تحقيق- أحمد الطهطاوي
تعريب الحاسوب.. أمنية غالية ينتظرها المهتمون بشئون اللغة العربية والذين يغارون على اللسان العربي والمقبلون على تعلم الحاسوب أيضًا، وهذه الأمنية يسعى إليها علماء هندسة الحواسب منذ زمن بعيد لأجل خدمة العالم العربي في التعامل مع التقنية العربية بشكلٍ مبسط وميسر.
وتجدر الإشارة هنا إلى رائد العلوم المعربة الدكتور عادل فهمي الذي يعد واحدًا من العلماء المؤسسين لعلوم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات في العالم العربي منذ بداية الثمانينيات؛ فالدكتور عادل فهمي هو أول مَن أنشأ مؤسسةً تعليميةً نوعيةً لتعليم الكمبيوتر (الحاسوب) في مصر والعالم العربي، في زمنٍ لم يكن الكمبيوتر إلا آلةً للألعاب الإلكترونية أو اختراعًا عجيبًا لا يعلم أو يهتم به الكثير.
وقد أسهم في إزالة هذا الحاجز الرهيب الذي أحدثه وجود الكمبيوتر بين عامة الناس والتقدم العلمي والتكنولوجي بإعداده وتقديمه لبرنامج عالم الكمبيوتر الذي أُذيع في التليفزيون المصري نهاية الثمانينيات ثم أُعيد بثه في عام 1990م.
أما بالنسبة لجهوده في تعريب هذا الجهاز، فقد كان الدكتور عادل فهمي مشاركًا في إعداد أول مصحف إلكتروني عربي، كما قام بمحاولات جيدة في تعريب أنظمة الحاسب وجَعل الكمبيوتر يتعرف على الحروف العربية OCR، وقد عمل مستشارًا علميًّا لشركة صخر رائدة البرمجيات العربية في الثمانينيات.
ونشر أكثر من 15 مؤلفًا في علوم الحاسب وتكنولوجيا المعلومات ورحل عن دنيانا في 13 ديسمبر 2002م بعد أن أثرى الفكر العربي في هذا المجال.
ونؤكد هنا حقيقةً مهمةً هو أن الرجل الأمي في هذا العصر هو الجاهل بعلوم الكمبيوتر وتطبيقاته، ولأن تعريب أجهزة وبرامج الكمبيوتر وتطبيقات الإنترنت ينتظره العالم العربي وهناك العديد من الشركات التي ستؤول إليها عملية التعريب، فإن (إخوان أون لاين) يطرح هذه القضية على المهتمين والباحثين في مجال تعريب علوم الحاسوب من خلال هذا التحقيق..
الترميز الدولي
في البداية يؤكد الدكتور أحمد فؤاد باشا- أستاذ الفيزياء بكلية العلوم ونائب رئيس جامعة القاهرة السابق-: صحة الرأي القائل بأنه متاحٌ، ويقول: "أعتقد أن هناك جهودًا بُذِلَت في هذا المجال ولم تأتِ من فراغ، ولكن مسألة التعريب الكامل ليست في أذهاننا؛ لأنه من ضرورات المجالات العلمية المحافظة على ما يُسمَّى "الترميز الدولي" لأنها لغة عالمية.
ويضيف بأن "هناك تقدمًا في أمور التعريب على غرار "التراستيليوشن" مثل هوت ميل.كوم hotmail.com فيمكننا استخدام الترميز والحروف والمصطلحات عن طريق "التراستيليوشن" بحيث لا ننعزل عن الدلالات العالمية، أما لو بدأنا بالتعريب الخالص "لغة خاصة" بحيث تكون لغة عربية خالصة سنكون منعزليين وعلينا أن نحافظ على الشفرة العالمية المتفق عليها".
ويشير إلى أن التعريب الخالص لو أردنا به توظيفَ الثروة المعلوماتية وجعلها محليةً فإنه لن يفيدنا وسيؤدِّي إلى شيءٍ من العزلةِ، ولذلك فنحن نحتاج إلى آلياتٍ وتفكير وهندسة جديدة للغة العربية، وهناك مشروعاتٌ كبيرةٌ نحتاج إلى قيامها في إطار قومي حتى لا نقعَ في أخطاءِ ترجمة العلوم إلى العربية التي لم يستفد منها الوطن العربي.
ولذلك فالآليات المقصودة هي التي يدرسها أهل الاختصاص المهمة والضرورية حتى لا تصير القضية إلى قضية مدى الحياة كما هو الحادث الآن في التعريب.
فمطلوب قناعة واقتناع من الشباب باستخدام الكمبيوتر بالطريقة العالمية وهل شبابنا سيقبل هذا أو لا؟
وختم د. فؤاد باشا حديثَه بالقول: إن على مهندسي اللغة أن يجتمعوا ويناقشوا مشكلةَ التعريب التي تتطلب منهجيةً واضحةً لمعرفة مدى قابليةِ المجتمع للعملية أو الجدوى التي ستعود من ورائها حتى لا تضيعَ جهودُهم دون فائدة.
الحضارة الإسلامية
الحضارة الإسلامية كانت سباقةً في التعريب، هذا ما يؤكده الدكتور محمد يونس الحملاوي- أستاذ هندسة الحاسبات بكلية الهندسة جامعة الأزهر والأمين العام للجمعية المصرية لتعريب العلوم- حيث يقول إن فكرة التعريب تعود إلى عصر الحضارة الإسلامية حينما بدأت بعد استقرار الفتوحات وانتشار الدعوة في العالم الإسلامي حين بدأت الأمة تحتك بثقافات مجاورة، وقد أخذت من هذه الثقافات ما يفيدها وتركت ما يضرها وبدأوا بترجمة التراث الإغريقي والهندي وكان أكثر ما قام به المسلمون هو ترجمة التراث العلمي.
واستطاع العربي أن يترجمَ المصطلحاتِ ومقابلَها باللغةِ العربية، وهناك نماذج عديدة مثل لفظ "ميوزيك التي أصبحت موسيقى" وأيضًا "الأوكسيرا التي أصبحت علم المناظر".
وقد تطوَّر العلم الإسلامي من نطاق الترجمة إلى نطاق الاستيعاب، ومع كثرة إبداعهم في كافة العلوم نشروا اللغة العربية وأصبحت لغة العلم وقتها، وأذكر من عامين رفع الفرنسيون شعارًا جميلاً وجابوا به العالم العربي هو "عندما تكلم العلم بالعربية .. تكلم العالم العربية".
ولكن نتيجة لعصور التراجع التي عاشتها الأمة العربية والإسلامية ظهرت حضاراتٌ آخرى وتراجعت لغتنا عن الإبداع والابتكار، ولكن ومن المتوقع أن تعود لغتنا إلى مكانتها القديمة وتبتكر في شتى العلوم حتى تصبح رائدة كما كانت.
شركات ناجحة
ولا يمكن أن ننسى الدور الناجح لبعض الشركات المصرية الجادة في تعريب علوم وتطبيقات الكمبيوتر ولها إسهامات في تعريب برامج الكمبيوتر والتي من شأنها زيادة حجم الإقبال على البرامج العربية وتشجيع شركات البرمجة، وهذا ما أكده لنا الدكتور الحملاوي الذي يقول إن من هذه الشركات على سبيل المثال:
* إيماجينت المصرية www.imaginet-software.com وهي شركة تشتهر بإنتاج أنظمة تعريب وحلول وبرمجيات أجهزة الكمبيوتر اليدوية والهواتف الجوالة المتقدمة، وقد نجحت الشركة في تغطية السوق العربية بنسبة 99%، وتسعى لجعل عام 2007 العام الذي ستنطلق به إيماجينت نحو العالمية، وتسعى الشركة لتحويل حلولها وتطبيقاتها على البرامج لدعم اللغات الألمانية والتركية والفارسية والروسية والفرنسية والأوردية والفارسية، بالإضافة إلى الإنجليزية.
* مجموعة خليفة www.Khalifaonline.com التي تعتبر من أكثر الشركات المصرية التي لديها الحلول الإلكترونية للمدارس، والنشر الإلكتروني للكتب بعدة تقنيات، وتعريب وتوطين البرمجيات التعليمية والألعاب حتى يمكن توزيعها في العالم العربي، وهناك تطوير أفلام الرسوم المتحركة، للقنوات الفضائية وأقراص "دي في دي" وأقراص الفيديو المدمجة. بالإضافة إلى تسويق وتوزيع برمجيات تعليم اللغات.
* مايندوير مصر www.mindwareegypt.com التي تقدم حلولاً برمجية متكاملة في مجالات تكامل الأنظمة، وبناء أنظمة إدارة الأزمات وتطبيقاتها، حيث كان برنامج "إي-جارد" ثلاثي اللغة (عربي-انجليزي-فرنسي) من أبرز ما قدمته وأن البرنامج الحيوي مناسب للتطبيق في العالم العربي.
الأكاديميون والكيانات الذكية
وعن أهم المؤسسات التي يجب عليها الاهتمام بمسألة التعريب واعتبار عدم قيامها بذلك من باب التقصير، يقول الدكتور عبد الحافظ حلمي- رئيس الجمعية المصرية لتعريب العلوم-: إن هناك العديدَ من المؤسسات والأشخاص الذين تقع على عاتقهم مهمة البحث والتنقيب عن تعريب علوم الكمبيوتر وهي:
* الأكاديميون سواء أساتذة الحاسبات والهندسة والعلوم وهم أهل العلم والمعرفة الذين عن طريقهم سيتم البدء في هذا المشروع الذي سيخدم أكثر من مليار نسمة.
* كافة العلماء المعنين بالبرمجيات والمؤسسات والكيانات الذكية التي تتعامل مع الكمبيوتر سواء "الهارد وير- السوفت وير" وحتى مصممي البرامج.
وبوجه عام فإن الأكاديميين هم أهل الخبرة الحقيقية ومهندسو اللغة، وذلك لأن اللغة العربية بها العديد من الالتفاف والمعاني الكثيرة التي يجب التنبه لها وتحتاج لعناية خاصة.
ويضيف: أذكر أنني تابعت قيام شركة "كارير ديفايسيز" الإسكتلندية المنتجة لأجهزة كومبيوتر الجيب الكفية I-mate والهواتف الذكية I-mate smart phone وإصداراتهما المستقبلية، بتوقيع اتفاقية مع شركة "إيماجينت للبرمجيات" المصرية، تم بموجبها طرح هذه الأجهزة في أسواق الشرق الأوسط مزودة بالتعريب ومجموعة من البرمجيات العربية التي أنتجتها "إيماجينت" بشكل دائم ونهائي بدون حاجة إلى رمز التسجيل أو مفتاح التشغيل، ومن المقرر أن يعمل بنظام Windows Mobile 2003 الذي يتوافق مع تعريب شركة إيماجينت.