"قلوبنا معكم، وسيوفنا مع بني أمية".

أي مستوى من التناقض هذا الذي يحمله الإنسان!!!

لا تتعجب إنه الصراع الدائم في حياة كل إنسان بين المبادئ والمصالح.

الإنسان السوي يتمنى انتصار المبادئ، ولكنه يضعف أمام التضحية في سبيل المبادئ.

نحن في مقالنا لن نتحدث عن المفسدين والقتلة والمجرمين، كلا...

في مقالنا هذا سنتحدث عن عشاق الفضيلة وأصحاب المبادئ، هم أناس طيبون حولنا يكرهون الفساد ويتمنون الخير.

يصدمنا فيهم أنهم يحبون المبادئ ويدوسونها بالأحذية، ويعشقون الفضيلة ويمهدون الطريق لسيادة الرذيلة!!

هذا النموذج مثير للفكر والتأمل ومحاولة الفهم.

وأي مصلحة هذه التي تجعلهم يضحون بالمبادئ وهم ليسوا سُرَّاقًا ولا مرتشين ولا منتفعين؟؟

إنها يا عزيزي في حدها الأدنى: إيثار السلامة.

فمناصرة المبادئ وطلب الحقوق يلزمه تضحية بالحياة والأمن والاستقرار والمال، وهم ليسوا من هذا الصنف، فهم كمن وصفهم الله تعالي " وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا " فهؤلاء يعرفون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) معه الهدى ولكنهم آثروا الاستقرار الموهوم.

ومن عجيب أمر هذا الصنف من البشر أنه لا يملك شجاعة مواجهة النفس، فهؤلاء عندهم لكل تضحية بمبدأ مبرر وسند يعفيهم من ألم مواجهة النفس بجبنها وتقصيرها، فسلامته الشخصية يغلفها بغلاف استقرار الوطن، وتجارته ووظيفته بغلاف "العجلة تمشي".

ولكن على أي مبدأ يستقر الوطن وتمشي العجلة؟؟ هل على رقاب الناس وتكميم الأفواه ومطاردة العلماء والشرفاء؟!!

هذا هو السؤال الذي لا يسأله لنفسه لأنه لا يملك شجاعة المواجهة مع النفس.

هذا الشخص قد يصل به الحال (وهو المحب للمبادئ والفضائل) إلى كراهية أصحاب المبادئ والبعد عن متابعة صمودهم وجهادهم، لأن رؤيتهم تكشف له ضعفه وجبنه.

هذه محاولة لفهم هؤلاء الطيبين الذين نحبهم، ولا نستطيع أن نلتمس لهم عذرًا، لأن الله حين كلف الإنسان بمناصرة الحق لم يكلفه إلا بمقدور- أي بشيء يقدر على فعله لو أراد–

وكذلك لأنه كان بمقدورهم على أقل تقدير أن يصمتوا وألا يجعلوا ظهورهم مركبًا للطغاة الظالمين.

وكذلك لأنه كان بمقدورهم كف سيوفهم عن أناس أمثالهم من لحم ودم، وقد يملكون من الإمكانات المادية أضعاف ما يملك هؤلاء، وكان باستطاعتهم أن يعيشوا في رغد من العيش، ولكنهم ضحوا بمصالحهم من أجل مبادئهم.

هؤلاء الأطهار اصطفاهم الله من بين خلقه ليكونوا وقودًا لنور شعلة المبادئ والفضيلة بين الناس.

فهؤلاء ينطبق عليهم وصف الأديب الراحل "مصطفى صادق الرافعي": إن من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه الإنسانية: ينبتون ويحصدون، ويُعجنون ويُخبزون، ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها.