تحقيق- سالي مشالي

تختلف في أذهاننا صورة "المريض النفسي" و"الطبيب النفسي" أيضًا، فأصبحت كلمة "مريض نفسي" مرادفة لمعنى الجنون، وينسى البعض أن أي إنسان معرَّض للإصابة بأمراض نفسية مختلفة على مدى حياتنا ولا أحد معصوم، والإهمال في العلاج قد يكون معناه أن ندفع عمرنا ثمنًا لهذا الإهمال، وأن نحاسَب يوم القيامة على حق أنفسنا (أو أحبابنا) الذي لم نؤدِّه.

 

فقد أثبتت الأبحاث أن 40% من المصريين مضطربون نفسيًّا ويحتاج للعلاج منهم 9%، ونسبة المرض العقلي من 3% إلى 4% و10% منهم يحتاجون مستشفيات بنسبة 350 ألف مريض يحتاجون على الأقل إلى 100 ألف سرير، ولا يوجد في مصر إلا عشرة آلاف سرير، كما أثبتت الدراسات الأمريكية أن 13% من الأطفال يصابون بالاكتئاب خاصةً في بداية المراهقة، وفي السعودية بلغت حالات الانتحار بسبب الاكتئاب 208 حالات في عام 1425هـ.

 

نوبة هلع

تحكي لنا فاطمة سعد (ربة منزل) تجربتَها مع المرض النفسي فتقول: منذ طفولتي كانت تتملكني مشاعر حزن وضيق في التنفس، وكانت هذه الأعراض تتكرَّر معي من آنٍ إلى آخر دون سبب واضح، لقد ظنَّ الأهل في البداية أنني أتدلل عليهم وأحاول أن ألفتَ أنظارهم إليَّ وأثيرَ اهتمامهم بي، فكانوا أحيانًا يقسون عليَّ ظنًّا منهم أنهم يفعلون ما فيه الخير لي.

 

حتى استيقظت ذات ليلة في منتصف الليل وأنا أشعر بأنني أموت.. لقد كنت أعاني من أعراض بدَت متكررةً، إلا أن هذه المرة كانت أشدَّ، لقد بدا أنني أختنق وأصبح وجهي شديد الصفرة وتثلجت أطرافي.. لقد ظلت أمي تبكي، وهي تراني أموت أمام عينيها، وعندما استدعوا الطبيب أعطاني حقنةً من دواء ما ثم نمت على إثرها، واصطحب الطبيب أهلي إلى الصالون، فشرح لهم أن ما أصابني يسمَّى (نوبة هلع) وهي حالةٌ نفسيةٌ تؤثر على أجهزة الجسم كله، ولا بد من علاجها والانتظام على دواء يَقي من أن تتكرر هذه النوبة مرةً ثانيةً لأن فيها خطورةً على حياتي.

 

لم تكن فاطمة (تتدلَّع) كما ظنَّ الأهل، ولكنها كانت مصابةً بمشكلةٍ نفسيةٍ لم يستطع الأهل استيعابَها، لقد واظبت على تعاطي الدواء لفترة من الوقت حتى شُفيت بفضل الله ولم تعد في احتياج للدواء ولم تعد هذه النوبات تحدث لها.

 

مراقب

أما أ. م (محاسب) فيعاني أخوه من أعراض نفسية مَرَضية، ولم يستطع أن يساعده ولا يعرف ماذا يفعل.. يقول: لقد كنا أربعةً من الإخوة متقاربي الأعمار وعلى علاقة جيدة، ولكن مع بداية مرحلة المراهقة لاحظتُ على أخي الأكبر مني مباشرةً- وهو الثاني في ترتيب الإخوة- تباعدًا وانطواءً، لم يلحظ أحد من أفراد الأسرة هذا التغير إلا أنا، ولكني شعرت بالقلق وحاولت التقرب منه ولكنه كان يتهرَّب مني، وبعد محاولات عديدة فتح لي صدره وأخبرني عما يضايقه، وهو شعوره بأنه غير محبوبٌ، وأن أفراد الأسرة كلهم يتمنون لو أنه يموت فيرتاحون منه، حتى إن زملاءه في المدرسة يكرهونه ويُوقِعُونَه في مقالب، كما أنهم يتكلمون عنه بالسوء في غيابه.

 

 

ويواصل أ. م: كنت متأكدًا أن هذا الكلام غير صحيح، وأن الجميع يحبون أخي، ومقالب الزملاء هي أمور عادية تحدث بيننا جميعًا ولا أحد يتعمَّد الإساءة إليه، وعندما حاولت أن أشرح له هذا ثارَ ثورةً عارمةًَ واعتبرني أحدَ المتآمرين عليه وأكرهه أنا أيضًا وأريد أن أضلله وأعميَه عن الحقيقة، وأخبرني أنه أخطأ عندما تكلم معي.

 

كانت هذه هي بداية المشكلة، ووقتها لم أستطع أن أساعدَه لأنني كنت طفلاً أنا الآخر، ولم ينتبه مع الأسف أيًّا من الكبار، واليوم وبعد أن تخطَّينا الثلاثين يَعتقد أخي أن تليفونَه مراقبٌ، وأن هناك مَن زرَع له كاميراتٍ في سائرِ أنحاءِ البيت (بما فيها الحمام)، كما أنه يعتقد في بعض الأحيان أن زوجتَه ليست زوجته وإنما هي امرأةٌ أخرى مكلَّفة بمراقبته وهو يتظاهر أمامها أنه لم يكتشف الحقيقة