العمارة الإسلامية من أهم المجالات الفنية التي تفوَّق فيها المسلمون، فهي تمثل مرآة الحضارة الإسلامية، فالعمارة دائمًا هي المرآة التي تعكس المستوى الحضاري لكل فنون المعرفة والتطور السائد في كل فترةٍ من فتراتِ التاريخ، وقد زاول المعماريون المسلمون بالقاهرة بناء جميع أنواع العمائر ساعدهم على ذلك نوعية مواد البناء التي تحدد سمات الطابع المعماري.
وكان الحجر الجيري من أكثر المواد الإنشائية شيوعًا في بناء القاهرة فكان العماد الأول في عمليات التشييد والبناء في منشآتها، حيث استفادت من المناطق الصخرية المحيطة بها ممثلة في جبل المقطم والتي لجأ إليها المعماريون لتوفير ما يشاءون من أجود أنواع الأحجار الجيرية لاستخدامها في عمائرها المختلفة؛ لذلك يعتبر جبل المقطم محجر القاهرة الرئيسي في فتراتها التاريخية المتعاقبة، حيث اعتمدت عليه في الجزء الأكبر من تاريخها المعماري وحتى أوائل القرن العشرين.
فاستغلوا هذه الثروة في إظهار فنونهم في البناء والزخرفة واقتلعوا الأحجار وهذبوها وصقلوها وشيدوا منها منشآتهم، وعَكس لنا استخدامهم لمادة الحجر في البناء صدق التعبير الإنشائي، وتأييد انتماء منشآت القاهرة للبيئة المحيطة، ويمكن أن نعتبر ذلك من عوامل تأكيد وحدة الشكل المعماري في عمارة القاهرة، وقد وصلنا نماذج كثيرة من هذه العمارات الإسلامية في القاهرة، وكان لكل منها تصميمه الخاص به والملائم لوظيفته فمنها الدينية كالمساجد والمدارس والكتاتيب والخانقاوات، ومدنية كالقصور والبيوت والأسواق والوكالات والحمامات والبيمارستانات والأسبلة والمطابخ والقناطر، وعسكرية كالقلاع والأبراج والأسوار والأبواب، وغيرها من المنشآت.
ولم يترك المعمار المسلم بالقاهرة عماراته التي شيدها دون أن يجملها ويعتني بها فنراه يزينها زينة تنم عن ذوق رفيع بالزخارف المتنوعة، وقد شملت هذه الزخارف قطاعات كبيرة منها سواء داخلها أو خارجها، مما ساعد على إبراز عناصرها المعمارية المنفذ عليها الزخارف، فنجده مثلاً يجمع بين أكثر من لون من ألوان الحجر الجيري المميزة له في بناء الواجهات وبعض العناصر المعمارية كالعقود والمآذن والمداخل، كما حرص على استخدام الأحجار الملونة بطبيعتها ليضمن ثبات اللون ومقاومته للكشط، كما أنَّ استخدام الأحجار بألوانها الطبيعية أتاح مجالاً واسعًا لإظهار القيم التصميمية بتعدد الدرجات اللونية وتعد ظاهرة استخدامه من أبرز الظواهر الزخرفية ذات الصفة المعمارية أو البنائية لما يتميز به من إبهار وعظمة ونضوج متميز في فن العمارة الإسلامية بالقاهرة.
كما شغلت الزخارف المتنوعة الهندسية والنباتية والكتابية معظم أسطح العناصر المعمارية بعمارة القاهرة كالواجهات والمداخل والمآذن والقباب وتجاويف المحاريب والعقود والأعمدة والشرافات والنوافذ، مما جعلها أغنى العمارات في التنوع الزخرفي، فقد عرف المعمار والفنان المسلم كيف يستفيد من طبيعة مواد البناء التي استخدمها ووجد فيها حقلاً متسع المجال ليبرز فيه زخارفه وإبداعه الفني، وقد صال الفنان المسلم وجال في إخراج أبدع الزخارف.
وقد استخدم الفنان المسلم في زخرفة عماراته أساليب كثيرة وبعناصر معمارية متنوعة، فقد تطورت الواجهات في القاهرة ووجد فيها الفنان والمعماري مجالاً خصبًا لإبراز مقدرته الهندسية والفنية الزخرفة، فاتخذت الواجهات طابعًا جديدًا ومظهرًا من مظاهر العظمة واكتسبت مزيدًا من الفخامة كما في مداخل كل من مدرسة قلاوون، ومدرسة السلطان حسن.
وجامع المؤيد شيخ، وتوفر لها عنصر الجمال، ونلاحظ فيها البعد عن رتابة السطح بما تحتوي عليه من عناصر زخرفية وفنية بديعة، وأحيانًا يشكل جدران واجهات عماراته نفسها بتنظيم أحجارها حسب أشكال هندسية، وكذلك باستعمال التناوب بين الأحجار الداكنة والفاتحة أو باستخدام أكثر من لون، وهو ما يطلق عليه الآثاريون والمعماريون اسم النظام المشهر أو الأبلق.
كما اعتنى الفنان المسلم بكتلة المدخل فجعلها تحتل مكانًا بارزًا في الواجهة، ويغلب عليها الفخامة والمهابة والارتفاع وأكسبه هيئة أكبر من الواجهة، فنرى جدران المداخل مرتفعة، ولك أن تنظر إلى مدخل مدرسة السلطان حسن بالقاهرة بميدان القلعة لترى عظمة البناء الإسلامي، وكما قال أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد فكري: "إذا كانت الأهرامات هي فخر الآثار المصرية القديمة، فإنَّ مدرسةَ السلطان حسن هي فخر الآثار الإسلامية".
كما لم يترك المعمار قمم الواجهات خالية بل نراه يزينها بشرافات متنوعة وترص الشرافات بجوار بعضها عند نهاية حافة الواجهات، لتعطي صورة لتراص صفوف المصلين في الصلاة، وحتى لا ينتقل النظر من الوحدة المعمارية إلى السماء مباشرةً، كما أنَّ وضعها على حافةِ السطح كان له دور في منع الخطر الذي قد يتعرض له أي شخص ولا سيما المؤذنين وخاصةً فاقدي البصر عند صعودهم للمئذنة، وكذلك تحمي العمائر من تسلل اللصوص، وقد نوع النحات المسلم في أشكالها فجعلها تارةً على هيئة مسننة تشبه أسنان المناشير، كما أبدع فيها فنحتها على هيئة الورقة النباتية ولم يكتفِ النحاتون بذلك بل طوروا في شكل الورقة النباتية، فشكَّلت الشرافات الحجرية ذات الورقة الثلاثية والخماسية، كما شغل واجهاتها بزخارف نباتية محفورة حفرًا دقيقًا وبارزًا.
وتعتبر القباب من الابتكاراتِ المعمارية التي استخدمها المعمار في التغطية سواء للأضرحة والمدافن أو بأعلى المحاريب، وشهدت قباب القاهرة تطورًا عظيمًا فأصبحت غاية في الرشاقة والارتفاع، كما أتاح استخدام الحجر في بنائها التفنن في زخرفتها فاستخدم أسلوب التضليع، وازداد هذا الأسلوب تطورًا، كما استجدت طريقة زخرفية جديدة نفذت بخوذات قباب القاهرة وهي الزخرفة بالأشكالِ الدالية أو الزجزاجية، كما نفذت الزخارف النباتية على خوذ القباب والتي تعتبر طورًا جديدًا من أطوار زخارف القباب، ثم تطور تطورًا كبيرًا ونضجت الزخارف، وأخذت حظها أيضًا في زخرفةِ خوذ القباب وتجلَّت مظاهر التنوع الزخرفي على مادة الحجر بخوذة قبة مدرسة قايتباي بجبانة المماليك، حيث نجح المزخرف في مزج الزخارف الهندسية مع الزخارف النباتية مزجًا رائعًا بدت وكأنها قطعة من الدنتيلا.
ولم يترك المعمار والفنان المسلم عناصر عمارته صماء جوفاء ولكن جملها بوحدات وعناصر زخرفية بديعة المنظر والجمال وأخرجها في شكل لوحات فنية، ففي كثير من الأحيان يزخرف الفنان المسلم أحجار جدران عمائره بالزخارف بالحفر البارز أو الغائر، كما انفردت العمائر الإسلامية بأسلوب فني وزخرفي باستخدام المقرنصات والتي ازدانت بها مداخل العمائر ومناطق انتقال القباب فقد شكلت مثلاً القبة المخروطية بضريح السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد ببغداد على هيئة خلايا النحل بالشكل المقرنص.
كما استعمل المسلمون في الزخرفة ألواح الرخام والمرمر ويتضح ذلك في منشآتٍ إسلامية كثيرة منها على سبيل المثال مسجد محمد علي بالقلعة بالقاهرة والذي كُسيت جدرانه برخام الألبستر، كما استخدموا الرخام بأنواعه وألوانه في تبليط أرضيات منشآتهم فكانت ترص بألواح الرخام والفسيفساء الرخامية بأسلوب زخرفي بديع، ولم يقفوا عند هذا الحد بل زخرفوا الرخام بأنواعه بالزخارف الإسلامية البديعة سواء كانت نباتية أو هندسية أو كتابية بالحفر والتطعيم بأحجار كريمة، كما أبدعوا في استخدامهم للجص في تغطية الجدران والرسم عليه بالألوان المائية، كذلك بالحفر وتفريغ الزخارف عليه كما في مدرسة الناصر محمد بن قلاوون ومئذنتها بشارع المعز بالجمالية، واستخدموه بهذا الأسلوب في تغشيه الشبابيك العلوية بالمنشآت، كما أضافوا في الأجزاء المفرغة قطعًا من الزجاج الملون وهو ما اصطلح عليه بين المعماريين والمهتمين بالآثار باسم القمريات والقندليات، وأبدع الفنانون المسلمون في زخرفة الأسقف بعمائرهم وجلدوها بالألواح الخشبية وحفروا ورسموا أبدع الزخارف بالتذهيب، والحديث عن القيم الجمالية بعمارة القاهرة الإسلامية معين لا ينضب.