- د. الطاهر مكي: المناخ الفاسد تسبب في تراجع الكتاب
- د. إبراهيم عوض: الحروب الآن انتقلت إلى الثقافة
- الناشرون: 3 أسباب وراء سقوط الكتاب العربي
تحقيق- محمد أبو دهبية
سجَّل تقرير التنمية الإنسانية العربية أن صناعة الكتاب في الوطن العربي هشَّة وضعيفة، وحركة الترجمة محدودةٌ وقاصرة، و ذكر أن الكتاب العربي تتراوح مبيعاته ما بين ألف وثلاثة آلاف نسخة، وهي أرقامٌ هزيلةٌ بالنسبة لأمة تتكون من 300 مليون عربي يعيشون في 22 دولة.
أكد التقرير تدني الإنتاج العربي في مجال صناعة الكتاب إلى حدوده الدنيا بالنسبة لحجم السكان وبالمقارنة مع الدول الأخرى.
وقبل حوالي أربعة عقود قال أحد القادة الصهاينة بثقة في اجتماع مع أعوانه: "ما دام العرب لا يقرأون... فما من خطرٍ حقيقي يهدِّد الكيان الصهيوني"، فأعقبه آخر في الاجتماع نفسه، قائلاً: "... وإذا قرأ العرب فلا يفهمون، وإذا فهموا فلا يفعلون... وتاليًا، سنبقى نحن المسيطرين".
وبعد أربعين عامًا تقريبًا على تلك الواقعة، ما زال العرب بعيدين جدًّا عن فعل القراءة، بالمعنى المعرفي للكلمة، الأمر الذي جعل المنطقة العربية تعيش في وحول كثيفة من الجهل والتخلف... والأوهام.
وسلط تراجع عدد الإصدارات الجديدة المعروضة في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2005 بالمقارنة مع ما عُرِض منها عام 2004، الضوءَ على تقهقر وتيرة إنتاج الكتب الجديدة في العالم العربي، حيث لم يصدر من خلال دور النشر التي شاركت في معرض الشارقة، والتي بلغ عدد مشاركتها 707 أدوار نشر عربية، أكثر من 2100 عنوان لعام " 2005" ، مما يعبِّر عن "كارثة في قطاع النشر"، ويجعلنا ندق ناقوس الخطر القادم على أجنحة هذا النكوص في الإنتاج الفكري في العالم العربي نحو أزمنة يتراجع فيها عددٌ الكتب الجديدة التي تزهو بها الحياة الثقافية العربية.
والسؤال: لماذا تراجع الكتاب العربي؟ ولماذا اختفى الجانب الرسالي في عمل دور النشر؟ وما الذي يجعل الكثير من شبابنا يعزفون عن المطالعة؟ وكيف نواجه هذه المشكلة الكبيرة؟ ومتى ستفيق الأمة والقيِّمون على شئون هذه الأمة من هذا السبات العميق الذي سيدخلنا إلى عصر ظلامي متجدد لا ندرك مدى المساوئ (الناجمة عنه) التي تنتظر الأجيال القادمة؟ هذا ما سوف يجيب عليه هذا التحقيق.
في وطن به ملايين الشباب الذين يعيشون في بطالة ولا يستطيعون شراء صحيفة كيف يشترون كتابًا؟! هكذا بدأ الدكتور الطاهر مكي كلامه مرجعًا أسباب تراجع الكتاب العربي إلى عزوف الناس عن القراءة لعدم ثقتهم فيما يُنشر إلى جانب إحساس الناس بعدم وجود ديمقراطية خاصة مع انتشار هذه الأحكام وقوانين الطوارئ التي أجدبت الفكر العربي وجعلت العقول لا تفكر، فليس هناك ما يستحق كي يقرأ.
وقال: إن المبدعَ العربيَّ والمثقف العربي، نتيجة الظروف المأساوية التي تعيشها المنطقة العربية وحالة الانحدار على كافة المستويات، أصيبوا بحالاتٍ من الإحباط والانكسار مما أثَّر موضوعيًّا على عطائهم الإبداعي، كما أن الحكومةَ نشرت كتبًا رخيصةً ضحلةً الفكر رديئةَ المستوى وأدى ذلك إلى إغلاق دور الكتب الخاصة، فلم تعد تسهم في العمل واتجهت إلى نشر التراث ووقفت عنده.
ويضرب الدكتور الطاهر مكي مثالاً بالحكومة المصرية، حيث إنها هي التي تخرب دور النشر الناجحة فهي دخلت سوق الكتاب بلا مبرِّر وتخصَّصت في خصخصةِ كل شيء وخصخصة البنوك والشركات، فهي تعيد تصوير الكتب وبيعها بأسعارٍ رخيصةٍ ولا تخصِّص دورَ النشر، ودور النشر فقيرةٌ ولا بد أن تربحَ، فدار النشر لا تستطيع طبع التراث على ورق جرائد وتبيعه بخمسة جنيهات مثلاً، أما الحكومة فقد عبثت بكثير من هذه الكتب وحذفت المقدمات من بعض الكتب، وأضافت أسماءً كثيرةً على الكتب بمسميات عديدة منها رئيس مجلس الإدارة وتقديم والمشرف على التحرير والإشراف الفني والمشرف العام، وغير ذلك من الأسماء التي تقبض مكافآت ضخمة في كتب مطبوعة ومحققة وموجودة بالفعل منذ عشرات السنين!! وللأسف هناك كثيرون من المؤلفين والمثقفين "غير المحترمين" يربحون من هذا الفساد..، فللأسف المناخ العام فاسد ولا بد أن يُحترَمَ المؤلفُ وحقه في التأليف.
ويرى الدكتور الطاهر مكي أنه عندما تصل أمة إلى الانحدار وعصر الانحدار والانحسار لا يمكن أن يستطيع جانب واحد منها حل هذه المشكلة.. فلا بد أن يكون الإصلاح شاملاً ولا بد من نظام ديمقراطي حقيقي يجعل الشعب أكثر ثقة بوطنه ولا بد من جعل الولاء يزدهر من جديد بوجود الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية.
الاقتداء بالحكام
ومن جهته يشير الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس إلى أن تراجع صناعة الكتاب في وطننا العربي يرجع لعدة أسباب منها أننا شعوب لا تقرأ، كما أن المكتبة ليست في أذهاننا، فرؤساؤنا وحكامنا العرب معظمهم لا يقرءون، وبعضهم إما خريجو إعدادية أو "يفك الخط" أو "أمي" لا يعرف القراءةَ والكتابةَ، كما أن الخللَ يتمثَّل في نوم الإرادةِ الذاتيةِ لدينا، فللأسف إننا لا ندرك أن أمريكا والصهاينة يدمران بيوتنا بسلاح العلم والمعرفة ولا بد أن نواجه ذلك بنفس السلاح.
ويضيف الدكتور إبراهيم عوض: إن المجتمع بوجه عام لا يبالي بالثقافة التي لا تدخل في منظومته، ولا توجد في ميزانية الأسرة المصرية- على سبيل المثال- جزء مخصص للمكتبات أو القراءة، كما أن النت في العالم العربي تحوَّل إلى قصص وأصبح محصورًا في "الشات" وغرف الدردشة.
ولمواجهة المشكلة لا بد أن يقومَ الدعاة بتوضيح أهمية القراءة للناس في الحفاظ على وجودنا بالقراءة وبالعلم وبالمعرفة؛ لأن الأمة بدون قراءة ليس لها مستقبل.
ولا بد أن ندركَ أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أوجب العلمَ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، وأننا لا يمكننا دخول الجنة بدون قراءة، كما أن تقدمنا العسكري والصحي وعلى جميع المستويات لا يكون إلا بالعلم، ولا بد أن يتحوَّل الدعاة إلى بوق واحد، وأن يتحوَّل الهوس الدعائي للقراءة وللعلم وللمكتبات وللإنترنت وللكتاب بدلاً من الكلام عن شعر السيدات لأن مهمة القراءة خطيرة.
غلاء المواد الخام
ويعزو الناشر محمد السيد سابق أسباب تراجع نشر الكتاب إلى ارتفاع أسعار المواد الخام مثل الورق والأحبار، وعدم وجود كيانات رسمية ترعى مهنة النشر، إضافة إلى زيادة تكلفة الجمارك على الكتب الواردة والصادرة عن تكلفة الكتاب.
ويؤكد السيد سابق أهمية زيادة التعاون المشترك بين الدول العربية لترويج الكتب ورعاية الناشرين، وزيادة فاعلية معارض الكتب وتنسيق مواعيدها، وإنشاء شركات توزيع متخصصة تعمل وفق أساليب التسويق العلمية الحديثة. ولا بد من الاهتمام كذلك بالتدريب المهني ورفع مستوى العاملين في مجال النشر.
ويعزو الناشر عادل عبد الوهاب تراجع الكتاب في العالم العربي إلى كون القراءة ظاهرة فردية عند العرب وليست نظاماً اجتماعيًّا، "فإذا لم تكن القراءة عاملاً أو ظاهرةً مؤثرةً في حياة الأشخاص وعلاقتهم ببعضهم ببعض وبمحيطهم الذي يعيشون فيه.. تتحول ظاهرة فردية تؤثر سلبًا على سوق الكتاب".
فالقارئ- كما يقول عادل عبد الوهاب- لا يجد وقتًا للإطلاعِ والحصولِ على المعلومةِ من الكتاب بتأن، بسبب عصر السرعة ووسائل التقنية الحديثة، فقد أصبحت الأسطوانات والكمبيوتر والإنترنت والقنوات الفضائية مصادر معلومات سريعة، مما جعل المتلقي يرغب في الحصول على أكبر كم من المعلومات في أقصر وقت.
ويؤكد أنه لا يوجد أساسًا علاقة وطيدة بين الإنسان العربي والكتاب لعوامل عدة، ربما أهمها أن النظم التربوية لم تُبنَ على أساس تعزيز القيمة المعرفية، وإنما اعتمدت على التلقين.
إذ إن المطلوبَ من التلميذ أن يكتفي بالكتاب المدرسي وينكب عليه حفظًا كي يستطيعَ أن ينالَ درجة النجاح، لذلك يتحول الكتاب منذ الصغر إلى نوع من العقاب، أما كتب الأطفال غير المدرسية، فإنها لم تلق أصلا عناية، سواء من حيث النصوص أو الرسوم أو الإخراج، الأمر الذي جعل علاقة العربي بالكتاب تسوء منذ نعومة أظفاره" وهذا ما أثبتته إحصائيات حديثة أكدت أن الطفل العربي لا يقرأ خارج المنهج الدراسي سوى 6 دقائق وأن كل 20 عربيًّا يقرأون كتابًا واحدًا في السنة، بينما يقرأ الأوروبيون 7 كتب في العام وتنتج الدول العربية 1.1% فقط من معدل الإنتاج العالمي للكتاب.
منظومة القيم
كما أن هناك مشكلةً أخرى وهي أن مصاريف الإعلانات والدعاية للكتاب تفوق تكلفته، كما أن تدهور منظومة القيم الاجتماعية لدى العرب في العقودِ الأخيرةِ أسهم في تضاؤل مساحة سوق الكتاب العربي إلى حدودها الدنيا"، "إذ لم يعد التباهي بين الشباب بعدد الكتب التي يقرأها الفرد شهريًّا أو أسبوعيًّا ونوعيتها كما كانت حالنا نحن خلال السبعينيات من القرن الماضي، بل أصبح التباهي اليوم هو بماركة السيارة التي يقودها الشاب وبالتليفون المحمول الذي يحمله، وبالتالي فإن القيم السائدة اليوم بين فئات المجتمع العربي هي غير التي كانت سائدةً قبل نصف قرن من الزمن"، وهذا ما يفسِّر سقوطَ الكتاب العربي من حسابات آلاف الشباب العربي المعرفية منذ عقود، حتى أن كلَّ 300 ألف عربي يقرأون كتابًا واحدًا!! إذ تشير الإحصاءات المتوافرة إلى أن حركة النشر العربية تشهد مرحلةً متقهقرةً خطرة، كما تثير تقارير التنمية البشرية الصادرة (سنويًّا) عن الأمم المتحدة الرعب في هذا المجال،- فعلى سبيل المثال- نجد أن عددَ الكتب التي تطبع في أسبانيا (التي يبلغ عدد سكانها 39 مليون نسمة) خلال عام واحد يوازي ما طبع من كتب عربية منذ عهد الخليفة الأمين إلى يومنا الحاضر، وأن ما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة من الورق يفوق ما تستهلكه اليوم مطابع العرب مجتمعة.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن حركة التأليف والنشر والترجمة أيام العباسين كانت قد بلغت حدًّا جعلها تتصدَّر السيرة الذاتية لمجد الحضارة العربية، فكانت نتيجتها وقيمتها عظيمتين، حيث وفرت جوًّا من السيادة المطلقة للعلم والمعرفة في الأمة إلى درجة لم يسبق لها مثيل من الولوع بمطالعة الكتب واقتنائها، وقد استمر ذلك قرونًا عدة كانت كافيةً لنشر هذه الظاهرة التي انتقلت شرارتها أيام الأندلس مشكلة بذرة كل ما يرفل فيه الغرب اليوم من علم ومعرفة، بعدما كان هذا الغرب يتردَّى في ظلمات الجهل والأمية في عزّ التألق الحضاري العربي.
وبحسب تعبير المستشرقة الألمانية الشهيرة الدكتورة سكريد هونكه، فإن "متوسط ما كانت تحتويه مكتبة خاصة لعربي من القرن العاشر هي أكثر مما تحويه كل مكتبات الغرب مجتمعة".
لكن المنتشي بهذه الحقائق التاريخية لا يلبث أن يطأطئ رأسه من خزي الواقع العربي اليوم على صعيد التأليف والنشر... والقراءة، إذ تؤكد الأرقام الميدانية أن كل 300 ألف عربي يقرأون كتابًا واحدًا.. أي أن سكان العالم العربي البالغ عددهم حوالي 300 مليون نسمة يعيشون في 22 دولة عربية يقرأون تسعمائة كتاب فقط لا غير، كما تشير الإحصاءات الصادرة عن اليونسكو وتقرير التنمية الإنسانية العربية (2003) إلى أن إنتاج الكتب في البلدان العربية لم يتجاوز 11% من الإنتاج العالمي رغم أن العرب يشكلون 5% من سكان العالم.
ففي عام 1991 أصدرت البلدان العربية (6500) كتاب مقابل (102000) كتاب في أمريكا الشمالية و (42000) كتاب في أمريكا اللاتينية والكاريبي ، لكنه عادل عبد الوهاب يشير إلى استقرار الكتاب الإسلامي وعدم تراجعه.
ويتحدث القائمون على صناعة الكتاب في العالم العربي عن أرقامٍ مخجلةٍ في هذا المجال بالمقارنةِ مع الأرقام المتداولة في الغرب.. "إذ لا تتجاوز مداولات سوق الكتاب العربية بيعًا وشراء الأربعة ملايين دولار أميركي سنويًّا، في حين يصل هذا الرقم في دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال لا الحصر إلى حدود 12 مليار دولار، وبعبارة أخرى إن القيمة المالية لما يتداوله سكَّان الاتحاد الأوروبي (فقط) من كتب توازي ثلاثة آلاف ضعف القيمة المالية لما يتداوله العرب مجتمعين، فالواقع يكشف تراجع سوق الكتاب في العالم العربي في السنوات الخمس عشرة الماضية بنسبة تتجاوز الـ75 في المائة، وهذا ما يفسِّر ربما اغلاق عددٍ غير قليل من دور النشر العربية خلال السنوات العشر الأخيرة، بعدما خذلها القراء العرب، "بهذا المعنى، فان العالم العربي هو خارج القراءة عمليًّا"، بحسب تعبير أحد الكتاب العرب، وبالتالي يجب أن يخرجَ الكتاب العربي من حالة التجهم التي تعتريه شكلاً ومضمونًا فهو إما جادٌّ ممل (رواية، سياسية، تاريخ...) في نظر غالبية القراء، وإما خفيف جدًّا "(طبخ، تنجيم، تطريز...)، وتغيب عن سوق الكتاب العربي أصنافُ كثيرةٌ من الكتب التي تهم شريحةً واسعةً من القرَّاء، "ففي كل فرد ثمة قارئ نائم يجب إيقاظه وتحفيزه على المطالعة".