عصام أحمد- كفر الشيخ- دسوق- الصافية

تقوم الدولةُ بفكرة الصندوق الاجتماعي، وهو أن تقرضك مبلغًا لمدة خمس سنوات ونسبة الربح فيه 7% على الخمس سنوات وليست النسبة شهريًّا.. وهذا القرض شرطه أن أستخدمه في مشروعٍ وأُعفى من الضرائب لمدة خمس سنوات مقابل أنه ليس لي حقٌّ في أي وظيفه حكومية.. فهل هذا القرض ينطبق عليه مبدأ الربا؟

 

المفتي: د. رجب أبو مليح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

فكل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا، وسواء في ذلك القروض التي تأتي من الأفرادِ أو البنوك أو الحكومات أو غيرها، وبذلك نطق القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأفتت بذلك المجامع الفقهية المعاصرة.

 

يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 130 إلى 134).

 

ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 275 إلى 279).

 

وروى البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب، قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرضٍ مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائم، وعلى وسطِ النهر رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان.. فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا" (1).

 

وفي خطبة الوداع أكد على تحريم الربا "أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا.. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى مَن ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، فقضى الله أن لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله.." (2).

 

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُّر بالبُّر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، يدًا بيد.. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء" (3).

 

وأوضحت السنة أن الربا من الكبائر المهلكة (روى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "وما هن؟" قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"(4).

 

ولقد لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كل مَن اشترك في عقد الربا؛ لعن الذي يأخذه، والذي يعطيه، والكاتب الذي يكتبه والشهود عليه.

 

حدثنا قتيبة، حدثتا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: "لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه"، قال أبو عيسى: حديث عبد الله حديث حسن صحيح(5).

 

ولقد شددت السنة في أمرِ الربا فجعلت الربا أشد من الزنا في المحارم، وهو ما تبغضه النفس ولا تقبله بحالٍ.. فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الزنى عرض الرجل المسلم"(6).

 

وعن عبد الله بن حنظلة - غسيل الملائكة- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" رواه أحمد(7) وفي حديث عبد الله بن مسعود دليل على مَن يُطلق الربا على الفعل المحرم، وإن لم يكن من أبواب الربا المعروفة، وتشبيه الربا بإتيان الرجل أمه لما فيه من استقباح ذلك عند الفعل (8) ويدل حديث حنظلة على أنَّ معصيةَ الربا من أشد المعاصي؛ لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور بل أشد منها، لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح، وأقبح منه استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم، ولهذا جعلها الشارع أربى الربا، ويعد الرجل يتكلم بالكلمة التي لا يجد لها لذة، ولا تزيد في ماله ولا جاهه؛ فيكون إثمه عند الله أشد من إثم من زنا ستًّا وثلاثين زنية(9).

 

هذه الأحاديث توضح أن الربا من أعظم الكبائر، وأن فاعله يرتكب به جرمًا عظيمًا، ولذلك كانت تشبيهات الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن ذلك أشد من ست وثلاثين زنية، وأكثر من ذلك كأن يأتي محارمه.

 

هذا هو موقف القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهو موقفٌ صارمٌ حازمٌ يتناسب مع خطورةِ هذه الجريمة النكراء التي تهدد الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

 

قال السرخسي: ذكر الله تعالى لآكل الربا خمسًا من العقوبات:

إحداها: التخبط قال الله تعالى: ﴿لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: من الآية276) الثانية: المحق.. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾ (البقرة: من الآية276) ، والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع به، ولا ولده بعده.

 

الثالثة: الحرب.. قال الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (البقرة: من الآية 279)
الرابعة: الكفر.. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278)﴾ (البقرة)، وقال سبحانه بعد ذكر الربا: ﴿وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية 276) أي: كَفَّار باستحلال الربا، أثيم فاجر بأكل الربا.

 

الخامسة: الخلود في النار.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)﴾ (البقرة) وكذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)﴾ (البقرة)، قوله سبحانه: ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ ليس لتقييد النهي به، بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة توبيخًا لهم بذلك؛ إذ كان الرجل يربي إلى أجل، فإذا حل الأجل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فيفعل، وهكذا عند محل كل أجل(10).

 

من أجل ذلك نقول للأخ الكريم: لا تبدأ حياتك بالربا الذي يمحق البركة في الدنيا والآخرة، وكان على الحكومات وهي راعية للشعب ومسئولة عن رعيتها أن تعطي هذه الأموال للشباب منحة لا ترد أو على الأقل قرضًا حسنًا دون فائدة ربوية، وقد أجاز بعض الفقهاء أخذ المصاريف الإدارية التي يتكلفها القائمون على المشروع، لكن الواقع الذي يحدث في الصندوق الاجتماعي غير ذلك، فعليك بالبحث عن طريق حلال، ومَن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.. والله أعلم.

 

-------------

(1) صحيح البخاري كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين، كفاية المسلم في الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم، محمد أحمد بدوي كتاب البيوع باب أكل الربا وشاهده وكاتبه ص7021، ط 1 1407-1987 دار الريان للتراث.

 

(2) صحيح مسلم كتاب الحج باب حجة النبي- صلى الله عليه وسلم- وانظر كفاية المسلم 1/611.

 

(3) صحيح البخاري كتاب البيوع باب بيع الذهب بالذهب، وصحيح مسلم كتاب المساقاة باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، وينظر كفاية المسلم 2/93.

 

(4) صحيح البخاري كتاب الوصايا باب قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال الناس بالباطل. ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها.

 

(5) صحيح مسلم كتاب البيوع باب أكل الربا وشاهده وكاتبه وينظر كفاية المسلم 2/68.

 

(6) رواه ابن ماجة مختصرًا والحاكم بتمامة وصححه، سنن ابن ماجة كتاب التجارات باب التغليظ في الربا، وينظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، تأليف الشيخ الإمام محمد ابن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني ت سنة 1182هـ- تحقيق عصام الصبابطي وعماد السيد جـ3، ص 50- دار الحديث سنة 1994م.

 

(7) مسند أحمد كتاب مسند الأنصار باب حديث عبد الله بن حنظلة.

 

(8) سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني جـ 3، ص781.

 

(9) نيل الأوطار لمحمد بن علي الشوكاني 5 / 225 دار الحديث.

 

(10) المبسوط 12/109-110.