عنون هربرت شيللر في كتابه "المتلاعبون بالعقول" الفصل الأول لكتابه بعنوان "التضليل الإعلامي والوعي المعلب" وسرد عدة أساطير إعلامية تم اعتمادها والتعامل معها كحقائق مبدئية لا تقبل النقاش ليس هذا مجال الحديث عنها. ولكننا نحتاج إلى قراءة العنوان فقط فهو يحمل الكثير من واقع مصر وماضيها ويحمل بين حروفه دماء وآلامًا وانكسارات أكثر كثيرًا من حروفه السبع والعشرين.

 

عندما نتحدث عن مصطلح الهزيمة العسكرية في مصر لا تجد هزائم إطلاقًا ولكنك تجد نكبات ونكسات وربما انتصارات تليفزيونية وتبحث عنها في كتب المؤرخين البارزين- الذين تم اعتمادهم من مافيا موجهي العقول والمتلاعبين بها- فلا تجدها. فهزيمة 1948 هي نكبة وهزيمة 56 هي انتصار سياسي- بالرغم من التخلي عن قطاع غزة وأم الرشراش والسماح لإسرائيل باستخدام خليج العقبة- وكارثة 67 هي مجرد نكسة وكأن هناك مشروعًا عظيمًا ثم انتكس على عقبيه.

 

ما يثير الحيرة هو استسلام الأجيال الثلاث التي عايشت تلك الفترة لهذه المصطلحات وما زالت تلك الأجيال جاثمة على صدورنا بنكساتهم ونكباتهم. وسؤال لهم؛ كيف فعلوا بكم ذلك؟ وسؤال لنا؛ كيف نبقي تلك الأجيال المنهزمة والتي تريد توريث الهزيمة لنا فوق رؤوسنا حتى الآن؟

 

هناك جيل منهم أدار صناعة النكسة وجيل شارك في صناعتها وجيل ثالث أدرك النكسة وهو واع ومدرك؛ وهذه الأجيال الثلاثة هي لعنة مصر وعارها إلا من رحم ربي.

 

جيل منهم قارب على الانقراض (أصحاب الثمانين والسبعين ربيعًا) وهم من أداروا هذا الإبداع اللغوي (النكسة) وصاغوه وعلى رأسهم فيلسوف النكسة ولا يزال هذا الفيلسوف يرعى امتداداته الطبيعية من فلاسفة النكسات الحالية والمستقبلية حتى لا تضيع إسهاماته في تحطيم ما تبقى من مصر ويأبي أن يغادر الحياة غير مأسوف عليه بدون ترك فيروساته المدمرة في عقول البعض حتى يكملوا ملحمته الخالدة. ونجد أحد مريديه يهدينا مصطلحًا خارقًا جديدًا ويحدثنا عن "الديمقراطية الإبداعية" تمامًا كمصطلح النكسة فهو كاذب تمامًا ولا يعبر عن أي معنى أو حقيقة ولكن تقف آلة التضليل الإعلامي ومصانع تعليب الوعي بقوة لترسيخ المصطلح وجعله حقًّا لا يأتيه الباطل ويصبح هو الحق وما دونه لغوًا. وكما أصبحت الهزيمة الساحقة في 67 مجرد نكسة أمسى الانقلاب الدموي ديمقراطية إبداعية.

 

هذا الجيل أو ما تبقي منه فشل في حماية مصر أو تطويرها بل وساهم في تدميرها وتبني زراعة الجهل وتسطيح العقول ولا يريد الاعتراف بذلك بل ينكر ذلك تمامًا ويؤمن أن ما صنعه من مصطلحات- لم يصنع غيرها- هي لحماية أسطورة "الأمن القومي" وحماية الوطن من "أعداء الوطن" وأننا "مستهدفين". إنهم من صانعي الأصنام اللفظية وعابدوها وصانعي الآلهة ومروجي الجنون.

 

الجيل الثاني (أصحاب الستين عامًا) هو من شارك في هذه الهزيمة الماحقة سواء بالغناء والرقص على أنغام مصطلحات الجيل الأول أو من دفع دفعًا إلى أتون معركة الهزيمة وحمل هزيمته معه حتى الآن؛ هذا الجيل يملأ الآن رؤوس مؤسسات مصر كلها وقد حرص بشدة على عدم تلويث هزيمته التي أفاض بها على كل ربوع مصر فقام بتنقية جيله من كل يؤمن بالحرية وهم من شارك في مظاهرات 68 و72 ومن على شاكلتهم حتى لا تلوث الهزيمة العميقة بأي رغبة في انتزاعها من داخلهم أو من داخل الوطن والدولة.

 

روح هذا الجيل هي التي أدارت مصر طيلة العقود الأربعة السابقة وسار هو على نهج سابقه خطوة بخطوة؛ جيل لم يحمل إلا الهزيمة ودافع عن الجيل الراعي للهزيمة "النكسة" ولا أدري كيف استسلم لهذا المصطلح في وقت عاش الهزيمة وعاد سيرًا على أقدامه من حدود مصر الشرقية حتى شاطئ القناة أو استمع إلى أحمد سعيد وهو يشدو في الإذاعة المصرية ويبشر المصريين أنهم على حدود تل أبيب وبمئات الطائرات التي أسقطناها. استسلم هذا الجيل للوعي المعلب وألغى قدرته على التفكير والتحليل أو حتى الرؤية بالعين المجردة وسلم عقله إلى الأبد إلى صانعي الوعي المعلب. هذا الجيل يأبي إلا أن يتم دوره للنهاية ولا يترك أحدًا إلا وأدخله إلى ماكينة ترويض العقل وتعليب الوعي. وعندما فشل مع الأجيال الجديدة التي رفضت الدخول في خط إنتاج تنميط الوعي قرر قتلها وحرقها في الشوارع.

 

الجيل الثالث (أصحاب الخمسينات) هو جيل أدرك الهزيمة ووعي بها ولم يسعفه سنه الصغير أن يشارك بها مشاركة مباشرة لكنه تعلم على يد المنهزمين آبائه وأجداده كيف يكون الانبطاح وكيف تعلو العبودية على ما سواها. هذا الجيل تجده محتكرًا للسلطة والمناصب الهامة والسفارات والهيئات. فقد حرصت الأجيال السابقة على انتقاء من يكمل مسيرة الهزيمة بعناية فأصبح معيار الاختيار أن تنتمي إلى أجيال الهزيمة فلا مكان لمتمرد علينا ولا مكان لغيرنا ولا مكان لثائر وعليك عندما تختار أن تبحث عن جين 67 أولاً داخل المصريين فإن وجدته فهو معنا وإن لم تجده فأبعده فورًا حتى لا تلوث روح الهزيمة والانبطاح داخل مؤسسات مصر العامرة. وتجد هؤلاء هم الراقصون والمصوتون على دستور العودة لدولة الهزيمة وتجد من اختاروه لتمثيلهم هو حامل الجين الكامل لـ67.

 

كانت ثورة يناير تمردًا على دولة وأجيال الهزيمة من أجيال جديدة وشرفاء هذه الأجيال الثلاث ممن نجوا من جين 67؛ من نجوا من القاعدة الذهبية التي رسخها صانعو الهزيمة بإعلامهم المضلل ووعيهم المعلب. من آمن بالثورة ويصر عليها هم أصحاء مصر؛ هم رافضو الاستغراق في استكمال مسيرة الهزيمة؛ هم أمل مصر. لذا اتحدت الأجيال الثلاثة لتدمير الثورة واستعادة المشهد ويمارسون أقصى درجات القمع للحفاظ على مؤسساتهم حاملة الجين كما هي كمناطق موبوءة لا يجب أن يدخلها أصحاء ويختارون بعناية من سيطعم بالجين حتى يكمل معهم مسيرتهم.

 

إن نظرات الانكسار والتدني والسترة "الألاجه" التي رأيناها مع حامل الجين الكامل تؤكد أن العار الذي يحمله هؤلاء هو عار متجذر داخلهم لا أمل في انتزاعه أو علاجه وعلينا إن أردنا القضاء على جين 67 أن نطهر الدولة المصرية بكاملها من هؤلاء بإبعادهم تمامًا عن المشهد.

 

سننتصر عندما نحرر مصر من هؤلاء المنهزمين؛ سننتصر عندما تصبح مؤسسات مصر خالية من أصحاب الجين اللعين؛ سننتصر عندما نؤمن أن أجيال "النكسة" لن تقبل أن يعيش في مصر أي من أصحائها؛ سننتصر عندما نعلم أنهم عدو مصر الأول؛ سننتصر إذا قاومنا إحساس الهزيمة الذي يريدون تعميمه على بطاقات الرقم القومي؛ سننتصر إذا قرأنا التاريخ وتشبعنا بروح النصر.

 

يقول مونتوجومري في كتابه الحرب عبر التاريخ "أهم مميزات الجيوش الإسلامية لم تكمن في المعدات أو التسليح أو التنظيم، بل كانت في الروح المعنوية العالية النابعة من قوة إيمانهم".

 

ويقول غاندي "سيتجاهلونك ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك ثم يفاوضونك ثم يتراجعون وفي النهاية ستنتصر".

 

ولكن علينا أن نبقي موجودين مؤمنين بانتصارنا حتى وإن وقفنا وحدنا.

 

رحم الله أبا بكر عندما عرضوا عليه التفاوض مع المرتدين لكثرة عددهم وخروج معظم الجزيرة العربية عليه فقال عبارته الخالدة "سأقاتلهم وحدي".

--------------

القيادي بحزب الوسط والتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب