ما زالت أزمة الرسوم تلقي بظلالها على العلاقات الإسلامية الأوروبية والغربية, وما زالت تداعيات الأزمة قائمةً؛ حيث تشهد بعض العواصم الإسلامية والغربية مظاهراتٍ احتجاجيةً ضد الدنمارك وضد بعض وسائل الإعلام التي أعادت نشر الرسوم المسيئة.

 

استمرارية الأزمة تستند إلى غطرسة حكومة الدنمارك وعدم تقديم الاعتذار، فيما لم تعتذر الصحيفة الدنماركية بشكل واضح وصريح أو تتخذ أي إجراء ضد الصحفي الذي نشر الرسوم، وما عمَّق الأزمة أكثر السعي المحموم من جانب الكثير من وسائل الإعلام الغربية- من مجلات وصحف- حتى وصل الأمر إلى عزم "متحف سخاروف" الروسي على إجراء معرض لتلك الرسوم كدعم لحرية الرأي والتعبير.

 

وأمام هذه القضية هناك العديد من التساؤلات التي تطرح نفسها: لماذا الآن بالذات؟! ولمصلحة من؟! وماذا عن القوانين المتعلقة بالتعرض للمعتقدات والأديان؟! هل هناك قوانين أوروبية كهذه؟! وهل تطبق؟!

 

وإذا كانت القضية هي التمسك بحرية الرأي والتعبير فلماذا كانت محاكمات "ديفيد إيرفينج" و"كين ليفنجستون" و"إرنست زونديل" و"جيرمار رودولف" وقبلهم "روجيه جارودي" وغيرهم لمجرد التعبير عن رأيهم في "محارق النازية" والتي طعنوا فيها بأدلة تاريخية ومنطقية؟!
لماذا الآن؟

 

الشيء اللافت للنظر في قضية الرسوم والاحتجاج عليها هو أن المظاهرات العاصفة التي جرت وما زالت احتجاجًا على الصور الكاريكاتيرية والتي تحولت إلى أعمال شغب كبيرة كانت قد بدأت من الأراضي الفلسطينية وهو ما لم يلاحظه أحد ولم تتم الإشارة إليه أو إلقاء الضوء عن أسباب ذلك، على أية حال لقيت هذه الأحداث هناك بالذات صدى كبيرًا، وحدث هذا بعد أسبوع على فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

 

لقد أظهرت نتيجة هذه الانتخابات أن نموذج الديمقراطية- الذي يحاول الغرب بمبادرة من الولايات المتحدة نشره في منطقة الشرق الأوسط الكبير- غير ناجح، أو بالأحرى يمكن تطبيقه ولكن ليس كما كان يتوقع دعاته، وكانوا في واشنطن يتصورون أن الديمقراطية ستصبح سلاحًا ضد الإسلام، ولكن ما حدث كان معاكسًا إذ تتعزز القوى الإسلامية بواسطة الانتخابات، وأصيب الغرب بحالة ذعر.

 

ولهذا كان طبيعيًّا على هذه الخلفية ما قاله وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" خلال المؤتمر الدولي الـ42 حول قضايا الأمن في ميونيخ عندما دعا الحلفاء إلى التضامن وزيادة النفقات العسكرية لإزالة خطر إنشاء "إمبراطورية إسلامية عالمية متطرفة"، وقال: "وها نحن نرى الخطر الإسلامي؛ إذ تحترق تارةً في هذا البلد الإسلامي وتارةً في بلد آخر البعثات الدبلوماسية الأوروبية، ويقوم المسلمون في أوروبا بمظاهرات الاحتجاج، وتأتي حماس عشية لقاء ميونيخ إلى السلطة في الأراضي الفلسطينية ويزداد تصعيد الوضع حول الملف النووي الإيراني وتتصاعد التفجيرات في العراق، علمًا بأن أعمال الشغب التي قام بها مواطنون من أصل إسلامي في فرنسا ما زالت عالقةً في الأذهان".

 

اليد الخفية

ومن الواضح أن هناك "يدًا خفيةً" وراء الأحداث الراهنة أجَّجت الأزمة وهي بالطبع اليد الصهيونية الأمريكية والتي سعت إلى تحقيق عدة أهداف:

 

الهدف الأول‏:‏ استفزاز المسلمين في العالم الإسلامي‏,‏ وكذلك الأقليات المسلمة التي تعيش في أوروبا‏,‏ وإثارة مشاعرهم الدينية التي يعلم الجميع أنها قابلةٌ للاشتعال‏,‏ وبذلك يظهر العالم الإسلامي ومسلمو أوروبا في حالة غضب غير منظم يمكن أن يؤدي إلى تخريب يمس الدول الأوروبية، فيكون ذلك دليلاً يمكن استغلاله في تأكيد الدعايات المسمومة التي تصف المسلمين بالهمجية والعنف والإرهاب ومعاداة الآخر‏,‏ وخرجت بعض الكتابات المحرضة التي تقول "إذًا ما الذي يمكن انتظاره من المسلمين؟! انظروا إلى ما يقومون به: لم نقم إلا بنشر صور كاريكاتيرية بينما يهددوننا بالقتل"!!

 

ومثل هذه الدعايات تجد قبولاً في المناخ السائد في أوروبا وأمريكا الآن بعد أحداث ‏11‏ سبتمبر وتفجيرات باريس وروما ولندن ومدريد‏..‏ إلخ‏، وفي أوروبا وأمريكا جماعاتٌ ومنظمات معاديةٌ لوجود المسلمين في هذه الدول تسيء إليهم في كل مناسبة بسبب تزايد أعداد المسلمين في مجتمعات لم تتعوَّد قبول العادات والشعائر الإسلامية.

 

الهدف الثاني‏:‏ وهو هدف سياسي إستراتيجي تعمل الأيدي الخفية على تحقيقه، وهو تعميق الخلافات والكراهية المتبادلة بين شعوب الغرب والعالم الإسلامي‏,‏ وبالتالي الحيلولة دون تعاطف هذه الشعوب مع قضايا المسلمين أو الوقوف إلى جانبهم في معاركهم السياسية لاسترداد حقوقهم.

 

الهدف الثالث: لفت الأنظار بعيدًا عن انتهاكات الاحتلال الصهيوني في فلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان ومن خلفه دول أوروبا "المتقدمة" وإيهام العالم أن المسلمين مجموعةً من الهمج والرعاع لا ينفع معهم إلا القوة والقمع؛ ولذلك ما حدث في أبو غريب وجوانتانامو وغيرهما كان له ما يبرره!!

 

الرسوم والقوانين

تتضمن قوانين معظم الدول الأوروبية بدءًا بالدنمارك؛ حيث نشرت الرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- بنودًا أو أحكامًا تحظر الإساءة إلى الأديان غير أنها نادرًا ما تُطبَّق، ولا تستخدم عبارة "التجديف" التي تشير إلى الإساءة لما هو مقدس أو ديني إلا في قوانين عدد قليل من البلدان فيما تتحدث قوانين معظم الدول عن "الإساءة إلى الدين" و"التحريض على الحقد الديني" كجريمة يعاقِب عليها القانون.

 

الموقف الدنماركي والنرويجي تمثَّل في الالتفاف على كل هذه القوانين واعتبار نشر الرسوم ضمن إطار حرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان وليس مساسًا بالأديان والمعتقدات، وهذا الرد الغربي الواهي مردودٌ عليه؛ حيث تعتبر الكثير من نظريات حقوق الإنسان الأديان جزءًا من ثقافة الشعوب الأصلية التي لها الأثر الكبير في صياغة حضارة الشعوب وضميرها.. الأمر الذي يجعلها جزءًا من الكرامة الإنسانية (أم الحقوق).

 

كما أن الادعاء بحرية التعبير في هذه الحالة جاء على شكل رسومات كاريكاتورية مهينة، أي لم يكن هناك رأيٌ حتى يتمكن المسلمون من الرد عليه أو نقاشه، وبالتالي لا يمكن طرح القضية من باب الحوار والنقاش الديمقراطي, خاصةً أن هذه الرسومات ترافقت مع إشاراتٍ واضحةٍ لوصم الإسلام والمسلمين بالإرهاب والعنف.

 

أيضًا نشر الرسومات وإعادة نشرها لاحقًا- رغم ردود الفعل العنيفة في العالم شكَّل- تحديًا لا مبرر له وإضافة الوقود إلى النار الملتهبة، خاصةً أنها لم تترافق مع مواقف واضحة للمؤسسات الرسمية وخاصةً الأحزاب والحكومات، التي تهربت من دورها وتسامحت مع النشر تحت ذريعة حرية الصحافة!!

 

فهل كانت الحكومات سترد بالمثل لو نشرت هذه الصحف أخبارًا مسيئةً أو مهددةً للأمن والاستقرار الوطني!!

 

وإضافةً إلى ذلك فإن الصحيفتين الدنماركية والنرويجية اللتين بدأتا بنشر الرسوم قد تجاوزتا ما جاء في البند الثاني من فقرة (ب) من إعلان فيينا في مؤتمرها المعقود حول الأقليات خلال الفترة من 14 إلى 25 من يونيو1993م فيما يخص حقوق الأقليات القومية أو الدينية أو اللغوية، بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائِمَينِ على أساس الدين والمعتقد الذي نشرته الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 36/55) في 25 من نوفمبر عام 1981م.

 

فإذا كانت هذه القرارات والنصوص الصادرة عن الأمم المتحدة والتي التزمت بها الدول الأوروبية قبل غيرها من الدول قد وضعت هذا الإطار العام لحرية الإعلام وممارستها من خلال (حق الإعلام) الذي تُعد حرية إبداء الرأي خميرته فلماذا لم تلتزم بها دولتا الدنمارك والنرويج؟ أو بعبارة أخرى: لماذا لم تمنع حكومتا الدولتين نشر الرسوم المذكورة؟ أو أنهما لم تعاقبا الصحيفتين المذكورتين- أو محررَيهما- على عملهما المشين ضد العالم الإسلامي؟!

 

الرسوم والمحاكمات

وإذا سلمنا بأن القضية هي التمسك بحرية الرأي والتعبير فلماذا كانت محاكمات "ديفيد إيرفينج" و"كين ليفنجستون" و"إرنست زونديل" و"جيرمار رودولف" وقبلهم "روجيه جارودي" وغيرهم لمجرد التعبير عن رأيهم في "محارق النازية" والتي طعنوا فيها بأدلة تاريخية ومنطقية؟

 

هؤلاء لم يقتربوا من مقدسات دينية أو عقائد الآخرين بل أحداث تاريخية وقعت منذ فترة قريبة؛ ولذلك ليس بالإمكان تفادي التفكير في مغزى توقيت الحكم علي المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج بالسجن ثلاث سنوات في النمسا بتهمة التشكيك في المحرقة النازية؛ وإيقاف عمدة لندن كين ليفنجستون أربعة أسابيع للفصل في أمره والتحقيق معه فيما صدر منه منذ عام، فالحكم على إيرفينج ووقف ليفنجستون يأتيان في وقت يتصاعد فيه إحساس المسلمين بالإهانة من جراء الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها "يولاندس بوستن".

 

الدروس المستفادة

ويمكن أن نستخلص من هذه الأزمة عدة دروس مستفادة:

- هذه الأزمة أوضحت أن الفكر الاستعماري لأوروبا التي كانت قبل أقل من 50 عامًا قارةً استعماريةً تحتل بقية دول العالم وتسرق خيراتِها وتغتال زعامتها وأبناءَها وتنتهك حرمتها ومقدساتها، يبدو أن هذا الفكر ما زال قائمًا ومتأصِّلاً ولن يقضي عليه أو تجمِّله تلك الشعارات التي تروِّج لها دول أوروبا من أنها بلاد الحضارة والتقدم وحرية الرأي.

 

- أثبتت هذه الأزمة أن الإخطبوط الصهيوني يسيطر على القارة بما في ذلك القرار السياسي والقضاء والإعلام سيطرةً تامةً، تجعل شعوب هذه القارة مجرد قطيع بشري- بما في ذلك الحكومات والأحزاب- ينصاع وفقًا لما تمليه "الميديا" الصهيونية.

 

- تأكد أن السيف المصلت فوق أعناق مَن لا يحبون الكيان الصهيوني والصهيونية يمثل القاسم المشترك في الحكم الذي قضى بوقف ليفنجستون أربعة أسابيع عن عمله في قضية مضى عليها عام كامل والحكم الذي قضى بحبس إيرفينج ثلاث سنين في قضية مضى عليها سبعة عشر عامًا!!

 

- لقد أثبتت قضية الرسوم وهْمَ وكذبَ "حرية التعبير والرأي" في أوروبا وأن هذه الحرية في الرأي والتعبير مقصورةٌ على الأوروبيين من غير المسلمين بالطبع، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحرية القاصرة أيضًا مقيدة بعدم المساس بكل ما يتعلق باليهود والصهيونية ودولتها.

 

- برز خلال هذه الأزمة غياب مواقف مؤسسات المجتمع المدني الأوروبية وخاصةً مؤسسات حقوق الإنسان الأوروبية، اللهم فيما عدا "الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان"، وهي إطار يضم حوالي 80 جمعية عربية وأوروبية لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من كون ردها قد جاء متأخرًا وضعيفًا؛ حيث لم يحمل إدانةً واضحةً لنشر الرسومات، في حين حمل شجبًا للردود العنيفة التي لقيتها هذه الرسومات.

 

- أوضحت الأزمة المعايير المزدوجة التي تحكم تصرفات الغرب تجاه المسلمين واليهود، ويتضاعف الإحساس بانتفاء العدالة عندما ننظر إلى الفرق الشاسع بين الحالتين، فالإهانة التي وجهتها الصحيفة الدنماركية تمس عقيدة المسلمين، أي المطلقات غير التاريخية، بينما صدر حكم السجن بحق المؤرخ البريطاني لمناقشته واقعةً تاريخيةً من المفترض أن يجري عليها ما يجري على كل حوادث التاريخ من إمكانية المراجعة وإعادة النظر كلما ظهرت وثيقة جدية جديدة أو شهادة لأحد الأحياء يمكن أن تفيد، ولكن اليهود نجحوا في تحويل ما هو تاريخي ودنيوي إلي مقدس لا يمكن المساس به.

 

- هذه الأزمة أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يسمَّى بحوار الأديان وما على شاكلته هي محاولات فاشلة تفتقد المصداقية ولم تخرج عن الإطار النخبوي بين النخب الدينية والثقافية، ولم تجد طريقها إلى قلوب الناس وعقولهم.. الأمر الذي يثير التساؤلات حول جدواها ويضع الموضوع برمته للفحص قبل الاستمرار بمثل هذه اللقاءات بالمستقبل والتي لا يعود منها أي شيء حتى ثمن ما يلتهمه ضيوف موائد الحوار!!