المشكلة: أنا ملتزمٌ والحمد لله، وزوجتي كذلك، ونحن نجتهد في طاعة الله والدعوة إليه، ولكنَّ المشكلة باختصار أن زوجتي لا تهتم بالبيت ولا تُولِيه ما يستحقه من وقت وجهد، وبالتالي فنظافة البيت والأولاد دون المستوى، وبيتنا يظهر بمظهر لا يليق بالدعاة، ويعطي للآخرين صورةً غير جيدة عن الملتزمين والدعاة، وقد حاولت نصحَها عدة مرات، ولكن يبدو أن ذلك طبعٌ فيها!! فما الحل في ذلك حتى لا يُهدمَ البيت؟! وجزاكم الله خيرًا.

 

المستشارة: وفاء الجمل

إن الإرادة تصنع الأعاجيب، فكلما كان للزوجين إرادةٌ وعزمٌ على احتواء المشكلة والتغلب عليها كانا موفَّقَين في تجاوز أي مشكلة زوجية في علاقتهما الأسرية.

 

ثم يا أخي الكريم.. لا بد أن نتعلم أن المشاكل الزوجية جزءٌ من الابتلاء الذي هو سنة الله في الخلق لبيان الإيمان، والإيمان يميز الله به المؤمن الذي يستحق الجنة من غير المؤمن، والابتلاءُ قد يكون في العائلة- أي في الذرية أو الولد- أو المسكن أو الخادم أو في الصحة أو في المال، فالابتلاء هنا يحتاج إلى صبرٍ ودعاءٍ وحسنِ تخطيط لتجاوز المحنة.

 

بالمثل بالضبط فإن الاستقرار الزوجي يُعدُّ أيضًا ابتلاءً.. نعم لا تحسب أن من أعطاه الله الحياةَ الوجيهة المستقرة- بكل ما فيها من أولاد وزوجة ومسكن- يعيش بمنأى عن الابتلاء.. كلا بل إن عليه الشكر على هذه النعمة، وإذا لم يفعل فإنه مثل مَن ابتُلِي بالمشاكل الزوجية ولم يصبر.. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)﴾ (الفجر)، فالمنع والعطاء ليس في كليهما دليلٌ على حب الله تعالى وإكرامه بل هو اختيار وتمحيص.

 

فبدايةً هناك معنى عام يجب إيضاحه، وهو أنه لا يصح لكل من الزوجين وضعُ كل مشكلة تحدث بينهما تحت المجهر، فتظهر كل مشكلة أكبر من حجمها الطبيعي، فيزيد بسببها حجم المعاناة بين الزوجين، ولا شك أن ما يعتري الحياة الزوجية من مشاكل هو أمرٌ طبيعيٌّ لقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)﴾ (العنكبوت).

 

وعليه فالمشكلة ليست في البلاء، ولكن تكمن المشكلة في أسلوبِ وطريقةِ مواجهةِ هذا البلاء، فإن كان الترابط بين الزوجين شديدًا- حتى يصبحا كالجسد الواحد في مواجهة هذه الصعاب ويتركَ كل منهما كلمة (أنا) ويضع مكانها كلمة (نحن)- لانكَسَر أمام هذا البيان كلُّ الصعاب والمشاكل الزوجية، ولاستطاعا معًا بالحب في الله والمودة والرحمة أن يَعبُرا سفينة الحياة الزوجية برَّ الأمان وفازا معًا بجنة العدنان.

 

المرأة الداعية قدوة حسنة

إنك يا أخي الكريم تذكُر لنا أن خروجَ زوجتك للعمل الدعوي يؤثر تأثيرًا سلبيًا على المنزل ونظافته، وبالطبع هذا الأمر يسيء إليها ويمسها قبل أن تسيء إليكَ أنت؛ لأنها كداعية إلى الله تحت المراقبة لكل مَن تدعوهم ليأخذوا منها القدوة الحسنة، وذلك يكون في كل مناحي الحياة، فهي مثلٌ أعلى أرادت أم لم تُرِد، وعليه فأين تكون هذه القدوة الحسنة عندما تحدثهم عن قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "النظافة شطر الإيمان"؟! هذا التأكيد سيُحدث نوعًا من الخلل فيمن تدعوهم.. أيضًا إن كان العمل الدعوي مهمًّا وفرضًا على المرأة الآن فالأهمية تكون أكبر والفرضية تكون أهم للزوج والأولاد والبيت.

 

نعم أختي.. لا بد أن تعلمي أولوياتك كامرأة مسلمة داعية، وهي:

1- الزوج

2- الأولاد

3- الدعوة

4- العمل

 

فالترتيب يأتي هكذا، وهذا ليس إجحافًا أو إنقاصًا من حقِّ الدعوة، بل دعوتُكِ مع زوجِكِ وأولادكِ مهمة جدًّا، فهذا كفيلٌ بأن يُنشئ أسرةً قويةً مترابطةً ويُخرجها إلى المجتمع قويةً ضد أية أعاصير تواجهها، كذلك فبيتك لا يقل أهميةً، فدائمًا الزوجة الملتزمة بخلق الإسلام في محل مراقبة من قِبَل أقاربها وجيرانها بل وأصدقائها، وهذا صدقٌ وعن تجربة، فما بالك أنها تدعو الآخرين إلى العمل الصالح والنظافة والإيمان وهي لا تهتم ببيتها الذي يجب أن يكون فيه السكن والرحمة والعيش الهادئ لا الفوضوي؟! وبالتالي كيف يقبلون منها دعوتها لهم وهي في القدوة لهم أبعد ما تكون؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ(3)﴾ (الصف).

 

ثانيًا: احرصي أختي الفاضلة على حسن تنظيم وقتك، وهذا سيساعدك في حل هذه المشكلة، فلا تهدمي بيتك بيدك.

 

ثالثًا: الأمر الثالث وهو الاستيقاظ مبكرًا، واستغلال فترة البكور في إنجاز العديد من الأعمال، مثل تنظيف المنزل وإعداد الطعام فإن في البكور بركة.

 

رابعًا: فكرة ذكية في تنظيف منزلك:

أ- اهتمي دائمًا بحجرة الضيوف أو المكان الذي تستقبلين فيه ضيوفك، واجعليه دائمًا على استعداد طيب لاستقبال أي ضيف في أي وقت.

 

ب- دائمًا لا تتركي أطباق الغذاء بعد الانتهاء من الطعام وإعداده، بل عليكِ بغسلها ولا تتركيها لليوم التالي، وهذا بإذن الله سيهوِّن عليكِ بدايةَ اليوم الجديد.

 

ج- حاولي تنظيم مطبخك بطريقة تسهل عليك الدخول فيه وسرعة إعداد أي شيء من طعام- شراب- عزومات.

 

د - قد يعتقد بعض الأخوات الفضليات أن فكرة تحديث المطبخ والأجهزة التي تسرع في الوقت مثل (الكبة الميكروف- الخلاط العجان) وغيرهما نوعٌ من أنواع التبذير، ولكن في اعتقادي إذا كان الحال ميسورًا لم لا؟! فهذه الأجهزة توفر الجهد والوقت الكثير، فبدلاً من أن تأخذي وقتًا في تقطيع البصل وغيره من الخضروات تستطيعين في ثوانٍ معدودة أن تُنهي عملك بواسطة هذه الأجهزة.

 

خامسًا: لا تجعلي التليفون يأخذ حيِّزًا كبيرًا من وقتك وتتركي بيتك وتنظيمه، أنا أعلم تمامًا أن التليفون ينجز أشياء كثيرة، بل قد يكون في أوقات كثيرة مجالاً للدعوة والسؤال عن صلة الأرحام والدعوة لهم بالخير، ولكن في حدود، بعد أن تنظِّمي بيتَك، والله إنِّي لأعلم بعض النساء الفضليات تَطلب مَن يطلبها عن طريق إظهار الرقم أو تُعيد توصيل التليفون لكي تتصل هي، استقبلي المكالمات ولكن بعد أن تُتمي نظافة ونظام بيتك، وإذا جاء زوجك في أي وقت فليكن بيتك- وأنتِ أيضًا- مستعدًّا خير استعداد، وبالتالي لا نستطيع أن نلومكِ على أي شيء، فبيتك نظيف والطعام معَدٌّ، وزوجك مسرورٌ بالنظر إليك.

 

وتذكَّري هذا الحديث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أيما امرأةٍ ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة" (قال الترمذي: حديث حسن) كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إذا نظرت إليها سرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك"، وكذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا صلت المرأة خمسَها، وصامت شهرَها، وحضنت فرجَها، وأطاعت بعلَها دخلت من أيِّ أبواب الجنة شاءت"، وهناك قاعدةٌ في منتهى الأهمية يجب أن نعلمها جميعًا، وهي أن دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل مناحي حياته كانت بالفعل: ﴿وَقُلْ اعَْمَلُواسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105)، ولا تُبنى الأسرة ولا المجتمع ولا الأمة بالكلام فحسب ولكن بالأفعال والقدوة، وتذكَّري دائمًا أن الناس أذكياء، فهم دائمًا يضعون المرأةَ الداعيةَ والرجل الداعي تحت المجهر.

 

نصائح غالية

للأخ الكريم..

أولاً: أن تذكر لها ما ذكرناه بلطف ووُدٍّ وحب، ولا تقل لها بنظرة المتشفِّي.. انظري فإنك مقصِّرة، وهذا ليس من وجهة نظري بل من وجهة نظر الآخرين، أعلم أنك ستقول لها ذلك، ولكن هذا إذا حدث فإنك لا تريد إذًا الحل، فكل مشكلة يتعرض لها الناس إما أن يتجهوا اتجاه العناد والغضب وإلقاء اللوم على الآخر، أو يتجهوا إلى المناقشة والنصيحة والمحاولة مرةً واثنتين وثلاثًا؛ لأن الهدف الذي أريدك وأريد أن يتذكره كل زوج وزوجة من الحياة الزوجية هو أن تقوَى أواصر العلاقة بين الزوجين، ويَخرج جيلٌ قويٌّ مسلمٌ لا يعاني من أي مشكلات نفسية وعُقَد.. جيل يَبني ولا يَهدم، ما بالك بأطفال دائمًا يرون آباءَهم يتشاجرون على أقل شيء لو كان الأمر يستدعي، فهناك نظامٌ لحل أي مشكلة؛ حتى لا يعتاد الأطفال على ذلك وتكونا قدوةً لهم، وحتى لا ينشأ الأطفال على العصبية والعُقَد النفسية.

 

ثانيًا: بجانب ما سوف تنصحها به من الاستيقاظ مبكرًا عليك بفعلِ هذا الأمر فهو مُجدٍ جدًّا، وهو أن تشترط عليها إذا كان لديها موعدٌ في العمل الدعوي خارج المنزل أن لا تذهب إلا إذا قامت بنظافة البيت وتنظيمه، وإذا كانت ستتأخر كثيرًا فعليها إعداد الطعام قبل الخروج.. فهذا الأمر مُجدٍ جدًّا لأنها أولاً تحب دعوتَها وتريد أن تعمل لله، وفي نفس الوقت هي تحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال "وإذا أمرتها طاعتك".

 

وبالتالي ستجدها حريصةً جدًّا، وسوف تضحِّي من وقتها وتستيقظ مبكرًا؛ من أجل أنها لو لم تُتم ما أمرتَها به لن تذهب للعمل الدعوي.

 

ثالثًا: لو كنت ميسورَ الحال فعليك أن تقترح عليها مثل هذه الأمور، وهي توزيع بعض المهام الصغيرة على الآخرين، مثل:

 

1- الذهاب للسوق لشراء الخضار وتنظيفه.

2- توصيل الأولاد إلى المدرسة لو كانوا صغارًا.

3- كيُّ الملابس بالخارج، وغير ذلك من الأشياء البسيطة ولكنها تأخذ وقتًا بجانب الأعمال المنزلية وإعداد الطعام، والعناية بنظافة الملابس ونشرها وتطبيقها، وغير ذلك من الأعباء التي تكبَّل بها المرأة، ولكنها مأجورةٌ إذا تذكرت النية الصالحة في ذلك.

 

نظرة إيجابية

1- عليكَ أن تفكرَ في هذا المخلوق الضعيف الذي أوصى الرسول- صلى الله عليه وسلم- به في حجة الوداع قال:"استوصوا بالنساء خيرًا"، فهي امرأةٌ ضعيفةٌ تسعى لإرضاء الجميع، فإنها تعمل بالنهار والليل.. نعم ألا تجدها تسهر على أولادك إذا كانوا مرضى؟! ألا تجدها تأخذ من وقت راحتِها ونومِها لإرضاع طفلك الصغير، وقد تكون مريضةً وتحاول أن تقوم بالبيت أو تعدَّ الطعام وهي تتألم ولكنها تفكِّر فيك أولاً وفي هؤلاء الأطفال إذا لم يجدوا طعامًا يأكلونه.

 

2- وعليك أن تساعدها، ولم لا وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في خدمة أهله؟! كما كانت تقول السيدة عائشة- رضي الله عنها وأرضاها-: "إنه كان في خدمة أهله، وكان يخصف نعله، وهو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.

 

3- كما أن عليك أن تفتخر بها!! فما أعظم ما تعبأ به زوجتك، فهي تسعى إليه لإعلان دينه، ألا تجده هدفًا ساميًا ينبغي الخروج إليه، فهي إذ تخرج إليه لا تبتغي مالاً ولا شهرةً، وما بالك بالتي تخرج سافرةً متبرجةً تبغي طريق الضلال؟!

 

4- عدم الاصطياد لها: بمعنى آخر "التلاكيك" فإذا كان رسول- صلى الله عليه وسلم- يتعامل مع خادمه بالحُسنى، فلا يقول له لماذا لم تفعل هذا؟ ولماذا فعلت هذا؟ فما بالك وهذه زوجتك، ولا أقصد هنا عدم نصحها وإرشادها إلى بيتها والاهتمام به، ولكن ما أخشاه من بعض الأزواج هو تكبيل المرأة بجميع الأعمال ثم لومُها حتى لا نجد مَن يقوم بإعلاء كلمة الله.

 

وأخيرًا.. أدعو لكما ولأمثالكما بأن يوفقنا ويوفقكم إلى الخير، فأنتما تمثلان لبنةً في هذا المجتمعً فحاوِلا وسدِّدا وقارِبا من أجل أمة مسلمة يحاول أعداؤها الخرابَ بها، فنرجو أن لا تكون الهزيمةُ من داخلنا.. والله المستعان.