بقلم: عماد عجوة

لم تكن المآذن معروفةً في أيام النبي- صلى الله عليه وسلم- ففي بداية الإسلام كان يدعو للصلاة بدون أذان، ومع تشريع الأذان كان سيدنا بلال، مؤذن الرسول، يعلن الأذان من أعلى سطح مجاور للمسجد النبوي، وأحيانًا كان يُؤذَّن من فوقِ سور المدينة، ويدور خلاف كبير بين المؤرخين والأثريين حول أول مئذنة بُنيت في الإسلامِ وأصلها، فبينما يذكر "البلاذري" في كتابه "فتوح البلدان" أنَّ أولَ مئذنة شُيدت كانت على يد "زياد بن أبيه" عامل "معاوية بن أبي سفيان" في مدينة البصرة عام 45 هـ/ 665م، ينقل "المقريزي" إلينا أنَّ صوامع جامع عمرو بن العاص الأربع التي بناها "مسلمة بن مخلد" والي مصر في زمن حكم الأمويين عام 53 هـ/672م أول مآذن في الإسلام.

 

لكن أيًّا كان الأمر، فإنه تبرز حقيقة هامة، فمنذ العصر الأموي أصبحت المئذنة جزءًا متممًا للمساجد وعنصرًا أساسيًّا من عناصر تكوينها كالمحراب والمنبر، فالمحراب يحدد اتجاه قبلة الصلاة، والمنبر يعتليه خطيب الجمعة والمئذنة يُعلن من فوقها أوقات دخول الصلاة.

 

 

وقد عُرفت المآذن بعدة مسميات؛ حيث أطلق عليها اسم مئذنة نسبةً للمكان الذي ينادي منه المؤذن أذان الصلاة، كما عرفت بالمنارة حيث استخدمت المآذن كمنارات تستخدم في الإرشاد والإنارة والمراقبة وهداية السفن في المدن الساحلية، كما كان متبع في مدن الغرب الأفريقى، وفي سوريا والمغرب والأندلس أطلق عليها لفظ صومعة لتشابهها مع صوامع العُباد والزاهدين.

 

وقد جعل المعماري المسلم بفطرته من المئذنة عنصرًا معماريًّا في المسجد يختلف جماليًّا وهندسيًّا ووظيفيًّا عن أبراج وصوامع الكنائس، وجاءت الإضافة المحلية لكل قطر إسلامي لتؤكد أن المئذنة هي رمز خالص نقي يرتبط بالإسلام، ولذلك تنوعت أشكال المآذن في مختلف بقاع العالم الإسلامي حسب الطراز المعماري والفني السائد بها  فقد أخذت في بلاد المغرب والأندلس شكل أبراج مربعة، بينما أخذت شكل "الملوية" في العراق، وكالفنارات في إيران والهند وبلاد شرق أسيا، وأخذت شكل القلم الرصاص في عمائر تركيا العثمانية، كما اتخذت أشكالاً متنوعة في مصر، ولكن رغم هذا التباين فلا تخلو مآذن العالم الإسلامي من وجود تشابه وتماثل بين طرز بنائها، وذلك في إطارِ من الوحدة الفنية والمعمارية التي وجدت في ظل وحدة العقيدة الإسلامية، هذه الوحدة التي انعكس صداها في كل المجالاتِ ومنها المجال المعماري الفني، كما أنَّ المآذن في ديار الإسلام تجمعها الوحدة التامة في الهدف ممثلاً في تسابيح المآذن.

 

وقد حظيت المآذن باهتمامٍ بالغٍ من الخلفاءِ والملوك والسلاطين وغيرهم من الأعيان وذوى الثراء من المسلمين في بلاد الإسلام المختلفة فلم يتركوا مآذن مساجدهم صماء جوفاء ولكن أخذوا يتنافسون في التفنن والتأنق في بنائها مفرغين فيها كل ما عند فنانيهم المسلمين من عبقرية هندسية لتأتي هذه المآذن على أكمل ما يمكن أن تكون من حيث الجمال والتناسق والزخرفة والبهاء، وجملوها بوحدات وتكوينات زخرفية من الزخارف النباتية والهندسية دقيقة الصنع رفيعة الذوق بديعة المنظر والجمال.

 

كما زين الفنان المسلم أبدان مآذنه بالأشرطة الكتابية والآيات القرآنية بأنواع الخطوط العربية كالكوفي والثلث والنسخ إلى جانب الخط الفارسي والتركي، وفي بعض الدول الإسلامية كإيران وشرق أسيا زخرفت بتكوينات زخرفية ببلاطات القيشاني والفسيفساء متنوعة الألوان والأشكال، كما نوع المعمار المسلم في أشكالها فزادت رشاقتها ورونقها وارتفعت نسبها وامتدادها الراسي، مما جعلها محط انتباه المستشرقين من المهتمين بدراسة الفن المعماري الإسلامي.