- حسن يوسف: أفلام وحيد حامد وراء تشويه صورة الإسلام
- خليل: دورٌ كبيرٌ للجاليات في مواجهة الإعلام الغربي
تحقيق: أحمد الطهطاوي
بعيدًا عن الانفعالات الوقتية وردود الفعل العنيفة- من بعضنا- التي تزيد صورة الإسلام والمسلمين تشويهًا في الخارج، ومحاولةً لإقامة حوار مع الآخر بدلاً من الصراخ في وجهه، ورغم حجم المعاناة التي واجهتها في الخارج جرَّاء الجهل الأوروبي بالدين الإسلامي الحنيف (والتي كان آخرها حملة الإساءة الغربية للإسلام عامةً وللنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- خاصةً، والتي تمثلت في نشر رسوم مسيئة للنبي والتي استفزَّت مشاعرَ المسلمين في جميع أنحاء العالم).. واجهت الجالية كل هذا التشويه بأسلوبٍ فنيٍّ يخاطب عقولَ هؤلاء الذي دفعهم جهلهم بالدين الحنيف إلى هذه الرسوم.
حيث اعتمدت الجالية الإسلامية في الدنمارك أسلوبًا خاصًّا في التعامل مع أزمة الرسوم، وأعلنت عن بدءِ عرض مسرحية (قصص محجبات) على مسرح بيتي نانسن، وحاولت تقديم صورة صحيحة عن الإسلام، والرد على الافتراءات التي يتعرَّض لها المسلمون بالخارج، ومواجهة ظاهرة "الإسلاموفوبيا" التي تدفع الغربيين إلى الاعتقاد بأنه لا يمكن التعايش مع المسلمين، خاصةً أن المسلمين يعانون أفقًا ضيقًا يتمثَّل في رغبتهم الدائمة للدماء، وتصديق الوهم الذي يؤكد أن الغربَ يحترم الحقَّ في التعبير والمسلمون لا يحترمونه، وهذا ما يدفع الغرب إلى الإحساس بعقدة التفوق واعتبار الآخرين أقلَّ قيمةً، وهو ما يدفع نحو نتائج كارثية.
واكتسبت هذه المسرحية أهميةً كبيرةً في ظل حالة التوتر الحالية بين الدانمارك والعالم الإسلامي؛ بسبب نشر صحيفة (يولاندز بوستن) الدنماركية للرسوم، وحاول هؤلاء التعبير عن تمسكهم بجذورهم وهويتهم الإسلامية، وتوضيح الاعتقاد الخاطئ للبعض والذي يؤكد استحالة العيش مع المسلمين بأن ذلك يعيق الاندماج في المجتمع.. فهل تنجح الجاليات فنيًّا في التصدي للمحاولات التي تبذلها الحكومات الأوروبية في محوِ هويتها الإسلامية أو تظل حالة الكراهية التي يبثها الغرب من خلال مقالاتهم ومعلوماتهم هي السائدة؟!
دور مهم
حول أهمية الدور الذي يقدمه فن الجاليات يؤكد الفنان حسن يوسف "أنه يجب عدم تبني العنف في الرد على الإساءات المتكررة للإسلام؛ لأن هذا يدعم الأكاذيب الغربية عن المسلمين بأنهم همجيون"، ويضيف: إن هجوم الغرب ناجمٌ إما عن جهلٍ أو حقدٍ أو عدم دراية بالدين الإسلامي، وهناك بعضُ المنصفين الذين يعطون للإسلام قدرَه الحقيقيَّ، والدليل على ذلك كتاب صدر مؤخرًا بعنوان (العظماء 100) لكاتب مسيحي يضع النبي محمدًا- صلى الله عليه وسلم- الأول على قائمة هؤلاء العظماء، فالجهلاء منهم لا يعرفون قيمةَ الرسول ولا قيمةَ الرسالة ولا مبادئ الإسلام.
وهؤلاء يجب أن نتبع معهم سبل الحوار والعقلانية لتعريفهم بالدين الإسلامي وبنبيه- عليه الصلاة والسلام-، عن طريق مخاطبة عقولهم بالأفلام الوثائقية عن الإسلام، والأعمال الفنية الهادفة التي تقدِّم لهم صورةً واضحةً لا تمحوها أية محاولات تشويه، يتم من خلالها مخاطبة الغرب بلغته "مترجمة" لنزيل عنه هذا الجهل، فالفن له دورٌ فعَّالٌ في مقاومة حملات الإساءة، والدليل على ذلك أن فيلم مصطفى العقاد (الرسالة) جاء في وقت تعرَّض فيه الإسلام أيضًا للهجوم ولكن بعد عرض الفيلم توقَّف هذا الهجومُ، وكثيرٌ من الأوروبيين يحترمون الإسلام ويرفعون له القبَّعة، وبعد حوالي 25 عامًا بدأ الهجوم من جديد؛ لأننا نفتقر إلى هذه النوعية من الأعمال الجيدة.
ويرى حسن يوسف أننا مسئولون أيضًا عن هذا الهجوم لتقصيرنا في تقديم أعمال فنية تواجه الحملة الغربية الشرسة، مشيرًا إلى أننا مشغولون بالكليبات العارية، والأفلام الهابطة، ونُسيء إلى أنفسنا قبل أن يُسيء إلينا الآخرون، فأفلامٌ من النوعية التي يصرُّ عليها مثلاً السيناريست وحيد حامد تقدِّم صورةَ المسلم بذقنه وجلبابه القصير وتعصبه وتشدده تدعَم وجهةَ نظر الغرب الخاطئة عن المسلمين.
وفي نفس السياق نجد أن أعمالنا الفنية التي يتم اختيارها لتمثيلنا في المهرجانات العالمية- مثل برلين أو كان- يتم اختيارها بشكل يدعم ويروّج لوجهة نظرهم ضدنا، وحاولوا استقطاب الفنانين المصريين وخداعهم بالشعارات الكاذبة بأنه فنان عالمي ليتم استقطابهم!!
هذا بالنسبة للجاهلين بالإسلام أما الحاقدون- والكلام لحسن يوسف- فهؤلاء مَن ينطبق عليهم قول المولى عز وجل: ﴿في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ(12)﴾ (البقرة)، ويُصنَّف ضمن هؤلاء وزيرُ الإصلاح الإيطالي الذي طبَع الرسوم المسيئة للنبي الكريم على قميص له؛ لأن الإساءة صادفت حِقدًا في قلبه، فمِثل هذا الحاقد نترك أمره لله عز وجل.
المد الإسلامي
ولعل المتابع للوضع الحالي يجد أن الإسلام يواصل زحفَه من خلال اختراقه للقلوب والعقول، بما لديه من حسن البيان والإقناع، وهو ما يدفع الغرب للوقوف في وجهه، وهذا ما يؤكده الدكتور محمود خليل (وكيل كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر) ويضيف أنه "لا بد أن نقرأ ما يقع في أوروبا- فيما يتصل بالهجوم على الإسلام- قراءةً موضوعيةً، ويجب أن ننظر إليه نظرةً أكثر عمقًا"، فالإعلام الأوروبي بممارساته يعبِّر عن نوع من القلق الذي يجتاح هذه المجتمعات من المد الإسلامي في الغرب، ففي فرنسا مثلاً نجد أن الإسلام هو الديانة الثانية، وفي الدنمارك وهولندا وباقي الدول الأوروبية يتزايد الإسلام بصورة ملحوظة.
وهذا المد الإسلامي يثير قلق المسئولين عن هذه المجتمعات، ونجد تأثيره واضحًا في الانتخابات الأمريكية؛ حيث الاهتمام بأصوات المسلمين، فممارسات الإعلام الغربي يمكن تصنيفها في محاولة الحرب على هذا المد والتحجيم من آثاره السياسية والفكرية على هذه المجتمعات، وتحاول الولايات المتحدة الأمريكية جرَّ أوروبا بكافة أطيافِها ودولها إلى ساحة ما يسمَّى بـ"الحرب على الإرهاب"، وتحاول كذلك تخفيف الضغط عليها من خلال تنشيط العداء ما بين الدول الأوروبية والمسلمين وهي لعبة أمريكية محفوظة.
ويشير هنا إلى زيادة الحاجة لدور فعَّال من قِبَل الجاليات الإسلامية التي تعيش في الغرب، فيجب عليها أن تحارب الاعتداءات الإعلامية على الإسلام وعقيدته ونبيه بطريقة ذكية، فهذه الجاليات أصبحت مسئولةً عن إيجاد قنوات إعلامية تعبر عنها وعن الإسلام بطريقة صحيحة.
ويدعو الدكتور محمود خليل هذه الجاليات أن تسعى جاهدةً لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في أعين الغرب والتي تعرضت للتشويه على مرِّ العصور، ومواجهة التطاول بطريقة فكرية متحضِّرة، وبرسالة إعلامية قادرة على الإقناع.
نظرية المؤامرة
ويلمِّح الدكتور خليل إلى إشكاليةٍ مهمةٍ، بقوله: "على الرغم من تحفظي على نظرية المؤامرة كأساس لمعظم الأزمات التي تواجهنا.. إلا أنني لا أرى بُدًّا من التأكيد أن هناك مجموعةً من رجال الأعمال الصهاينة يلعبون دورًا أساسيًّا لمساندة الأعمال الفنية والفكرية التي تطعن في الإسلام وخاتم الأنبياء محمد- صلى الله عليه وسلم- فلا بد أن يكون لدينا أدواتٌ إعلاميةٌ مموَّلةٌ من رجال أعمال مسلمين، لكي نصدَّ هذه الهجمة التي نتعرض لها بصورة حضارية تتناسب مع دور الإسلام وتاريخه ومفاهيمه الحضارية، وعلى الجاليات أن تلعبَ دورًا واضحًا في هذا المجال".
الدكتور علاء عبد العزيز- الأستاذ بالمعهد العالي للسينما- يرى أنه كان من المفترض أن تكون الجاليات الإسلامية مجردَ كياناتٍ صغيرةٍ، لكنْ مع زيادة الأعداد التي تعتنق الدينَ الإسلاميَّ بدأ القلق، والغريب أن الغرب يطالب المسلمين بالتخلي عن هويتهم في الوقت الذي تُتاح فيه الحرية الكاملة للأديان الأخرى، فأوروبا يرتبط فيها الدين المسيحي واليهودي بعلاقة امتداد، أما الإسلام فلا يعتبرونه دينًا سماويًّا حتى في حوار الأديان، فهناك محاولاتٌ غربيةٌ لتهميش دور المسلمين المقيمين بالخارج، مع أن وجودهم قويٌّ وفعَّالٌ، وعلى الجاليات أن تستشعرَ وتدركَ قوتَها وتحاربَ بشتى السبل لتأكيد هويتها ووجودها.
وعن الإساءات المتكررة من الغرب للإسلام ونبيه الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- تحت شعار حرية التعبير يقول د. علاء: "قوانين احترام الأديان لا يتم تفعيلها إذا تعرضت للدين الإسلامي (وخير مثال على ذلك رفض حكومة الدنمارك الاعتذار عن قضية الرسوم)، فنص القانون فضفاض؛ مما يزجُّ بالموضوع كله في إطار وجهات النظر، فمفهوم الحرية والديمقراطية بحاجة إلى إعادة نظر، إما أن يكون لهذه الحرية مرجعيةٌ قانونيةٌ أو لا، وعلى الجميع أن يكونوا سواسيةً أمام القانون، ويضرب مثالاً على ذلك محرقة "الهولوكوست" فهناك قوانين تجرم مجرد التشكيك بالمحرقة (حدثت أم لم تحدث) فهي أمرٌ غير قابل للمناقشة، ومَن يتعرض لها يعاقَب بالحبس، فما بالك بالتعرض بالإساءة للأديان وأنبيائها، فنحن مع حرية التعبير لكن لا بد أن تكون هناك مرجعيةٌ قانونيةٌ؛ لأنه إذا سقط المطلق أصبح كل شيء نسبيًّا".
ويضيف د. علاء: "دعُونا نتساءل عن سبب كراهية الغرب للإسلام وتصوير إعلامهم للإسلامي على أنه شهواني، قذِر متعصب، ومحاولة إلصاق هذه التهم بصفته كمسلم.. فبعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة- بكل تداعياتها- ظهرت رغبةٌ في معرفة هذا الدين في أمريكا وأوروبا، حتى إن الكتب الدينية نفدت مبيعاتُها من جميع المكتبات، ودخل الكثيرون في الإسلام، على الرغم أنه من المنطق أن يبتعد الناس عن الإسلام، فحدثت أزمةٌ؛ لأن هناك صورتين متناقضتين: الصورة المشوَّهة التي يعرضها الإعلام الغربي بكل قنواته صحافة.. إذاعة.. أعمال درامية، والحقيقة التي اطلع عليها الغرب في الكتب".
وينتقد د. علاء عبد العزيز تراخي الأنظمة العربية والإسلامية في التصدي للإساءات المستمرة للإسلام، وعدم وجود إعلام موجه للآخر، ويطالب الجاليات بتوحيد خطابها الإعلامي ليشكِّلوا قوةَ ضغط على حكومات الدول الغربية، بشرط ألا يقعوا في فخ الدفاع عن النفس دائمًا، وأن يكونوا دائمًا في حالة استنفار لأي محاولة لمحو هويتهم، وأن يفصلوا بين الهوية الدينية والهوية الإقليمية، وعدم قبول وضعية "مواطن من الدرجة الثانية"، فعليهم أن يفهموا قوتَهم ووضعيتَهم المؤثرة في البلاد التي يقيمون فيها، ومحاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب مع الحرص على التواصل مع الآخر.