وحدة الدراسات والبحوث
اسم الكتاب: تطور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم العربي
المؤلف: محسن عوض، عبد الله خليل
تقديم: أحمد كمال أبو المجد
الناشر: المجلس القومي لحقوق الإنسان- القاهرة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)
تاريخ النشر: الطبعة الأولى- ديسمبر 2005م
عدد الصفحات: 408 صفحات من القطع الكبير
مع تصاعد الحديث عن قضية الإصلاح السياسي والتغيير في العالم العربي، طفت إلى السطح مجموعة من القضايا التي احتلت مكانتها في خريطة البحث والصحافة والفكر في مصر والعالم العربي مع إلحاحية مثل هذه القضايا في ظل كونها تمثل المكونات الأكثر أهمية لقضية الإصلاح والتغيير.
ومن أبرز هذه الملفات؛ يأتي ملف حقوق الإنسان ليحتل مكانه في سياق خطاب الإصلاح المطروح بقوة في الساحة الآن، ولعل من أهم هذه الملفات قضية حقوق الإنسان التي باتت الهاجس الرئيسي لدعاة الإصلاح والتغيير في العالم العربي، ومصر- بطبيعة الانتماء الجغرافي والقومي- ليست استثناءً من هذه الحالة.
وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة، مصريًّا وعربيًّا، مطالب قادة عدد من القوى السياسية والجماهيرية لتحسين سجل الأنظمة السياسية الحاكمة على صعيد حقوق الإنسان وكانت القوانين المقيدة للحريات والمحاكمات الاستثنائية وكذلك القمع الأمني على رأس "الهواجس" التي دأبت الحركات والقوى الإصلاحية في مصر والعالم العربي.
وفي هذا الإطار تخوض القوى السياسية المصرية وعلى رأسها الإخوان المسلمون وحركات التغيير الشعبية معركتها- على سبيل المثال- الآن لتحقيق بنود أجندة أولويات محددة في صدد هذا الملف، وهذه الأجندة لا تختلف في متنها أو عناوينها وتفاصيلها عن مثيلاتها المطروحة في الكثير من البلدان العربية ومن بينها:
- إلغاء القوانين سيئة السمعة التي تقيد الحريات سواء الحرية في التعبير عن الرأي أو حرية العمل السياسي وغير ذلك، ومن أهم هذه القوانين؛ قانون الطوارئ.
- إلغاء محاكم أمن الدولة وحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية أيًّا كانت الاتهامات الموجهة إليهم.
- تقييد يد الأجهزة الأمنية والانتهاكات التي تمارسها في حق المواطنين سواء المواطن العادي أو الناشطين السياسيين، ومن بين ذلك الاعتقالات لمدد طويلة دون أمرٍ قضائي أو توجيه اتهام محدد أو العرض على القضاء ولمدد تزيد حتى على ما أقره قانون الطوارئ في هذا المقام وهي ستة أشهر.
- التعذيب كأحد آفات الحياة الأمنية العامة وعلى وجه الخصوص الأمنية- السياسية في مصر، مع التصدي للفساد القائم داخل الأجهزة الأمنية والسياسية للدولة والتي يؤدي الفساد فيها إلى الافتئات على حقوق المواطنين بمختلف فئاتها.
- تحديد دور الدولة وأجهزتها السياسية والإدارية والأمنية في الحياة السياسية في مصر، ورفع القيود المفروضة عن العمل السياسي والإعلامي أيضًا ومن ذلك إطلاق حرية تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف وغير ذلك.
والملاحظ أن هذه الأجندة تشمل الكثير من مطالب الإصلاح السياسي في مصر والعالم العربي، ومن هنا باتت الأهمية الملحة لملف حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار حاولت الحكومات القائمة في مصر وفي البلدان العربية تبني سياسة دفاعية في هذا المجال ضمن إستراتيجية دفاع شاملة لمواجهة الجهود الرامية للإصلاح السياسي والشامل في بلدان الأمة والتي- أي هذه الجهود- ستؤثر كثيرًا على مواقف ومكتسبات الأنظمة والحكومات القائمة ومواقعها في السلطة.
وفيما يتعلق بملف حقوق الإنسان؛ ومع ظهور الكثير من الجماعات الحقوقية ضمن منظومة المجتمع المدني وهيئاته الأهلية؛ والتي طرحت وبقوة المطالب السالفة الذكر وغيرها؛ بدأت الدولة في البحث عن أسلوب للتصدي لمثل هذه ضغوط، مع كون بعض هذه المطالب يهدد وبقوة حال تنفيذه الكثير من أركان النظم الحاكمة.
ومن هنا جاءت عملية إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم العربي، والمقصود بها تلك المجالس والهيئات المتخصصة التي أنشأتها بعض الحكومات العربية في مجال رصد الحالة الحقوقية في بلدانها، ومن بينها المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر والجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان وغيرها من اللجان والهيئات التي أسست في تونس والأردن والجزائر والمغرب والسودان والتي تخصصت في مجالات حقوق الإنسان والحريات العامة، ومبدئيًّا فإنه من الملاحظ أن الكثير من هذه الهيئات ذات طابع استشاري فحسب كما يتضح من أسماء هذه المؤسسات، كما في المغرب- المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان- والجزائر- اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها.
والكتاب الذي بين أيدينا الآن حاول تقديم صورة تقييمية أمينة ذات طابع أكاديمي حول هذه المؤسسات من جهة الأداء ودرجة الفاعلية والاستقلالية، والأهم من ذلك مدى التزامها أو عدم التزامها بالخط العام لسياسة الدولة ومواقفها المعلنة من ملف حقوق الإنسان والانتهاكات الأهم التي تتم في هذا المجال ومدى حيادية الصورة التي تنقلها المواقف التي تتخذها هذه المؤسسات والتقارير التي تصدرها بشكلٍ دوري أو غير دوري.
وقد ناقش المؤلفان- وهما باحثان متخصصان في الشأن السياسي- هذه القضايا في ثلاثة فصول مع دعم هذا الكتاب- الذي أخذ الطابع التوثيقي- بمجموعة من الملاحق التي تحتوي على نصوص عدد من الوثائق من قوانين ووثائق تأسيسية حول القضية الرئيسية التي يناقشها.
عوامل النشأة والتطور
تأخَّر ظهور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم العربي نحو عقدين عن المنظمات غير الحكومية التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي فيما ظهرت المؤسسات الوطنية في العام 1990م، وذلك عندما تمَّ تأسيس المجلس الاستشاري المغربي لحقوق الإنسان، ثم تبعه تأسيس عدد من الهيئات المماثلة والتي وصل عددها حتى الآن إلى تسع مؤسسات هي:
1- المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمغرب وتأسس في العام 1990م، كما سبق القول.
2- الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية بتونس وتأسس في يناير من العام 1991م.
3- المرصد الوطني لحقوق الإنسان بالجزائر وتمَّ تأسيسه في 12 من أبريل للعام 1992م، وفي 25 من مارس من العام 2004م، صدر قرار جمهوري تم بمقتضاه تحويل المرصد إلى اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها التي استحدثها هذا القرار الجمهوري.
4- الهيئة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، وتأسست في 30 من سبتمبر من العام 1993م، ضمن التطورات الفلسطينية في مرحلة ما بعد اتفاقيات أوسلو، وبدأت عملها في العام 1994م.
5- اللجنة الوطنية العليا لحقوق الإنسان في اليمن، وتأسست في العام 1998م.
6- المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن وتأسس بموجب ما يعرف باسم "إرادة ملكية"- توازي القرار الجمهوري- صدرت في فبراير من العام 2003م.
7- الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية وتأسست بموجب مرسوم ملكي صدر في 6 من مايو من العام 2003م.
8- المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، وتأسس بموجب قانون صدر في 19 من يونيو من العام 2003م، وثم صدر من مجلس الشورى قرار بتفعيل عمل المجلس في فبراير من العام 2004م.
9- اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر، وصدر بموجب قانون أميري بقانون رقم 38 في 12 من نوفمبر من العام 2003م.
ومن خلال متابعة النشاط الذي قامت به هذه المؤسسات طيلة السنوات الـ(15) الماضية وأهم المحطات التي مرت بها؛ يمكن الخروج بعددٍ من الملاحظاتِ على هذه المؤسسات ومن بينها أنَّ الغالبية الساحقة من هذه المؤسسات نشأت في ظل ظروف أزمات سياسية واجتماعية كما في اليمن والجزائر وتونس، ولعل الحالة الجزائرية هي الأبرز في هذا المقام، وهذا الأمر له دلالات سيئة وعلى رأسها أن الإصلاح في العالم العربي سينتظر طويلاً لأن النظام الجزائري انتظر وقوع حرب أهلية في البلاد لمجرد تأسيس مجلس قومي "استشاري" لحقوق الإنسان.
كما أنَّ هذه المؤسسات نشأت بموجب إرادة سياسية عليا، أي أن قرارات تأسيسها نبعت من الملوك والرؤساء والأمراء العرب، مما يعني أنها في الأغلب الأعم لن تخرج في مواقفها والحقائق التي ستذكرها عن الفلك الذي ستدور فيه سياسات النظام القائم، ولعل فيما تردد مؤخرًا في مصر من أن رئاسة الجمهورية تدخلت بشكلٍ مباشرٍ في حذف نحو 50 صفحةً من التقرير السنوي الثاني لحقوق الإنسان في مصر والصادر عن المجلس القومي المعني بذلك؛ نموذجًا جيدًا على هذا.
وهذه المؤسسات- أيضًا- إنما هي في نهاية "هيئات حكومية" ورغم أنها نشأت بموجب ضغوط شعبية وسياسية عديدة إلا أنها أتت في الكثير من الأحوال- ولاسيما في بلدان الخليج العربي- عبارة عن واجهة تجميلية للحكومات العربية مع ازدياد وطأة الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومات العربية للتغيير والإصلاح.
التطابق مع القوانين الدولية
تختلف القوانين المنظمة لعمل المؤسسات الحقوقية العربية مع القوانين الدولية التي تمَّ الاتفاق عليها في باريس عام 1993م، ففي مسألة الميزانيات المالية للمؤسسات نجد أن هناك استقلاليةً نسبيةً في مصر إلا أن مواعيد الموازنة يجب أن ترتبط بمواعيد السنة المالية للدولة، بينما نجد أن الموازنة في المغرب ترتبط بموازنة البلاط الملكي لا بالموازنة العامة للدولة.
وبصفةٍ عامةٍ فإنَّ القوانين التي تنظم عمل المؤسسات الحقوقية الوطنية في العالم العربي تفتقد الكثيرَ من المقررات التي تمَّ الاتفاق عليها في باريس من العام المذكور، فعلى سبيل المثال نجد أن قوانين التعيين في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية تفتقد شرطًا من شروطِ المعاهدة؛ حيث إنها تمنع تعيين أي من الأشخاص الذين لم يوقعوا على النظام الأساسي لتأسيس الجمعية.
ولم تقتصر المخالفات القائمة بين القوانين الداخلية للدول بشأن عمل المؤسسات الحقوقية الوطنية على الميزانيات؛ حيث شهدت اللوائح التي تنظم العمل التنفيذي لهذه المنظمات بعض المخالفات أيضًا فلم يتم تحديد الوظائف الأساسية بالمؤسسات الوطنية.
مستوى الأداء والفاعلية
على المستوى التنفيذي فإن نظرات على بعض حالات العمل من جانب المؤسسات الحقوقية الوطنية سيوضح لنا مستوى فاعلية وكفاءة هذه التنظيمات، وإذا تم تناول الحالة المغربية ممثلة في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، سيكون النظر أمام بعض النقاط التي توضح درجة فاعلية المجلس فقد قام بالعديد من الزيارات إلى السجون المغربية بالإضافة إلى إصدار تقرير يشير إلى التطورات التي وقعت في الأراضي المغربية في المجال الحقوقي.
وقد سجلت الزيارات والتقارير العديد من النقاط السلبية على الحالة الحقوقية المغربية بالإضافة إلى ذلك، فهناك التعاون القائم بين المجلس والمنظمات الحقوقية الدولية من أجل تطوير أداء المنظمة.
إلا أن المدقق في أداء المنظمات الوطنية الحقوقية في العالم العربي يلحظ تأثير الإرادة السياسية للدولة على أداء هذه المنظمات إلى جانب وجود تباين كبير في أداء هذه المنظمات إلا أن السياق العام للمنظمات الوطنية الحقوقية العربية يوضح أن هناك أرضيةً يمكن لهذه المنظمات أن تنطلق منها إلا أن النصوص التي تحكم عمل هذه المنظمات تحتاج إلى تعديلٍ من أجل زيادة الفاعلية والأداء.
وقد تمَّ إرفاق بعض الملاحق في نهاية الكتاب من إعداد وتوثيق عبد الله خليل يُبين بعضها القوانين الأساسية لعمل المنظمات الحقوقية الوطنية في العالم العربي، إلى جانب بعض الملاحق المتعلقة بالكيفية التي يمكن عن طريقها تفعيل أداء المنظمات الحقوقية التي تسيطر عليها الدولة في العالم العربي إلى جانب الكيفية السليمة من أجل تقييم الأداء.
وتنقسم الوثيقة التي توضح تلك الكيفية إلى 3 محاورٍ وهي مهمة تعزيز الوعي العام والتثقيف بشأن حقوق الإنسان إلى جانب الكيفية التي يمكن اتباعها عند التحقيق في الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان بالإضافة إلى ما أطلق عليه معد الملحق تعبير "المهام شبه القضائية" والتي تعني التحقيق في الادعاءات التي يقول بها الأفراد والخاصة بتعرضهم إلى انتهاكات حقوقية.