان له أبلغ الأثر في حجب الندوات واللقاءات الفكرية عن الجماهير، وكان لموقع (إخوان أون لاين) هذا التحقيق:
أسباب الابتعاد
المستشار طارق البشري يقول: "عن نفسي أنا ابتعدت عن المشاركة في ندوات معرض الكتاب منذ أربع سنوات؛ لأن- بصراحة- برامج الندوات وتوجهاتها غير مناسبة لفكري".
وعن قرار إدارة المعرض هذا العام بمنع إقامة الندوات الدينية والسياسية قال المستشار البشري: "الدعاية الرسمية عامةً تتَّجه الآن إلى محاولة تكوين رأي عام مخالف لاتجاه الإخوان، والفكر السياسي الإسلامي، خاصةً بعد فوز الإخوان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة واكتساحهم للحزب الوطني، فالدولة ترى أنها أقحمت نفسَها في أمور سحبت من تحتها البساط، وبالتالي هي تحاول الآن تنظيم صفوفها من أجل العودة، وتُولِي اهتمامًا كبيرًا بالثقافة؛ باعتبارها إحدى روافد تشكيل الرأي العام بجانب الصحافة، والمعرض في حد ذاته ملتقًى للجميع".
ومن ناحية المساجلات والندوات التناظرية أكد البشري أن الدولة الآن أصبحت على يقين أنها أخطأت حينما سمحت للإسلاميين بالوجود داخل المعرض أو إعطائهم مساحات، وأنها الآن غير مرغَمة نهائيًّا لإعطائهم أية مساحة للتعبير عن فكرهم في مساجلات أو مناظرات أخرى.
للقراءة وليس للسياسة.
ويؤكد الدكتور عصام العريان- القيادي البارز في الإخوان المسلمين- أن إحجام المثقفين الإسلاميين أمثال الدكتور محمد عمارة والدكتور سليم العوَّا عن المشاركة في فعاليات المعرض أمرٌ طبيعي؛ حيث إن معرض هذا العام يُقام تحت شعار للقراءة وليس للسياسة؛ فقد منعت إدارة المعرض كافة الندوات- على حد علمي- سواءٌ للإسلاميين أو لكافة المثقفين بشكل لافت، ولا أعلم سببًا وجيهًا لذلك، وعلى ما يبدو أن القائمين على العرس الثقافي رفضوا دعوةَ المثقفين أصلاً؛ حيث لا إعلانات ولا دعوات ولا أي شيء يلفت الانتباه إليه.
وأضاف العريان أن الأسباب واضحةٌ بشكل جدي؛ حيث إن الحديث عن معرض للكتاب فقط وليس للسياسة، وهذا "أمر منتقَد" فالمعرض كان ولا يزال هو الرئة التي يتنفسها رواده وناشروه للتعرف على آخر الإصدارات، والجلوس لساعات للاستماع إلى محاضرة أو ندوة أو مناظرة بين المفكرين، يخرج منها روَّاد المعرض بشيء مفيد بدلاً من البحث فقط على كتاب معين.
ولم يكن القارئ فقط هو المتضرِّر الوحيد من إلغاء الندوات، بل الناشرون أنفسهم الذين كانوا يعتبرون المعرضَ بمثابة عيدٍ لهم، فالندوة تُعقَد للترويج لأحد الكتب من خلال "ندوة وكتاب" التي كانت تُسهم في زيادة حجم المبيعات للكتاب من خلال العرض الشيِّق للمعروضات.
ويؤكد أهمية التخوف الشديد الذي ينتاب إدارةَ المعرض والقائمين عليه من أن تتحوَّل هذه الندوات إلى مظاهراتٍ ضد الأوضاع السيِّئة التي يعيشها المجتمع المصري، وهذا- في رأيي- هو المبرِّر الوحيد والمنطقي لتخوفهم من إلغاء الندوات ودعوة المثقفين؛ نظرًا لتصاعد حدَّة الكراهية والاحتقان اللتين تنتابان الشعب المصري ضد النظام.
الإخوان السبب!!
سألنا العريان عن أسباب منع المناظرات بين الإسلاميين وغيرهم من كافة التوجهات فقال: "إن الحكومة كفاها ما قدَّمت من خدمات للإسلاميين، والتي ترى أنها السبب الوحيد، بل والأوحد لما جرَت نتائجه في انتخابات نوفمبر الماضي (مجلس الشعب)، وما أضاف للإخوان من المقاعد الـ88، والتي ترى أنها كانت سببًا فيه بعدما زادت في حجم المساجلات التي أعطت أرضيةً قويةً وصلبةً للإخوان، وهي نتاجٌ طبيعيٌّ للسنوات الماضية التي استطاع الإسلاميون خلالها الوقوفَ في وجه كافة الدعوات المخالفة، والتي كانت دائمًا تهاجم الإسلاميين بلا مبرر.
تعتيم مقصود!!
أحد أصحاب دور النشر البارزين أكَّد أن ما يجري الآن على مسرح معرض القاهرة الدولي للكتاب هو تعتيمٌ مقصود من قِبَل الحكومة؛ بُغيَةَ تحجيم التيار الإسلامي الذي بدأ يتنامى في الآونة الأخيرة بفوز الإخوان، والآن جاء الدور على حماس والبقية تأتي، بالإضافة إلى الرغبة في عدم إحداث مظاهرات؛ لأن الدولة حاليًا غير مهيأة لتلقِّي ضرباتِ المتظاهرين ومطالباتهم بالحرية.
وأردف قائلاً: إنه لا أدلَّ على صدق كلامي من انعقاد المعرض خلال بطولة كأس الأمم الإفريقية التي تُجرَى بالقاهرة في الفترة من 20 يناير إلى 10 فبراير، فالدولة تعرف جيِّدًا موعد البطولة وكذلك المعرض.. فما الهدف من إقامة الاثنين في توقيت واحد وتقليل سعر تذاكر البطولة للشباب والكبار؟! فالهدف واضحٌ وهو تقليل زوَّار المعرض، وبالتالي إيجاد حجة لإلغاء الندوات.
وحتى خلال المعرض اقتصرت أغلب الندوات على الناحية الرياضية؛ حيث كانت ذات طابع كروي منها "إذاعة المباريات الرياضية: خدمة أم سلعة"، "قضية التشفير"، وفي المقهى الثقافي كانت ندوة "كأس الأمم الأفريقية.. ظهور جديد وواقع مختلف"، وفي الحقيقة شكْل المعرض هذا العام غير مُرضٍ، خاصةً مع ضياع بهجته بإلغاء الندوات والمساجلات التي كنا ننتظرها لرؤية كبار المبدعين والمثقفين العرب.
جديرٌ بالذكر أن معرض القاهرة للكتاب 2006 في دورته الثامنة والثلاثين شهد مشاركةً أقلَّ من قِبَل الناشرين مقارنةً بالأعوام السابقة التي شهدت مشاركة 97 دولةً مثَّلها 3150 ناشرًا منهم 1600 ناشر مصري و900 ناشر عربي و650 ناشرًا من الدول الأجنبية.
وقد وصل عدد الدول المشاركة هذا العام 2006م 32 دولةً منها، 17 دولةً عربيةً و15 دولةً أجنبيةً مثَّلها 623 ناشرًا.