من الوثائق الهامة ذات الدلالة الفارقة في تحديد الرؤية القانونية لفكرة الدولة وفْق قوامة الشريعة الإسلامية على المجتمع، حيث تقدَّم الإخوان بمشروع دستور إسلامي مقترح لقادة ثورة يوليو صاغ مواده الدكتور محمد طه بدوي- أستاذ القانون العام بجامعة الإسكندرية وعضو الشعبة القانونية- في  103مواد، وإشراف المستشار محمد كامل- رئيس المحكمة العسكرية الأسبق ورئيس الشعبة القانونية للإخوان- وقد ناقشته لجنة برئاسة المرحوم الأستاذ عبد العزيز عطية- عضو مكتب الإرشاد ورئيس المكتب الإداري للإخوان بالإسكندرية بمشاركة كلٍّ من الأستاذين علي فهمي المحامي والدكتور غريب الجمال أستاذ الاقتصاد (عضوي الشعبة القانونية) وقد أقرَّته الهيئة التأسيسية بتاريخ 16 سبتمبر1952م0

 

وإذا استعرضنا أهم البنود والتي تتماس مع موضوع هذا الملف سنجد أنَّ البدايةَ ستكون مع المادة (77: يولد الناس أحرارًا متساويين في الكرامة والحقوق والحريات دون أي تمييز بحسب الأصل أو اللغة أو الدين أو اللون وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الأخوة)، وهو ذات النص الذي يوافق المادة الأولى من وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عام 1948م، كما نلاحظ احتواء النص على اصطلاح الناس وهو تعبير تراثي إسلامي محايد وجامع دون أي تمييزٍ لكل التنوعات الذكورية والأنثوية والدينية كما تنص المادة (78: لكل فرد الحق في الحياة وفي الحرية وفي المساواة أمام القانون وأن يعيش آمنًا مطمئنًا)، والمادة (88: لكل فردٍ في الوطن حرية التفكير والاعتقاد والتدين)، والمادتان تؤكدان أن مشروع الدستور يطرح فكرة دولة مدنية تقوم على المواطنة والولاء للدولة، وبالتالي تحررت البنود القانونية من التقسيمات التي درج عليها الفقهاء الأقدمون حيث اتجه المشروع لعدم تحديد نوع الدين عند تدوين الحقوق واكتفى بمقولة (الفرد) وهو إلغاء ضمني لفكرة الذمة، ويستطرد في نفس النقطة الباحث الدكتور إبراهيم زهمول- أستاذ القانون- مشيرًا إلى أنَّ مشروعَ الدستور الإخواني قدَّم فكرة دولة قومية يعيش فيها المسلمون وغير المسلمين بجامعة الانتماء للوطن، حيث لم يشترط في عضويةِ مجلس الأمة الانتماء لدينٍ معينٍ بل نصَّ كما هو واضحٌ في المادةِ الرابعة أن يكون مصريًّا وحسبما تنص المادة (25) باختيار رئيس الدولة من نفس الشروط التي تنطبق على عضو البرلمان دون تمييز حسب الأصل أو اللغة أو الدين، وذلك اتساقًا والمادة (77) التي أشرنا إليها سالفًا وتماشيًا مع الفلسفة التشريعية العامة الحاكمة للدستور يقول الدكتور بدوي في مقدمة المشروع الدستورى: "وفي إقرارنا لمبدأ الحريات العامة لا نقتصر على فريقٍ من الأمةِ دون فريق"، حيث إن الجميع من حملة الجنسية المصرية وكلهم (المادة 96) متساوون في الحقوق والواجبات سواء الواجبات المالية أو في الخدمة العسكرية، وتحدد المادة (72) أن: الخدمة العسكرية الزامية على المصريين جميعًا على الوجه المبين بالقانون بلا تفرقةٍ أو فرضِ جزيةٍ أو بدليةٍ، لأنها فقهًا تسقط باشتراكِ من فُرضت عليه في هذا الواجب.

 

نفس الكلام نجده يندرج تحت الحقوق السياسية؛ حيث إنَّ للجميع الحقَّ في تولي الوظائف العامة وحق الانتخابات والترشيح وممارسة كافة الحقوق، حيث لم يرد في نص الدستور ما يفيد تقييد هذا الحق أو يُفرِّق بين مواطن وآخر، حسبما يؤكد الدكتور زهمول في تعليقه على الدستور، مؤكدًا أنه لم يشترط في منصب إلا ما يشترطه في عضوية مجلس الأمة، وهو أن يكون مصريًّا حسن السمعة (بلا تفرقة بلا طائفيةٍ أو تمييز، كما أنَّ الدستور يشدد على احترامه لحريةِ الرأي والتعبير (المادة 89: لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير عنه)، كما شددت المادة 91 على حقٍّ مدهشٍ وربما غير مسبوق حيث يقرر الدستور لكل مواطن يعيش تحت سقف الدولة الإسلامية وحائز على الجنسيةِ الحقِّ في مقاومةِ جور الحكام، النص: "ويعتبر هذا الحق لكل مواطن ولجميع الناس من أقدس الحقوق والواجبات"، والنص يُمكِّن كل أبناء الأمة باختلاف انتماءاتهم ومراكزهم القانونية بالنضالِ من أجل حقوقهم ووقف تجاوزِ الحكام ولم يشترط لهذا الحقِّ انتماء ديني معين يقول الدكتور بدوي، ويتماشى هذا النص مع أحكام الإسلام وبتقنينه بهذا الوجه يُخالف الدساتير الديمقراطية المعاصرة قاطبة التي ترى في مباشرة هذا الحق الطبيعي جريمة تهدد سلامة الجماعة وأمنها.

 

الإسلام دين الدولة