" إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ( آل عمران : 175) .
وفد الحظيرة
ولأن مصر أم الدنيا وقد الدنيا فقد استقبل ساري عسكر بونابرته قائد الانقلاب الحاكم الفعلي للمحروسة وفد الحظيرة الثقافية بمناسبة التمثيلية الانتخابية من أجل كرسي السلطنة ولبس التاج، في التمثيلية يذهب جمهور الناخبين إلى المرشح الحاكم أو يشاهدونه بالكونفرنس؛ كي يسمعوه ويمتثلوا لأوامره ويستمتعوا بحكاياته وقصصه عن تاريخه المجيد وتدينه العظيم وتكفيره لنصف الشعب المصري التعيس، أما من يقولون إن المرشح يجب أن ينزل إلى الناس ويواجههم بعد أن فوضوه وهم أقدر على حمايته والدفاع عنه، فعليهم أن يكتفوا بالمرشح السنيد الذي يقوم بدوره في حبك التمثيلية، وهو يمضي في المدن والمحافظات، يخطب ويتكلم ويرد على الجماهير بالنيابة عن ساري عسكر، لأنه يعلم أنه لن يعتّب الاتحادية ولو انتخبه عاصرو الليمون في أرجاء المعمورة، إنه جزء من النص يفسد البناء المسرحي إذا تمت تحريكه أو شطبه..
لبس وفد الحظيرة الثقافية المزمن العمائم الكبيرة جدا وارتدى أبهي القفاطين ذات الأكمام الواسعة والمداسات المستوردة من إيطاليا يتقدمهم المستنيرون والمستنيرات، وجلسوا الساعات في حضرة ساري عسكر يستمعون إلى الدرر السنية في قهر البرية، وكيفية الاستهانة بإرادة الشعب الديمقراطية وإلقائها في سلة الزبالة الديكتاتورية، ثم خرجوا يشيدون ويتغزلون، ولم يسألوا هذه المرة عن أسعار الطماطم المجنونة، ولا عن انقطاع الكهرباء الملعونة..! خرجوا يعبرون عن انبهارهم بطلعته البهية وقال من رآه لأول مرة إنه يمثل منظومة قبس إنسانية ووطنية ! ماذا أبقيتم لشعراء المدائح الرخيصة ودماء الشهداء الذين قتلهم ومازال يقتلهم مازالت ساخنة لم تبرد بعد ؟
هيبة الدولة !
يخاطب أحدهم طالبًا منه أن يفكر معه (؟؟)، كيف يمكن استعادة هيبة الدولة بدون أن يتم ذلك من خلال إجراءات تبدو متعسفة أو قاسية (كأنه لم يقتل الآلاف في الحرس الجمهوري والمنصة والقائد إبراهيم والمنصورة ورابعة والنهضة والفتح وأكتوبر ومصطفى محمود والمقطم ودلجا وكرداسة وناهيا والعمرانية وسينا وغيرها) ولكن مشايخ الديوان يباركون خروجه لسحق الديمقراطية والكرامة والحرية والقضاء على الظلام– أي الإسلام– ويتغزلون في صمته وفي كلامه، وتفوقوا على مدرس الطب في جامعة بنها الذي عبر عن حالة غريبة من العبودية والشذوذ حين قال المذكور في إحدى محاضراته، ما نصّه : "ربنا يخليك يا .....، وينصر دينك يا أخي، والله لو كنت "مرة" لتزوجتك". وأضاف : "يا خرابي على الطعامة يا خرابي، يا لهوي.. إيه دا إيه ده، يتاكل، إيه ياد الرجولة دي، يخرب بيت كده"!
رد الجميل
لقد ردّ قائد الانقلاب الجميل للحظيرة وأعرب عن سعادته بالتواصل مع(أدباء مصر!) مؤكدا أن هناك مسئولية كبيرة ملقاة على عاتقهم في الفترة المقبلة، من أجل خلق منظومة وعي حقيقية لدى المواطن المصري، تمكنه من إدراك مستوى التحديات التي تواجه الوطن في الوقت الراهن ( فعلا ! لا بد أن يقبل الشعب العبودية ويتخلى عن إسلامه، ولا يتوقف عن تلميع البيادة وحب اليهود والأمريكان والروس وبتوع الخليج كمان!) .
وقد سوغ لهم ذلك بأن: "الضمير الإنساني والتاريخ الحضاري لمصر كان يحتم التدخل وتلبية نداء المواطنين للحفاظ على كيان الدولة المصرية من السقوط". هو الكلام ذاته الذي كان يردده الحظائريون قبل الانقلاب ويطالبون به العسكر لأن ديمقراطية صناديق الانتخابات لا تصلح أمام ديمقراطية جنازير الدبابات !
لقد مضى الغزل الحظائري على أنه لا خوف من ديمقراطية جنازير الدبابات فالدولة العسكرية والدولة الدينية غير متاحة تمامًا في المرحلة المقبلة! ومستقبل الحريات والديمقراطية سيكون مصانا بنصوص الدستور والقانون! الذي اتفق عليه المواطنون الذين أنشدوا تسلم الأيادي مع وقع الرصاص الحي وأزيز الأباتشي وحرق الجثث في رابعة!!
فلاتر الصدق
وتأملوا فلسفة ساري عسكر: "الكلام عندي يمر على فلاتر الصدق والحق والأمانة، ولا أتكلم دون معرفة أو دراسة، وأمضيت طيلة عمري هكذا".
المفارقة أن السادة الحظائريين يصرون على ضرورة فصل الدين عن الدولة واستبعاد الإسلام من الثقافة والحياة والمجتمع والمستقبل، ولكنهم يستمعون بخشوع إلى ساري عسكر وهو يعلمهم أنه يملك المفاتيح الحقيقية للإسلام، وأنه يعرف أصوله جيدا أكثر من الذين رماهم بالآلاف في السجون والمعتقلات بغير جريمة حقيقية وقال لهم: لن نتمكن أبدا من استيعاب الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة القويمة، إلا من خلال كم ضخم جدا من الثقافة والمعرفة والانفتاح على العلوم والفنون المختلفة لدى شتى الحضارات والشعوب! فتح الله عليك يا مولانا، فقد كان نابليون يقول لحظيرته من المشايخ مثل هذا الكلام قبل أن يفتك بثلاثمائة ألف من المصريين الغلابة، وهو ما يعادل سبع الشعب المصري أيامئذ، ولكنك سبقته بالفتك واحتفلت به الحظيرة الثقافية الانقلابية بعد قرنين من الزمان وبرأته من دماء المصريين الغلابة، تحت لافتة العلاقات الثقافية، والتنوير.. ياله من تنوير يتم بالمذابح والقمع والسطو..
السطو الانقلابي
كانت الحظيرة تتغزل، والانقلاب في الوقت نفسه يسطو على أموال وممتلكات قيادات الحركة الإسلامية بمنتهى الجسارة والوحشية دون إحم ولا دستور ولا قانون.. ومع ذلك تؤكد الحظيرة لساري عسكر أنها ضد الظلام– أي الإسلام- الذي حاول من وجهة نظرها القضاء على هوية مصر الثقافية، والفنية والأدبية. وتدعوه من خلال أفرادها الذين خدموا العسكر على مدى ستين عامًا لاستئصال الإسلام في الوزارات والمؤسسات الإعلامية والتربوية.. حبس ساري عسكر كليبر الشيخ السادات في القلعة وفرض عليه غرامة باهظة، وأنزلوه إلى داره ليسعى في بيع متاعه وأحضر ما وجده من الدراهم فكانت تسعة آلاف ريال معاملة وستة آلاف ريال فرانسة، ثم قوّموا ما وجدوه من المصاغ والفضّيات والفراوي والملابس وغير ذلك بأبخس الأثمان، وجاسوا خلال الدار يفتشون ويحفرون الأرض على الخبايا، ونقلوه إلى بيت قائمقام ماشيا وحبسوه مع زوجته، وصاروا يضربونه خمسة عشر عصا في الصباح ومثلها في المساء وهذا آخر مسايرة الفرنساوية!