منذ اللحظة الأولى لتوتر الأوضاع واشتعال الساحة الفلسطينية بأحداث ساخنة بدأت من حادثة خطف المستوطنين الثلاثة في مدينة الخليل جنوب الضفة وانتهاءً بالعدوان على قطاع غزة، سعت السلطة الفلسطينية بأجهزتها الأمنية وما زالت جاهدة إلى إطفاء لهيب الغضب الذي اجتاح مواطني الضفة الذين ملوا واقعًا مليئًا بالصمت والركود، فُرض عليهم وتشربوه مجبرين منذ سنين طوال.
وتخشى حركة فتح ومن خلفها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، من هبة جماهيرية تُنهي ما بنته من ثقافة قامت على ترسيخ مفاهيم التطبيع والرضى بالواقع بعيدًا عن لغة المقاومة ضد الاحتلال، وتبدأ مرحلة جديدة من الانتفاضة وعودة روح المقاومة ورفض الحل السلمي من جديد.
وفي هذا السياق، ذكرت مصادر خاصة لـ"المركز الفلسطيني للإعلام" أن الأجهزة الأمنية في الضفة المحتلة، عقدت مع بدايات الحرب على غزة وخلالها، اجتماعات عديدة تركزت جميعها في كيفية الحيلولة دون اشتعال ردود أفعال قوية في مدن الضفة ولضمان عدم انجرار عناصر حركة فتح في تلك الأحداث.
وأوضحت المصادر المقربة من حركة فتح للمراسل أن اجتماعًا جرى مع الأيام الأولى من الحرب على غزة شمل المئات من قيادات حركة فتح والأجهزة الأمنية، وعلى رأسهم محافظ مدينة نابلس أكرم الرجوب تناول ذات القضية، وحمل رسائل حاسمة وتهديدات واضحة وصريحة لكل من يفكر بالخروج عن نهج السلطة الوطنية وبرنامجها السياسي.
ومن باب الحيلولة دون ذلك ولقطع الطريق أمام أي انتفاضة جديدة، أشارت المصادر إلى أن حركة فتح والأجهزة الأمنية عمدت إلى تغذية العقول الفتحاوية ولا سيما طبقة الشباب بأن ما يجري في الضفة الغربية هي مؤامرة تقوم بها حماس من أجل إسقاط السلطة.
من جهة أخرى، فإن المبرر الثاني هو أن أي حراك في الضفة سيصب في خانة وصالح حركة حماس التي بالنسبة لفتح هي الخصم والعدو الأكبر.
وتترجم تلك المخططات على أرض الواقع منذ بداية العدوان ضد الحراك الشعبي الباهت في مدن الضفة، في ممارسات الأجهزة الأمنية، حيث حالت تلك الأجهزة في كثير من الأحيان من وصول جموع المتظاهرين والمنددين بالحرب الشرسة التي تشن ضد قطاع غزة إلى مناطق التماس كترجمة لتلك التوصيات.
وفي ظل الأوضاع الراهنة والتناقضات في المواقف الظاهرة والباطنة، يتخوف العديد من مواطني الضفة من انقلاب مواقف السلطة وقيادتها التي أشادت في آخر تصريحاتها بالمقاومة في حادثة غير مسبوقة من أشخاص لطالما حرصوا بشتى الوسائل على محاربة أي مظهر من مظاهرها في مدن وقرى الضفة.
وتجلت تلك المواقف- غير المعهودة- في ما صدر مؤخرًا عن وزير الأوقاف السابق محمود الهباش، إذ أشاد بصواريخ المقاومة في غزة ودعا إلى الاستجابة لمطالبها على عكس تصريحاته السابقة التي طالما هاجم فيها حركة حماس ومقاومتها وساوى فيها بين الدماء الفلسطينية والصهيونية.
كما ظهر الرئيس محمود عباس في آخر خطاب له بموقف داعم ومؤيد للمقاومة واصفًا إياها بالباسلة حيث استهل حديثه بآية قرآنية تحض على الجهاد في سبيل الله، وأُعقب ذلك بتصريح ناري لعضو منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه يدعو فيه إلى حراك شعبي واسع في جميع أنحاء الضفة.
وانعكست تلك التصريحات على الشارع الفلسطيني وردود فعله تجاه ما يجري في القطاع من مجازر، حيث لا يخفى على المارين في الأسواق أناشيد المقاومة التي تصدح من المحلات التجارية والسيارات بعد أن لم يكن يجرؤ المواطن العادي على التفوه بأي كلمة تظهر تأييده لحركة حماس ومقاومتها.
وإضافة إلى ما سبق، فقد اشتعلت المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت منذ بدء العدوان على غزة بالصور والمنشورات الثورية التي تشجع المقاومة وتحضها على دك المستوطنات والمواقع الصهيونية بالصواريخ، كما ويظهر مدى متابعة رواد "الفيس بوك" الحثيثة لآخر أخبار الإنجازات التي تحققها المقاومة وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام، مما يتضح مدى الكبت الذي كان مسيطرًا على الشاب الفلسطيني في الضفة جراء السياسة القمعية من قبل الأجهزة الأمنية.
تخوفات من عودة المواقف
رغم ذلك بات البعض متخوفًا وقلقًا حيال تغيير مواقف السلطة بعد توقف الحرب على غزة والتوصل إلى اتفاق للتهدئة، وعودة الحياة إلى طبيعتها، فالشاب أنس من مدينة رام الله على سبيل المثال يتمنى أن لا يتحول موقف السلطة بعد الحرب وأن لا تعود الأجهزة الأمنية إلى سابق عهدها من التحريض ضد المقاومة ومحاربة أشكالها.
ويتابع خلال حديثه: "أخشى ما أخشاه أن تصريحات قادة السلطة جاءت فقط لامتصاص الغضب الضفاوي على جرائم الإبادة بغزة، ومحاولة لاكتساب ود الشارع الفلسطيني وحرصًا على أن لا تخسر المزيد من مؤيديها بعدما حققته المقاومة في غزة من انتصارات من جهة وبعد تصريحات رئيس السلطة المقدِّسة للتنسيق الأمني وغيرها من جهة أخرى".
فيما قالت لمياء من نابلس إن تصريحات قادة فتح تنطبق عليها مقولة: "يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب" واصفةً إياها بأنها خدعة مدبرة للإيقاع بالشباب المؤيد لحركة حماس والمقاومة، وناصحةً بعدم الانجرار وراءها أو تصديقها.
وأردفت: "السلطة استطاعت أن تخدع البعض بعباراتها المنمقة بعد حالة النفور الأخيرة التي انتابت الفلسطينيين من تصريحات البعض المدافعة عن المحتل والمناهضة للمقاومة، وأنا متيقنة أن ما تبقى من الشباب المنتمين لحركة حماس سيدفعون الثمن باهظًا لخروجهم أثناء الحرب في مسيرات وهتافهم للمقاومة".
وتعقيبًا على ذات الموضوع يرى البروفيسور عبد الستار قاسم الكاتب والمحلل السياسي أن الشارع الفلسطيني يترقب بأن تؤتي التصريحات الأخيرة الصادرة عن حركة فتح والتي تصب في صالح المقاومة وحدة الشعب الفلسطيني أُكُلُها على أرض الواقع.
ويتابع: "ما صدر من أعضاء منظمة التحرير من تصريحات، خاصة تلك التي دعت إلى تحرك شعبي واسع، ستبقى حبر على ورق طالما لم يتم ترجمتها بشكل جدي على أرض الواقع، وهذا ما لم نلمسه في الآونة الأخيرة، خاصةً مع تضاؤل الحراك الشعبي الذي يصل إلى نقاط الاحتكاك بين المتظاهرين وقوات الاحتلال والذي لا يتواءم مع تصاعد وتيرة الجرائم التي يرتكبها المحتل بحق أهالي قطاع غزة.
وحذر من أن تقوم الأجهزة الأمنية بخطوات "قمعية عقابية" بحق منظمي الحراك ومن كتم للأصوات المؤيدة للمقاومة، وذلك بعد أن يتم الاتفاق على التهدئة وتعود الحياة إلى طبيعتها، غير مستَبعدٍ ذلك طالما أن الانتفاضة وأي عمل من أعمال المقاومة لا تصب بصالح قيادة حريصة أشد الحرص على علاقتها بالاحتلال.
ووصف قاسم حال الضفة الغربية بالعاجز عن عمل أي شيء لصالح قضيتها، وذلك بسبب وضعها الثقافي والوطني السيئ والذي يحتاج إلى سنوات عدة من التأهيل حتى تكون قادرة على مواجهة المحتل.