القرار الذي صدر مؤخرًا بتقديم مواعيد الامتحانات في بعض كليات جامعة القاهرة لتبدأ منتصف شهر مايو الحالي بدلاً من مواعيدها الطبيعية آخر الشهر أو بداية شهر يونيو ليس قرارًا جامعيًا خالصًا وِفقًا لكثير من المحللين، بل من الواضح أنه قرار سياسي بالدرجة الأولى للفت انتباه الطلاب إلى الامتحانات والانشغال بها مبكرًا وسحبهم من نشاطهم السياسي المكثف، الذي تصاعد مؤخرًا في إطار مطالبهم بتحقيق إصلاحٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ، والخروج من حالة الانسداد السياسي الحالية.

 

ما يؤكد هذه الحقيقة أن تقديم الامتحانات لمدة أسبوعين يدفع الطلاب إلى الاستعداد المبكر لها ليس أسبوعين بنفس المدة المقدمة، ولكن بوقت أكبر؛ لأن كثيرًا من الطلاب سيجد نفسه غير مستعد للامتحانات المبكرة، ومن ثم يضطر إلى الانعزال سريعًا عمَّا يحدث في المجتمع ليستطيع أن يُراجع دروسه قبل الامتحانات، ولو فرضنا أن ذلك سيستغرق من أسبوعين إلى شهر فإنَّ هذا يعني النجاح في تحقيق هدف النظام باستقطاب أو حرمان المظاهرات الداعية للإصلاح من ركن هام لها وهم طلاب الجامعات.

 

ما يؤكد هذه النظرة أيضًا خبرة التعامل الأمني مع الطلاب لمنعهم من العمل السياسي، والتي فشل كثير من سياساتها في تحقيق ذلك ونجح البعض الآخر، وإنْ كانت في النهاية حرمت  الطلاب من العمل من خلال أُطر رسمية متاحة مثل: اتحادات الطلاب والأسر الطلابية وغيرها، والتي كانت متاحة سابقًا.

 

ومن هذه السياسات الأمنية لإحكام القبضة على النشاط الطلابي وحرمانهم من العمل السياسي المكفول لهم اللائحة الطلابية الشهيرة الصادرة عام 1979م، ومن بعدها نظام "التيرم" أو الفصل الدراسي في الجامعات، والذي ثبت فشله من الناحية التعليمية لعدم قدرة الطلاب على استيعاب مناهجهم الدراسية خلال فترة قصيرة لا تتعدى الشهور الثلاث ولكنها- فكرة "التيرم"- نجحت من الناحية الأمنية والسياسية لحرمان الطلاب من المشاركة في أي نشاط لانشغالهم الدائم بالاستعداد للامتحانات.

 

أيضًا سياسة تعيين الأمن للاتحادات الطلابية وعمداء الكليات ورؤوساء الجامعات، وكلها هدفت هي الأخرى لحرمان الطلاب من وسائل رسمية لاختيار مَن يمثلهم والتعبير عن آرائهم في إطار منظم ثمَّ جاءت فكرة تقديم موعد الامتحانات والتي اقتطعت من الطلاب أسبوعين كاملين، وتعد فترة طويلة في ظل نظام "التيرم" ومخالفًا للسياسة التعليمية المعلنة بإطالة عدد أسابيع الدراسة لتؤكد هذا التوجه الحكومي، خاصةً وأنَّ القرار جاء في إطار تحرك الشارع المصري لأول مرة منذ سنوات للمطالبة بتحقيق إصلاحات حقيقية.

 

مخاطر القرار

السياسات الحكومية الدائمة لإبعاد الطلاب عن العمل العام وحرمانهم من المشاركة السياسية قد تفيد النظام على المدى الزمني القصير، ولكنها قطعًا تحرم الدولة على المدى المتوسط والبعيد من وجود كوادر تدير دفة البلاد مستقبلاً وتصيبها بما يشبه العقم السياسي والمجتمعي، خاصةً وأنَّ الشباب يمثلون في المجتمعات العربية- ومنها مصر- نسبة كبيرة من إجمالي عدد السكان؛ تتراوح بين 60 إلى 65%، وهو ما يعني حرمان الدولة من النسبة الأكبر منه والطاقة الأقوى من المشاركة في مجالات العمل العام، ومنها النشاط السياسي.

 

ومقارنة بسيطة بين القيادات التي نشأت في شبابها خلال الفترة الليبرالية في مصر (قبل عام 1952م) وسبعينيات القرن العشرين الميلادي من ناحية وبين هؤلاء الذين نشأوا في ظل النظام الشمولي أو القمعي بعد عام 1952م ثم قانون الطوارئ منذ عام 1981م من ناحية أخرى تؤكد ذلك، فمعظم قيادات العمل العام حاليًا- تقريبًا-هم مَن نشأوا خلال الفترة الليبرالية- وهؤلاء قلة بفعل تقدم العمر- وجيل السبعينيات وهؤلاء قلة أيضًا لارتفاع نسبة الشباب في المجتمع، خاصةً وإذا علمنا أن جيل السبعينيات تتراوح أعمارهم الآن بين أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات فلم تعد هي الأخرى قيادات شابة.