كتبت- دعاء حسين

الأمة الإسلامية هي خير أمة أخرجت للناس، كما وصفها ربها عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، وعلى هذا فإنها ليس المطلوب منها فقط أن تساير الأمم الأخرى في تقدمها وحضارتها، بل عليها أن تضاعف جهودها وتضحياتها والتزامها لتستمر في تقدمها وإسهاماتها لتحقق مركزًا متقدمًا بين الأمم من خلال الابتكار والتفوق والتميز.

 

هكذا قال الوزير الماليزي الدكتور عبد الله محمد زين وهو يطرح الدافعَ الذي من أجله بادر رئيس الوزراء الماليزي أحمد بدوي بطرح مشروع (الإسلام الحضاري).

 

ليس دينًا جديدًا

وهذا المشروع- كما وصفه بدوي- ليس دينًا أو مذهبًا جديدًا؛ لكنه طرحٌ جديد طرحته الحكومة الماليزية يرتكز على الوسطية التي يتميز بها الإسلام لتأخذ به الحكومة لتكوين المجتمع الماليزي بصفة عامة والمسلمين منه بصفة خاصة على تفهُّمِ ومعايشةِ تعاليمِ الإسلام بصورة شمولية، واضعين في الاعتبار تقدُّمَ البلاد، وفي الأولوية الأمن والأمان.

 

وهذا (الإسلام الحضاري) قد وضعته الدولة ليكون دليلاً يثبت قدرةَ دولةِ ماليزيا على أن تكون نموذجًا للدولةِ الإسلاميةِ المثاليةِ، وهي السياسة التي تطلَّع الدولة إلى تنفيذها عام 2020م.

 

التعريف

ويعرف رئيس الوزراء الماليزي (الإسلام الحضاري) أنه عبارة عن وسيلة من وسائل تطوير الإنسان والمجتمع والدولة بصورة متميزة وشمولية قائمة على أساس التمدن الإسلامي.
ويتضح من هذا التعريف:

1- أن مبدأ الإسلام الحضاري أكثر شمولية وكمالاً من المفاهيم والمبادئ القاصرةِ على جوانب جزئية من الدين، كما هو الشأن في مفهوم الإسلام السياسي والإسلام الصوفي وما شابه ذلك.

 

2- يمثِّل (الإسلام الحضاري) في التعاليم الإسلامية التي تهتم بجوانبِ الحياةِ المختلفةِ من أجل رفع مستوى معيشة المجتمعَ المتمدينَ وإعداد أبنائه لمواجهة مختلف تحديات العصر الحديث.

 

3- هذا المبدأ يركِّز على أهمية الشعائرِ الدينيةِ في بناء حضارة الأمة، حيث إن الاستقرار الروحي والنظرة المتزنة للحياة والقيم العالية تعد ركيزةً الحضارة الخالدة.

 

مبادئ الإسلام الحضاري

تتمثَّل مبادئ الإسلام الحضاري فيما يلي:

1- التقوى والإيمان: ويعتبر هذا المبدأ هو الركيزةَ الأولى لمفهوم الإسلام الحضاري، ويعد القرآن والسنة مصدرَيْن أساسيين له، وهو المنطلق الذي تقوم عليه عملية بناء الأفراد ورفعة الوطن، ويعتبر أساس اعتناق الدين لغير المسلمين قائمًا على مبدأين:

أولهما: أنه ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256).

ثانيهما: حرية الديانة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون).

 

2- عدالة الحكومة وأمانتها: والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقَّه بقدر ما يستحقه بغضِّ النظر عن الإنسان والألوان والشعوب والمراكز الاجتماعية والمادية واختلاف الأديان، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: من الآية 8).

 

والأمانة: هي أداء الواجبات المكلف بها الإنسان خير أداء، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: من الآية 58).

 

3- استقلالية الشعب: ويقصد به تكوين مجتمع يتمتع باستقلالية النفس والتفكير، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء).

 

ونعني بذلك استغلال المواهب والقدرات الفردية إلى أبعد حدود حتى تتعمق في النفس جذور الإسلام الحضاري كأساس للهوية الذاتية وتوطيد العلاقات الأسرية وتحقيق التكامل الاجتماعي.

 

4- التمكن والإلمام بالعلوم والمعارف: وهذا المبدأ يفتح آفاقًا واسعةَ المدى في مختلف المعارف الحديثة، وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية 11).

 

5- التوازن والشمولية في النهضة الاقتصادية: حيث إن معالم النهضة الاقتصادية الشاملة تجمع بين تطبيق الممارسات الاقتصادية القائمة على أسس أخلاقية من جهة، والقدرة على تنفيذ البرامج الاقتصادية بشكل فعال مع المغيرات الحديثة من جهة أخرى.

 

6- الرفاهية المعيشية: ويتحقق هذا عندما تنجح الدولة في توفير ما يفي بسد الحاجيات الأساسية للشعب، ومنها الالتزام بالدين وتعزيز مستوى التربية وتوفير الأمن الغذائي وضمان تكوين جيل متميز.

 

7- حماية حقوق المرأة والأقليات: وينتج عن ذلك استحقاق المرأة والأقليات لكل الامتيازات التي يتمتع بها الرجل والأغلبية، وتكوين هيئات مسئولة عن حماية هذه الحقوق والمحافظة عليها من التعرض للانتهاك.

 

8- حسن الأخلاق ورقي الثقافة: ويعني التمسك بالقيم الأخلاقية لما لها من تأثير مباشر في سعادة الأمة حتى تسير النهضة الاقتصادية والتكنولوجية بماليزيا في اتجاه متوازٍ مع رقي الثقافة وسمو الأخلاق.

 

9- المحافظة على الطبيعة: عن طريق غرسِ الشعور بحب الطبيعة والمسئولية تجاه حمايتها وتنميتها وفق تحفُّظ محكم، ومراقبة ما يطرأ عليها من خلل حتى لا تؤثر على مشاريع الإنسان على الأرض ودورة الحياة بشكل عام.

 

10- ترسيخ القدرة الدفاعية للوطن: ويشمل مفهوم القدرة الدفاعية والقوة الحربية وحداثة الأسلحة، إلى جانب القوة الذاتية والجسيمة والمعنوية أيضًا؛ بهدف الدفاع عن الوطن لا الهجوم على الآخرين.

 

والآن تقوم الحكمة الماليزية بترجمة هذا المشروع إلى اللغتين العربية والإنجليزية ليكون دليلاً واضحًا لكل من أراد أن يتخذه مشروعًا لإحياء أمة، كما قال بذلك البروفيسور عبد الله محمد ابن وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بماليزيا.