فرغت من قراءة كتاب "استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة" لمؤلفه أحمد خيري العمري مؤلف كتاب البوصلة القرآنية، وهو طبيب عراقي الجنسية ينتهي نسبه إلى عمر الفاروق، ويبدو أن عدد الكروموسومات التي في خلاياه من عمر قد تركت أثرا في تناوله للقضايا الفكرية أو الآيات القرآنية تشعر فيما يتناوله بفهم عمري عبقري.

 

أحببت أن يشاركني الثوار في بعض سمات الشخصية العمرية التي يسعى المؤلف لاستردادها من أرفف الكتب في ركن السيرة إلى مسيرة الربيع العربي؛ بحيث تكون حاضرًا وواقعًا لا تمنيًا وترجيًا.

 

أعرض صفة واحدة من صفات عمر الثائر الحق الذي يصدق فيه قول الإمام الشعراوي: إن الثائر الحق الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد.

 

منذ حداثة إسلامه أثبت عمر أنه يستحق بجدارة لقب عز الإسلام ويستحق أيضًا أن يكون بحق أحب العمرين إلى الله وأنه الأحق بدعوة الرسول: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب.

 

 لقد كان مفتاح الشخصية العمرية متشابهًا إلى حد ما مع عمرو بن هشام (أبي جهل) كان كلاهما صاحب هدف، وإن اختلفت الوجهة وكان كلاهما صلبًا في مبدئه وإن اختلف المبدأ، فعمر منذ إسلامه حتى استشهاده كان عزًّا للإسلام، أظهر الشعائر وحاط الدين وأقام الصلاة حتى إنه يوم اغتياله غشي عليه، فلم يمكنهم إفاقته إلا حينما نادوه: الصلاة يا أمير المؤمنين.

 

وأما الثاني فكان أيضًا إمامًا لكنه من أئمة الكفر ما هدئ يومًا في حربه على الإسلام، وأهدر حياته كلها يقاوم الدعوة إلى الله ويكيد للإسلام بكل طريق، حتى إنه في وفاته كان جهولاً متكبرًا يحتقر خلق الله ويمتهن قاتله، فيقول: فلو غير أكار قتلني (الغبي غضبان أن قاتله كان فلاحًا يعمل بالزرع).

 

ولكن هذا الحديث في أحب الرجلين إشارة إلى أن لكل واحد منا صنوًا (شبيهًا)، بل إن صح التعبير طرف آخر أو نقيض آخر يحمل الجانب المظلم والمضاد للآخر، فحازم الببلاوي مثلاً وحازم أبو إسماعيل؛ كلاهما يشترك في المسمى، كلاهما حازم، ولكن الشقة بينهما كما بين المشرق والمغرب، فهذا لسان حاله يقول ربنا أفرغ علينا صبرًا وثب أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وذاك لسان حاله يقول: (امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد)، نعم كلاهما حزم أمره.. لكن هذا على أن يكون نصيرًا للشيطان، وذاك حزم أمره على أن يكون نصيرًا للرحمن.

 

وكذلك الحال مع محمد البرادعي ومحمد بديع؛ كلاهما له وجهة هو موليها؛ الأول قبلته البيت الأبيض، يقدس أوامره، ويسجد لساكنيه ويسبح بحمد قاطنيه، والثاني: الله غايته والرسول قدوته والجهاد سبيله والموت في سبيل الله أسمى أمانيه.

 

وقل مثل ذلك في عبد الفتاح السيسي وعباس السيسي (من رعيل الإخوان الأول) كلاهما سيسي، لكن الأول قاتل، جعل ظهره وطاءً لعدوه، أسلمه قياده، فركبه وألجمه، فقتل أهله، ونكث عهده، والثاني وطئ ظهره لإخوانه فحملهم وتفنن في جعل الحب في الله شعارًا ودثارًا، حتى أخرج لنا كتاب "الدعوة إلى الله حب".

 

ولو قارنا بين عبد الفتاح السيسي وعبد الفتاح إسماعيل (من إخوان سنة ١٩٦٥) كلاهما مفتاح، لكنهما يصدق فيهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مغاليق للخير مفاتيح للشر، فطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن جعل الله الخير على يديه، والويل ثم الويل ثم الويل لمن جعل الله الشر على يديه.

 

أقول: نعم كلاهما عبد الفتاح، لكن الأول فتح على مصر باب فتنة ستظل الأجيال اللاحقة بل والسابقة تلعنه (ولا مبالغة لأن كل شهيد في ٢٥ يناير أهدر دمه ولم يثأر من قاتله) سيلعنه حين يلقاه في محكمة الآخرة، وأما الثاني فقد فتح الله على يديه الخير وجعله سببًا في إحياء دعوة الإخوان بعدما ظن أعداؤها أنها لن تقوم لها قائمة.

 

أقول: يا ويلك يا سيسي، فرقت شملنا وشتت أمرنا، وضيعت أمننا، وأخرت نصرنا، ويل لك يا جبار الأرض من جبار السماء، ويل لك يا عبد الفتاح حين تستفتح روحك السماء فلا تفتح لها أبوابها بل يقال لك: لا تدخلها حتى يلج الجمل في سم الخياط.. ويل لك يا عبد الفتاح حين يؤصد عليك في الحطمة نار الله الموقدة، ويل لك ثم ويل  ثم ويل إلى أن تقوم الساعة أبد الأبد؛ حيث الخلود في العذاب حين يقال: اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون.

 

وأما الحديث عن المحمدين فذو شجون فهذا محمد إبراهيم وذاك محمد مرسي؛ كلاهما محمد، لكن الأول كان كالحية استكنت والتفت وتربصت حتى تحينت الفرصة لتخرج من جحرها فتلدغ والثاني كان بلسمًا ودواءً: واسى الأرملة ومسح رأس اليتيم وأعطى المسكين، الأول قفاه قفا غدر وعينه عوراء نظرت إلى الجانب المظلم في الوجود، فعشقت الظلام وعاثت في الأرض الفساد، والثاني وجهه وجه عابد زاهد، وظهره حمل للأمة، قام بالمهمة على كاهله رغم ثقلها، وأدى الأمانة ونصح بها لولا الخيانة، وكان أحق بها وأهلها لولا الغدر، كلاهما محمد لكن الأول حمدته "إسرائيل" وحمده كل عميل وحمده كل عزازيل (اسم إبليس في السماء السابعة)، والثاني حمدته الأيدي المتوضئة والقلوب الرحيمة والألسن الذاكرة؛ لذا فكلاهما لهجت لهما الألسنة بالدعاء، لكن الأول دعت عليه كل أم ثكلت فلذة كبدها وكل زوجة فقدت حبيبها وشريكها وكل طفل يتم وكل حبيس أثقل، والثاني فك الله سجنه وأسره، تدعو له الشعوب في صلواتها، والعباد في سجداتها والحرائر في خدرها ويدعو له كل ثائر ورافض للباطل.

 

ألم أقل لكم: ولكل وجهة هو موليها، صدق من قال، هما شعب واحنا شعب؛ لذا لا تعجب أن تبكي وغيرك يضحك، أن تصحو وغيرك يغط غطيط البكر، وأن ترفع يدك إلى السماء وغيرك يمرغ وجهه في الترب بين يدي أسياده.

 

ترى لو ترك الخيار لنا لنسترد واحدًا من العمرين نستن بسنته ونسير على هديه فمن نسترد وتحت أي راية نسير نسترد عمر الفاروق العبقري أم عمرو بن هشام أبا الجهل فرعون هذه الأمة.

 

أطلب من كل ثائر ورافض للانقلاب أنه في كل مظاهرة أو مسيرة يتذكر أنه يسير على درب عمر وتحت راية عمر، وأنه يمكن أن يكون له صنو آخر ونظير آخر من الشعب الآخر يسير بنفس حماسته تحت راية السيسي ومحمد إبراهيم وساويرس.

 

وليتذكر أن هذه منة أن اختاره الله في هذا الركب، ومع هذا الشعب، وعند الصباح يحمد القوم السرى، ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.