للباحث/ سيد هريدي سيد محمد
متابعة- حسونة حماد
الخطابة إحدى وسائل الاتصال بالجمهور، وهي تتخذ من أساليب النثر الأدبي سبيلاً لإقناع الناس، والتأثير فيهم، وتبصيرهم بشئون الحياة وما يربطهم بها من حقوق وواجبات فهي تحفز الهمم، وتُحرك المشاعر حينما يدعون إلى الأخذِ بأسباب الصلاح والفلاح، ومن ثَمَّ كانت أهميتها بارزة فيما أدته وتؤديه من حرصٍ على نشرِ قيمِ الإسلام، وتشريعاته السمحة بين الناس حتى يتأدبوا بآدابه، ويتمسكوا بأحكامه.
وتبرز أهميتها كذلك فيما قامت وتقوم به من رد شبهات المبطلين، ومقاومة فساد دعاوى الملحدين، في وقتٍ ازدادت فيه الإساءات للإسلامِ والمسلمين، حتى وصلت ذروتها في الإساءةِ إلى شخصِ الرسولِ الأعظم محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، والمسلمون يملكون آلياتٍ كثيرةً للذودِ عن الإسلام، ومواجهة هذه الحملات الغوغائية.
إنَّ الخطابةَ الدينيةَ يجب أن تؤدي دورها بكل حزمٍ لهذه الهجماتِ وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وشريعته.
من أجل هذا كله كانت الخطابة بحاجةٍ دائمًا إلى فرسان بيان يصلون بدعوتهم إلى الحق والخير في تعميقِ المعاني في النفوس، وفي ضمير كل فارس صيحة تردد قوله تعالى على لسان أحد أنبيائه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ (هود: من الآية 88).
ونظرًا لما ينبغي أن تكون عليه الخطابة الدينية من سمات أدبية وبلاغية تضمن لها حسن وروعة التأثير في جمهر المخاطبين فقد برز في هذا الميدان على مرِّ العصور رجال كانوا أعلامًا في فنهم الخطابي بما آتاهم الله في سبيل دعوتهم إليه من رائع الحكمة وفصل الخطاب.
وقد احتل العلامة الجليل الشيخ يوسف القرضاوي المكانة البارزة في هذا المجال وفي هذا الإطار تمت مناقشة رسالة ماجستير بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر يوم الأربعاء الموافق 22/2/2006م بعنوان "الطابع الأدبي في خطابة القرضاوي" للباحث سيد هريدي سيد محمد.
أوضح الباحث حاجةَ الناس بصفة عامة والخطباء بصفةٍ خاصة إلى الوقوف على سماتِ الطابع الأدبي الذي يُؤثر في نفوسِ السامعين ويستميل عقولهم.
مؤكدًا مكانة الشيخ القرضاوي لدى رجال الأزهر وحب الباحث للشيخ يوسف القرضاوي وتتبع مؤلفاته وما كتب عنه وأحاديثه من خلالِ قنواتِ الإعلام المختلفة، إضافةً إلى كشفِ النقاب عن موهبته المتميزة والتعرف على مظاهرها فالشيخ شاعر إسلامي من شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث نظَّم قصائد وأناشيد رددها دعاة الإسلام فأيقظت القلوب بالإيمان وأشعلت الأرواح بالجهاد ومن شعره قصيدته النونية، وهي أشبه بملحمة تصور محنة وآلامه ومنها هذه البيات:
ضع في يديَّ القيد ألهب أضلعي بالسَّوط ضع عنقي على السكين
لن تستـطيع حصار فكري سـاعةً أو نزع إيمـاني ونور يقيني
فالنـور في قـلبي وقلبي بيـدي ربي وربـي نـاصـري ومعيني
سـأعيش معتصـمًا بحبـلِ عقيدتي وأموت مبتسـمًا ليحيا ديني
وقد اشتملت الدراسة على مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة، أما المقدمة فتشتمل على أهميةِ وأسباب اختياره ومنهج البحث وخطته، وأما التمهيد فيشتمل على مولد القرضاوي ونشأته ونشاطه في تأليف الكتب وأعماله الرسمية الجوائز التي حصل عليها.
- وأما الفصل الأول فعنوانه (روافد الثقافة الأدبية عند القرضاوي).
- والفصل الثاني بعنوان (الأسس الفكرية والموضوعية في خطابةِ القرضاوي).
- والفصل الثالث بعنوان (الخصائص الفنية في خطابة القرضاوي).
- والفصل الرابع بعنوان (خطبة القرضاوي في الميزان).
أشارت الخاتمة إلى نتائج ما كان عليه الطابع الأدبي للشيخ القرضاوي في خطابته وتدل على منزلته ومكانته بين الخطباء المعاصرين له من ذوي الأثر والتأثير في النهضة الخطابية المعاصرة، ومن أهم هذه النتائج:
- الإخلاص في تبليغ الدعوة من أهم أسباب نجاحها: في وقتٍ هبط فيه مستوى كثيرٌ من الدعاة بسبب أنَّ بعضَ الذين يلتحقون بميدان الدعوة كانوا يعدونها وظيفةً ووسيلةً من وسائلِ السعي على المعاشن ولا يعدونها رسالةً يخلص الداعي في أدائها، ويتفانى في تبليغها ونشرها، وقد تبيَّن ذلك من خلال كثرة الخطب التي تهتم بقضايا الأمة وآلامها، والتي كرَّس لها الشيخ زهرة عمره في التعبير عنها.
- خطب القرضاوي من الخطبِ الأصيلة التي تُعالج قضايا الأمة الإسلامية ومشكلاتها، من وجهة نظر داعية إسلامي غيور على دينه وعلى أمته، بل وعلى الإنسانية جمعاء.
- تعد خطب القرضاوي سجلاً لصفحاتٍ مشرقاتٍ من تاريخِ الأمة الإسلامية في جهادها ومحنها في حروبها ضد الإنجليز، وفي فلسطين ضد اليهود، وفي الحرب الأفغانية، وفي الحرب العراقية، وحرب الخليج وغيرها من المحن التي تمرُّ بها أمتنا الإسلامية وما زالت تُعاني من شرورها حتى الآن.
- اهتمام الشيخ بالجانب العلمي (مع مراعاةِ الجانب الفني التعبيري) بعيدًا عن المعلومات النظرية التي سرعان ما تُنسى وتُهمل.
- مراعاة الخطبة لمقتضى الحال، فإما أن تكون قصيرة موجزة إن كان موضوعها سهل التناول خاليًا من المعارضة والتنازع، أما إن كان الموضوع شائكًا يتعلق بأمرٍ فيه اختلاف فتكون طويلة لتشمل سائر جوانب الموضوع.
- يُلاحظ أن خطب الشيخ الدينية قد مرَّت بإعداد طيب حتى تتناسب مع المقام، مطابقة لأدلتها من القرآن، فالخطب الوعظية تحتاج إلى العنايةِ والتجهيز والإعداد.
- الإحاطة بنوعية الموعظة، وهذه نقطة مهمة يحتاج إليها الخطيب؛ لأنها تمكنه من شمول النظرة في الموضوع وعمق الاستدلال والبيان.
- معرفة الشيخ بجمهور السامعين مكَّنته من التأثير والإقناع، والوصول إلى القلوب والنفوس، فمعرفته الشاملة جعلته يصنع التناسب بين غرض الدعوة والمدعوين سواء كانوا في القرية أو في المدينة أو في أي مكان.
- اتقان إلقاء الألفاظ بشكلٍ يجعل المعاني مصورة من خلال الألفاظ، وذلك بإبراز الكلمات ذات الإيقاع الصوتي الخاص، كما يقوم الشيخ بالتصرف في درجات الصوت ارتفاعًا وانخفاضًا بما يكون مناسبًا مع طبيعة المعنى المراد التعبير عنه حسنًا أو قبيحًا كما يحقق الأثر البالغ في نفوس السامعين.
- أهمية تجديد الخطاب الديني شكلاً ومضمونًا بما يتلائم وروح العصر وما يستجد في حياة الناس من أمور معاشهم في حدود ما شرع الله، وبهدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
ولعل إغفال هذا الجانب كان من أسباب ضعف مستوى الخطابة الدينية لدى كثير من الخطباءِ المعاصرين، ممن التزموا بنظام الخطب التلقليدية القديمة التي لا تصلح تعبيرًا عن قضايا العصر، ما استحدث من مستجدات في حياة الناس.