بقلم: الدكتور علي محمد الصلابي*
اسمه ولقبه وكنيته وأسرته
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد العابد، السيد أمير المؤمنين حقًّا أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الزاهد الراشد أشج بني أمية(1)، كان من أئمة الاجتهاد ومن الخلفاء الراشدين(2)، وكان حسن الأخلاق والخُلق، كامل العقل، حسن السمت، جيِّد السياسة حريصًا على العدلِ بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، طاهر الذكاء والفهم، أوّاهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا، زاهدًا مع الخلافة ناطقًا بالحقِّ مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملُّوهُ وكرهوا محاققته لهم، ونقصه أُعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم، مما أخذوه بغير حقٍّ، فما زالوا به حتى سقوه السم فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين والعلماء العاملين(3)، وكان رحمه الله فصيحًا مُفوَّهًا(4).
1- والده:
هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وكان من خيار أمراء بني أمية، شجاعًا كريمًا بقي أميرًا لمصر أكثر من عشرين سنة، وكان من تمامِ ورعه وصلاحه أنه لما أراد الزواج قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي، فإني أُريد أن أتزوج إلى أهل بيتٍ لهم صلاح(5)، فتزوج أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي حفيدة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقيل اسمها ليلى(6)، كما أنَّ زواجه من آلِ الخطاب ما كان ليتم لولا علمهم بحاله وحسن سيرته وخلقه، فقد كان حسن السيرة في شبابه، فضلاً عن التزامه وحرصه على تحصيلِ العلم واهتمامه بالحديثِ النبوي الشريف فقد جلس إلى أبي هريرة وغيره من الصحابةِ وسمع منهم، وقد واصل اهتمامه بالحديثِ بعد ولايته مصر، فطلب من كثير بن مرة في الشامِ أن يبعث إليه ما سمعه من حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا ما كان من طريقِ أبي هريرة فإنه عنده(7)، وقد كان والد عمر بن عبد العزيز ذا نفسٍ توَّاقة إلى معالي الأمور سواء قبل ولايته مصر أو بعدها فحين دخل مصر أيام شبابه تاقت نفسه إليها وتمنَّى ولايته فنالها(8)، ثم تاقت إلى الجود فصار أجود أمراء بني أمية وأسخاهم(9)، فكانت له ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره وكانت له مائة جفنة يُطاف بها على القبائل تحمل على العجل(10)، ومن جوده كان يقول: "إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده عندي أعظم من يدي عنده"(11).
وقد أكثر المؤرخون من الثناءِ عليه لجوده، وهذا الجود كان ممتزجًا باليقين بأنَّ الله سبحانه وتعالى يخلف على مَن يرزقه فيقول: عجبٌ لمؤمن يؤمن أنَّ الله يرزقه ويخلف عليه كيف يحبس ماله عن عظيمِ أجر وحسن ثناء، وكان ذا خشية من الله، ونستقرئ هذه الخشية من قوله حين أدركه الموت: "وددت أني لم أكن شيئًا مذكورًا، ولوددت أني أكون هذا الماء الجاري أو نبتة بأرضِ الحجاز(12).
2- أمه:
أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، ووالدها، عاصم بن عمر بن الخطاب، الفقيه، الشريف أبو عمرو القرشي العدوي ولد في أيام النبوة وحدَّث عن أبيه وأمه هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّة، وكان طويلاً جسيمًا، وكان من نبلاء الرجال، ديِّنا، خيِّرًا، صالحًا، وكان بليغًا، فصيحًا، شاعرًا، وهو جد الخليفة عمر بن عبد العزيز لأُُمِّه، مات سنة سبعين، فرثاه ابن عمر أخوه:
فليت المنايا كُنَّ خلَّفن عاصمًا فعشنا جميعًا أو ذهبنا بنا معًا (13)
وأما جدته لأمه فقد كان لها موقف مع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، فعن عبد الله بن الزبير بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال: بينما أنا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يَعُسُّ (14)، بالمدينة إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوفِ الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فقالت لها: "يا أماه أو ما علمت ما كان من أميرِ المؤمنين اليوم" قال: وما كان من عزمته يا بُنية؟ قالت: إنه أمر مناديًا، فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: "يا بنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضعٍ لا يراك عمر ولا منادي عمر". فقالت الصبية لأمها: "يا أماه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء"، وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسه، فلما أصبحا قال: يا أسلم أمض إلى الموضع فانظر مَن القائلة، ومَن المقول لها وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيِّم لا بعلَ لها وإذا تيك أمها وإذا ليس بها رجل، فأتيتُ عمر أخبرته، فدعا عمر ولده، فجمعهم، فقال: هل فيكم مَن يحتاج إلى امرأةٍ أُزوجه.. فقال عاصم: يا أبتاه لا زوجةَ لي فزوجني، فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتًا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز(15)، ويذكر أن عمر بن الخطاب رأى ذات ليلة رؤيا، ويقول: ليت شعري من ذو الشين(16) من ولدي الذي يملؤها عدلاً، كما مُلئت جورًا (17)، وكان عبد الله بن عمر يقول إن آل الخطاب يرون أن بلال بن عبد الله بوجهه شامة فحسبوه المبشر الموعود حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز(18).
3- ولادته ومكانها: 61هـ، المدينة:
اختلف المؤرخون في سنة ولادته والراجح أنه وُلد عام 61هـ وهو قول أكثر المؤرخين ولأنه يؤيد ما يذكر أنه تُوفي وعمره أربعون سنة حيث تُوفي عام 101هـ(19)، وتذكر بعض المصادر أنه وُلد بمصر وهذا القول ضعيف؛ لأنَّ أباه عبد العزيز بن مروان بن الحكم إنما تولى مصر سنة خمس وستين للهجرة، بعد استيلاء مروان بن الحكم عليها من يدِ عامل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فولَّى عليها ابنه عبد العزيز ولم يعرف لعبد العزيز بن مروان إقامة بمصر قبل ذلك، وإنما كانت إقامته وبني مروان في المدينة (20)، وذكر الذهبي أنه وُلد بالمدينة زمن يزيد21.
4- أشج بني أمية:
كان عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- يلقب بالأشج، وكان يقال له أشج بني مروان، وذلك أن عمر بن عبد العزيز عندما كان صغيرًا دخل إلى إصطبل أبيه عندما كان واليًا على مصر ليرى الخيل فضربه فرس في وجهه فشجَّه، فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك إذًا لسعيد(22)، ولمَّا رأى أخوه الأصبغ الأثر قال: الله أكبر! هذا أشج بني مروان الذي يملك، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إن من ولدي رجلاً بوجهه أثر يملأ الأرض عدلاً(23).
وكان الفاروق قد رأى رؤيا تشير إلى ذلك وقد تكررت هذه الرؤيا لغيرِ الفاروق حتى أصبح الأمر مشهورًا عند الناس بدليل ما قاله أبوه عندما رأى الدم في وجهه وما قاله أخوه عندما رأى الشج في وجهه كلاهما تفاءل لعله أن يكون ذلك الأشج الذي يملأ الأرض عدلاً(24).
5- إخوته:
كان لعبد العزيز بن مروان والد عمر بن عبد العزيز عشرةً من الولدِ وهم: عمر وأبو بكر ومحمد وعاصم وهؤلاء أمهم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وله من غيرها ستة وهم: الأصبغ وسهل وسهيل وأم الحكم وزبّان وأم البنين(25)، وعاصم هو مَن تكنى به والدته ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب فكنيتها أم عاصم(26).
6- أولاده:
كان لعمر بن عبد العزيز- رحمه الله- أربعة عشرة ذكرًا منـهم: عبد الملك وعبد العزيز وعبد الله(27) وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وبكر والوليد وموسى وعاصم ويزيد وزبان وعبد الله وبنات ثلاثة أمينة وأم عمار وأم عبد الله، وقد اختلفت الروايات عن عددِ أولاد وبنات عمر بن عبد العزيز فبعض الروايات تذكر أنهم أربعة عشر ذكرًا كما ذكره ابن قتيبة وبعض الروايات تذكر أنَّ عددَ الذكور اثنا عشر وعدد الإناث ست، كما ذكره ابن الجوزي(28)، والمتفق عليه من الذكور اثنا عشر، وحينما تُوفي عمر بن عبد العزيز لم يترك لأولاده مالاً إلا الشيء اليسير؛ حيث إنه أصاب الذكر من أولاده من التركة تسعة عشر درهمًا فقط، بينما أصاب الذكر من أولادِ هشام بن عبد الملك ألف ألف (مليون)، وما هي إلا سنوات قليلة حتى كان أحد أبناء عمر بن عبد العزيز يحمل على مائةِ فرس في سبيل الله في يومٍ واحد، وقد رأى بعض الناس رجلاً من أولاد هشام يتصدق عليه(29).. فسبحان الله رب العالمين.
7- زوجاته:
نشأ عمر بالمدينة وتخلَّق بأخلاقِ أهلها، وتأثَّر بعلمائها وأكبَّ على أخذِ العلم من شيوخها، وكان يقعد مع مشايخ قريش ويتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدَّمه على كثيرٍ منهم، وزوجه، ابنته فاطمة بنت عبد الملك(30)، وهي امرأة صالحة تأثَّرت بعمر بن عبد العزيز وآثرت ما عند الله على متاع الدنيا وهي التي قال فيها الشاعر:
بنت الخليفة والخليفة جدها أخت الخلائف والخليفة زوجها
ومعنى هذا البيت أنها بنت الخليفة عبد الملك بن مروان والخليفة جدها مروان بن الحكم، وأخت الخلائف فهي أخت الخلفاء الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك ويزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك، والخليفة زوجها فهو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حتى قيل عنها: لا نعرف امرأةً بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها(31).. وقد ولدت لعمر بن عبد العزيز إسحاق ويعقوب وموسى، ومن زوجاته لميس بنت علي بن الحارث، وقد ولدت له عبد الله وبكر وأم عمار، ومن زوجاته أم عثمان بنت شعيب بن زيان، وقد ولدت له إبراهيم. وأما أولاده: عبد الملك والوليد وعاصم ويزيد وعبد الله وعبد العزيز وزيان وأمينة وأم عبد الله فأمهم: أم ولد(32).
8- صفاته الخلقية:
كان عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- أسمر رقيق الوجه أحسنه، نحيف الجسم حسن اللحية، غائر العينين بجبهته أثر نفحة دابة، وقد خطه الشيب(33)، وقيل في صفته: إنه كان رجلاً أبيض دقيق الوجه، جميلاً، نحيفًا، وقيل في صفته: أنه كان رجلاً أبيض دقيق الوجه، جميلاً، نحيف الجسم، حسن اللحية(34).
------------------
الهوامش:
1. سير أعلام النبلاء (5/144).
2. المصدر نفسه (5/114).
3. المصدر نفسه (5/120).
4. المصدر نفسه (5/136).
5. الطبقات الكبرى (5/331)، الجوانب التربوية في حياة الخليفة عمر بن عبد العزيز، نيء عمر صـ11
6. عبد العزيز بن مروان وسيرته وأثره في أحداث العصر الأموي صـ58.
7. سير أعلام النبلاء (4/47).
8. الولاة وكتاب القضاة للكندي صـ54.
9. معجز الإسلام ، خالد محمد خالد صـ55.
10. الخطط للمقريزي (1/21) ، بدائع الزهور (1/28).
11. عبد العزيز بن مروان صـ55 .
12. المصدر نفسه صـ56 نقلاً عن البداية والنهاية.
13. سير أعلام النبلاء (4/97) .
14. العُس : تقص الليل عن أهل الريبة ، معجم مقاييس اللغة (4/42) .
15. سيرة عمر لابن الحكم صـ19 ـ 20 ، سيرة عمر لابن الجوزية صـ10 .
16. الشين : العلامة.
17. سير أعلام النبلاء (5/122).
18. المصدر نفسه (5/122).
19. البداية والنهاية (12/676).
20. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/54).
21. تذكرة الحفاظ (1/118 ـ 120).
22. البداية والنهاية نقلاً عن فقه عمر بن عبد العزيز (1/20).
23. المعارف لابن قتيبة صـ362.
24. فقه عمر بن عبد العزيز (1/20) د.محمد شقير.
25. المعارف لابن قتيبة صـ362.
26. فقه عمر بن عبد العزيز (1/22).
27. المصدر نفسه (1/23).
28. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ338 ، فقه عمر بن عبد العزيز (1/24).
29. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ338.
30. البداية والنهاية (12/680).
31. المصدر نفسه (12/680).
32. سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ314 ـ 315.
33. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/58).
34. الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (1/11) الآثار الواردة (1/58).
-------
* الشيخ علي محمد الصَّلاَّبيِّ ولد في مدينة بنغازي عام 1963م، حصل على درجة الإجازة لعالية (الليسانس) من كلية الدعوة وأصول الدين من جامعة المدينة المنورة بتقدير ممتاز، وكان الأول على دفعته عام 1992/1993م، نال درجة الماجستير من جامعة أم درمان الإسلامية كلية أصول الدين قسم التفسير وعلوم القرآن عام 1417هـ/1996م، نال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بمؤلفه فقه التمكين في القرآن الكريم من جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان عام 1999م، صدرت له 21 مؤلفًا منها: الوسطية في القرآن الكريم، صفحات من تاريخ ليبيا الإسلامي والشمال الإفريقي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث.