حوار: سماح عبد الحليم
تتعرض المجتمعات الإسلامية منذ فترة لانفتاحٍ إعلامي واسع على مختلف أنحاء العالم، فقد أصبح التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصال الفضائي أحد المظاهر الرئيسية المميزة للعصر الحديث بعد أن تجاوز الإعلام ووسائل الاتصال مرحلة المحلية والقومية إلى مرحلة العالمية؛ حيث انتشرت في الآونة الأخيرة الأطباق الفضائية التي تستقبل الإرسال القادم عبر مختلف أنحاء العالم وأصبح التليفزيون والقنوات الفضائية كوسيلةٍ للاتصالِ الفضائي يحتلان دورًا بارزًا وخطيرًا في المجتمع ليس بوصفها أداةً للتسليةِ والترفيهِ فقط ولكن باعتبارهما مصدرًا للمعلومات، وفي لقائنا مع د. مها الكردي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، تناولت قضية القنوات الفضائية وما تشكله من خطورة على الأطفال محللة أسبابها وعلاجها.
تقليد ومحاكاة
* لا شك أن التليفزيون باعتباره أحد الوسائل المهمة في مجال التنشئة الاجتماعية يؤثر إلى حد كبير على جمهور المتلقين وخاصةً الأطفال.. فإلى أي مدى يؤثر التليفزيون وقنواته الفضائية على الأطفال؟
** من المعروف أن الطفل كائن اجتماعي وله حاجات بيولوجية ونفسية واجتماعية ومعرفية يريد اشباعها ومنها الحاجة للمعرفة والتعلم والثقافة حيث ينمو التفكير العقلي والإدراك من خلال عملية التكيف المستمر بين الفرد البيئة، ومما يساعد على إشباع هذه الحاجات البيئية المحيطة ومن ضمنها التليفزيون، فيميل الطفل إلى تقليد ومحاكاة نماذج الشخصيات المختلفة التي يشاهدها على الشاشة وخاصةً تلك التي تظهر في الأعمال الفنية يؤثر على هؤلاء المتلقين من فئات الأطفال المراهقين والذين سيكون لهم دور في المجتمع في المستقبل ولكن لا يعتبر التليفزيون وحده المسئول عن صياغة وتشكيل الاتجاهات والقيم والمعايير الاجتماعية لدى أفراد المجتمع، بل باعتباره إحدى الوسائل المهمة في مجال التنشئة الاجتماعية، إلى جانب مؤسسات التنشئة الأخرى مثل الأسرة والمدرسة والأصدقاء والمؤسسات الدينية وغير ذلك والتي تتفاوت درجات تأثيرها في مجال تشكيل ملامح الشخصية وخاصةً في العصر الحديث.
مضامين متضاربة
* وهل تشكل القنوات الفضائية خطورة على تكوين الأنماط السلوكية والاتجاهات النفسية لدى الطفل؟
** لقد أصبحت وسائل الإعلام بأشكالها المختلفة وخاصةً المرئي منها بقنواته الأرضية والفضائية تحتل دورًا بارزًا ومهمًا في مجال صياغة وتشكيل الاتجاهات والقيم والأنماط السلوكية لدى جمهور المتلقين وخاصةً من فئة الأطفال والمراهقين باعتبارها إحدى وسائل التنشئة الاجتماعية التي يستمد الفرد منها الاتجاهات والقيم والمعايير الأخلاقية وطرق التفكير فقد أدَّى الانتشار الواسع للقنوات الفضائية ما تتضمنه من مواد إعلامية في جميع المجالات إلى تعرض فئات المشاهدين لمضامين متضاربة في كثير من الأحيان وخاصة لدى فئة الأطفال، ومن ثَمَّ تكمن الخطورة نظرًا للدور الذي يلعبه التليفزيون في ظهور بعض الأنماط السلوكية للأطفال الذين يشاهدونه بكثرة، ويزيد الأمر خطورةً إذا ما تعرَّض الطفل بكثرة للقنوات الفضائية التي تبث إرسالها عبر الأقمار الصناعية من مختلف أنحاء العالم والتي تحمل في طياتها الكثير من المضامين المختلفة عن واقعنا.
بين الحقيقة والخيال
* ولماذا يكون الأطفال من أكثر فئات المجتمع تأثرًا بالمواد الإعلامية؟
** لأنهم من أكثر الفئات العمرية تقبلاً لما يقدم اليهم نظرًا لتكوينهم وبنائهم العقلي والنفسي والانفعالي، وتكمن المشكلة أساسًا في أن الطفل بحكم بنائه النفسي والعقلي وقدراته لا تكون لديه القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، فالأطفال يميلون إلى تفسير ما يرونه تفسيرًا حرفيًّا، وهذا ما يجعلهم من أكثر الفئات تأثرًا بالمواد الإعلامية.
* وما نوعية المواد الإعلامية التي يفضل الأطفال مشاهدتها؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه المواد في تنشئة الأطفال؟ وكيف؟
** معظم الأطفال يفضلون مشاهدة الأعمال الفنية الدرامية بصفة خاصة، كما أنهم يفضلون مشاهدة البرامج الترفيهية في القنوات الفضائية الدينية المتخصصة وخاصة قناة اقرأ وغيرها أيضًا للمشاهير من مقدمي هذه البرامج؛ الأمر الذي قد يؤثر في تنشئة الأطفال دينيًّا.
أفلام الرعب
* وبالنسبة لنوعيةِ الأفلام التي يُفضل الأطفال مشاهدتها؟
** لا شك أن غالبية الأطفال يُفضلون مشاهدة الأفلام الأجنبية والعربية التي تُجسد أفعال العنف بأشكاله المختلفة، وأفلام الرعب في المقام الأول ويليها الأفلام الكوميدية ثم الاجتماعية ثم باقي الأنواع الأخرى بدرجات وبنسب بسيطة.
* وما النموذج المفضل في هذه النوعية من الأفلام لدى الطفل؟ وما مدى تقليده له؟
** معظم الأطفال من الذكور يفضلون نموذج شخصية البطل التي تميل لأفعال العنف بأشكاله المختلفة في الأعمال الفنية الدرامية سواء من الممثلين الأجانب أو المصريين، أما بالنسبة للإناث فهن يفضلن مشاهدة الممثلات الشابات من الجيل الجديد وتقليد بعض تصرفاتهن وملبسهن إلى جانب مشاهدة الممثلين الأجانب والمصريين الذين يجسدون ويعكسون أفعال ومظاهر العنف بالإضافةِ إلى مشاهدة بعض الشخصيات التي تعكس الأدوار الاجتماعية والرمانسية وفي هذه الحالة يكون التقليد بنسبة 100%.
بين السلبية والإيجابية
* هل التعرض المكثف والمستمر للقنوات الفضائية ينتج آثارًا سلبية أم إيجابية لدى الطفل؟ ومتى تكون سلبية ومتى تكون إيجابية؟
** لا شك في أنَّ التعرضَ المكثف والمستمر للقنوات الفضائية ينتج آثارًا سلبية أو إيجابية لدى الطفل على مدى تأثره بها: فأفلام العنف على سبيل المثال قد تؤثر بطريقة سلبية على الطفل فتجعله يعتقد أن ما يشاهده في الفيلم ما هو إلا صورة مصغرة لما يحدث في الواقع وأن السبيل الوحيد للحصول على حقه هو ممارسة العنف بأشكاله المختلفة من عنف لفظي أو جسدي ضد من اغتصب هذا الحق، وقد تؤثر أفلام العنف على الأطفال والمراهقين بطريقة إيجابية فمشاهدة أفلام العنف بالنسبة للمتلقي تجعله يتخلص من حالته المزاجية والتي قد تكون سيئة نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية إذ إنه يتوحد لا شعوريًّا مع من يعجبه من شخصات الفيلم بغض النظر عن كونه البطل أم لا، هنا يحدث نوع من التطهير من ضغوطه، ونفس الفكرة تحدث في حالة الأفلام الكوميدية والتي تأتي كنوع من التخفيف من حدة ضغوط المتلقي وتكون بمثابة دفعة احتمالية تقليد الطفل لهذه الأفلام بنسبة 100%، ولكن هذا يعتمد على استعداداته الشخصية، فإذا ما كانت استعدادات الطفل وسماته الشخصية تسمح بممارسة العنف فإنه حتمًا سيمارسه، وهنا ستؤثر عليه بطريقة سلبية، أما إذا تمكَّن الطفل من التخلص من صراعاته فإنها ستؤثر عليه بطريقة إيجابية.
* إلى أي مدى يؤثر التعرض المستمر للقنوات الفضائية على توجهات الطفل الثقافية؟
** بالطبع يؤثر التعرض المكثف والمستمر على توجهاتِ الطفل الثقافية، فهذا التعرض هو الذي يحدد الوجهة التي يتجه إليها الطفل، ولكن هذا يتوقف على طبيعة المادة الإعلامية التي يشاهدها فمثلاً تعرض الطفل باستمرارٍ لإعلاناتٍ مكثفةٍ عن مكتبةِ الأسرة يؤثر على الطفل وتجعله يذهب للمكتبة ليشارك في التجربةِ بنفسه، وهنا نجد أن الطفلَ واعٍ بالدرجةِ الكافية ولديه الحرية ليختار ما يقراه وبالطبع يكون هذا هو الجانب الإيجابي، لذا فإنَّ تكثيفَ التعرض الإعلامي لمادة معينة من الممكن أن يغير توجهات الطفل الثقافية.
توجهات سياسية
* وهل يؤثر التعرض لهذه القنوات أيضًا على ثقافةِ الطفل السياسية في المستقبل؟
** بالطبع يؤثر هذا التعرض على توجهات الطفل السياسية، وقد يكون هذا التأثير سلبيًّا أو إيجابيًا، وذلك على حسبِ المادة الإعلامية التي يُشاهدها الطفل.
فقد تتأثر توجهات الطفل السياسية بطريقةٍ سلبيةٍ نتيجة كثافة المادة الإعلامية الموجهة ضد "إسرائيل" وما تشنه من غاراتٍ على الفلسطينيين وكذلك ما تشنه أمريكا على العراق، وهنا يتكون لدى الطفل توجهًا معينًا بأن "إسرائيل" وأمريكا كلاهما عدو، وهذا على الرغم من وجود تطبيعٍ مع البلدين.
ولكن هذا لا يمنع من أن توجهات الطفل السياسي قد تتأثر أيضًا بطريقة إيجابية، ولعل هذا ما لاحظناه في انتخابات الرئاسة الأخيرة حيث أدت الكثافة الإعلامية التي تشجع على المشاركة في الانتخابات إلى تشكيل توجه معين لدى الطفل يشجعه على المشاركة، وهذا على عكس ما كان يحدث في الماضي، وفي هذا الشأن ينبغي الإشارة إلى أنَّ الدولةَ ينبغي أن تكون إيجابية في توجهاتها السياسية؛ لأن الطفل أصبح واعيًا ولديه القدرة على استشراف الواقع من حوله.
لا هوايات ولا أنشطة
* هل يمارس الأطفال الذين يشاهدون هذه القنوات بصفة مستمرة بعض الهوايات والأنشطة؟
** لا شك أنَّ معظمَ الأطفال الذين يشاهدون القنوات الفضائية لا يمارسون هوايات فنية أو ذهنية أو أنشطة رياضية بصورة واضحة؛ وذلك لأنَّ مشاهدةَ هذه القنوات أصبح نشاطهم المفضل والوحيد، فقد أظهرت معظم الدراسات الأمريكية ارتفاع معدلات مشاهدة التليفزيون، ففي دراسة أمريكية بلغت نسبة مشاهدة أطفال المرحلة الابتدائية 5 ساعات يوميًّا، تزيد إلى 6 ساعات بين الأطفال الفقراء والزنوج، بينما يقضي الأطفال من سن 6-11 سنة حوالي 20 ساعة أسبوعيًّا، وفي دراسة بريطانية تراوح متوسط مشاهدة الأطفال للتليفزيون ما بين 16 و19ساعة أسبوعيًّا. أما في مصر فقد تراوحت نسبة المشاهدة بصفة دائمة للجنسين ما بين 95.5%،و 87.4%.
الحل
* وما دور الأسرة والإعلام لمواجهة هذا الخطر؟
** لمواجهة هذا الخطر لا بد من توعية الأسرة بأهمية التدخل في تحديد أوقات مشاهدة الأطفال للتليفزيون، وكذلك تحديد نوعية ما يشاهدونه من مواد إعلامية مختلفة؛ حيث أكدت آخر الدراسات التي أجريت على الأطفالِ والقنوات الفضائية أن معظم الآباء لا يتدخلون في نوعية ما يُشاهده الأطفال، ومن ثَمَّ تكمن خطورة هذا الأمر على الجوانبِ الاجتماعية الأخرى المعيشية أو الدراسية أو المشاركة الأسرية.
ولا تنسَ هنا دور الإعلام حيث ينبغي تطوير البرامج الموجهة للطفل في القنوات التليفزيونية سواء الأرضية منها أو الفضائية لمنافسة القنوات الأخرى التي تجذب اهتمام الأطفال وتحقيق الأهداف المرجوة، ومحاولة تطوير أساليب جذب المشاهدين وخاصةً من الأطفال لمشاهدة القنوات الفضائية التعليمية المتخصصة؛ نظرًا لفائدتها فيما تقدمه من معلومات مهمة ومفيدة.