أولاً: في الأقضية والشهادات:
1- في صفات القاضي:
كان عمر بن عبد العزيز يدقق في اختيار القضاة حتى لا يُبتلى الناس بقاضٍ يتخبط فيهم بغير حق، ولهذا فقط اشترط عمر بن عبد العزيز في القاضي خمسة شروط ولا يجوز له أن يلي القضاء حتى تكتمل فيه هذه الشروط وهي: العلم، والحلم، والعفة، والاستشارة، والقوة في الحق. فعن مزاحم بن زفر قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز في وفد أهل الكوفة فسألنا عن بلدنا وأميرنا وقاضينا، ثم قال: خمس إن أخطأ القاضي منهن خصلة كانت فيه وصمة، أن يكون فهيمًا، وأن يكون حليمًا وأن يكون عفيفًا وأن يكون صليبًا وأن يكون عالمًا يسأل عما لا يعلم، وفي رواية عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الرأي، لا يبالي ملامة الناس. وقد قال بهذا المعنى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وذهب الأئمة الأربعة إلى موافقة عمر بن عبد العزيز في كل أو جل هذه الصفات.
2- في حكم القاضي في ما استبان له ويرفع ما التبس عليه:
قد يكون هناك بعض القضايا المتشابكة والتي أمرها يحيّر القاضي فهل يحكم القاضي فيها وإن لم يظهر له الحق أم يتركها لمن هو أعلم منه؟ لقد قرر عمر بن عبد العزيز قرارًا هو درس في القضاء يجب أن يعمل به إلى يوم القيامة، ذلك أنه يرى أن القاضي إن تبين له الحق حكم به وإن لم يظهر له فلا يترك القضية وإنما يرفعها إلى من هو فوقه لينظرها، عن ميمون بن مهران أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يشكو شدة الحكم والجباية- وكان قاضي الجزيرة وعلى خراجها- قال: فكتب إليه عمر: إني لم أكلفك ما يُعنتك، أجب الطيب، واقضي بما استبان لك من الحق، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إليّ، فلو أن الناس إذا ثقل عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا. وهذا الأثر يبين أن الله- سبحانه وتعالى لم يجعل الناس في العلم ولا في الفهم سواء بل هم درجات في ذلك والذي يولي القضاء عليه أن يحكم بين الناس الذين ولي أمرهم وذلك فيهم ظهر له من الحق، فإذا شق عليه أمر من هذه القضايا فعليه أن يستشير أهل العلم في بلاده، فإن لم يجد عندهم معرفة لهذا الأمر رفعه إلى من هو أعلم منه أو إلى الأمر ليحوِّل هذه القضية إلى غيره، أو ليحكم فيها إن كان من أهل العلم، وكان عمر بن عبد العزيز له مجالس علمية يستشير فيها العلماء والفقهاء وأصحاب الرأي في أمور الدين والدنيا، وكان يقتطع من أوقات راحته في الليل، الذي أدرك عمر كم هو حيوي للتوصل إلى الحقائق وقد أعرب عن إدراكه العميق لما يأتي عن التقاء الأفكار من نتائج فكرية إيجابية، عندما سأله رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين نهارك كله مشغول، وهذا جزء من الليل وأنت تسمر معنا؟ فقال عمر: يا رجاء، إن ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها، وإن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأى ويقعد معهما حزم. وجدت ملاقاة الرجال تلقيح لألبابها.
3- في الرفق بالحمقى والنهي عن العقوبة في الغضب:
كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد. أما بعد.. فإذا حضرك الخصم الجاهل الخرق ممن قدر الله أن يوليك أمره، وأن تبتلي به فرأيت منه سوء رِعة، وسوء سيرة في الحق عليه، والحظ له، فسدده ما استطعت وبصره وأرفق به وعلمه، فإن اهتدى وأبصر وعلم كانت نعمة من الله وفضلاً، وإن هو لم يبصر ولم يعلم كانت حجة اتخذت بها عليه، فإن رأيت أنه أتى ذنبًا استحل فيه عقوبة فلا تعاقبه بغضب من نفسك ولكن عاقبه وأنت تتحرى الحق على قدر ذنبه بالغًا ما بلغ وإن لم يبلغ ذلك إلا قدر جلدة واحدة تجلده إياها، وإن ذنبه فوق ذلك، ورأيت عليه من العقوبة قتلاً فما دونه فأرجعه إلى السجن، ولا يسرعن بك إلى عقوبته حضور من يحضرك، وكان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه.
إن العقوبة أثناء الغضب يحتمل أن يتجاوز القاضي فيها الحق تحت تأثير الغضب فيظلم المذنب، وخوفًا من التعدي في العقوبة فقد طلب عمر بن عبد العزيز من القاضي أن يحبس المذنب حتى يذهب غضب القاضي، ثم يحكم عليه وهو في هدوء على قدر ذنبه.
4- خطأ الوالي في العفو خير من تعديه في العقوبة:
عن أبي عقبة أن عمر بن عبد العزيز قال: ادرؤوا الحدود ما استطعتم في كل شبهة، فإن الوالي إذا أخطأ في العفو خير من أن يتعدى في العقوبة.
5- في ترك العمل بالظن:
ولى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطي على جند قنسرين، والفرات بن مسلم على خراجها، فتباغيا.. ولم قدم قابل، وقدم الوليد ومع رؤوس أنباط قنسرين كتب عمر إلى الفرات أن أقدم فقدم، وإنه لقاعد خلف سرير عمر إذ دخل الأنباط فقال لهم عمر: ماذا أعددتم لأميركم في نُزله لمسيره إليّ. قالوا: وهل قدم يا أمير المؤمنين، قال: ما علمتم به. قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، فأقبل عمر بوجهه على الوليد، فقال: يا وليد: إن رجلاً ملك قنسرين وأرضها خرج يسير في سلطانه وأرضه حتى انتهى إليَّ لا يعلم به أحد، ولا ينفر أحدًا ولا يروعه، لخليق أن يكون متواضعًا عفيفًا، قال الوليد: أجل والله يا أمير المؤمنين، إنه لعفيف وإني له لظالم، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال عمر: ما أحسن الاعتراف، وأبين فضله على الإصرار وردهما عمر على عملهما: فكتب إليه الوليد- وكان مرائيًا- خديعة لعمر وتزينا بما هو ليس عليه: إني قدرت نفقتي لشهر فوجدتها كذا وكذا درهمًا، ورزقي يزيد على ما أحتاج إليه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحط فضل ذلك، فقال عمر: أراد الوليد أن يتزين عندنا بما لأظنه عليه، ولو كنت عازلاً أحدًا على ظن لعزلته، ثم أمر بحط رزقه الذي سأله، ثم أمر بالكتاب إلى يزيد بن عبد الملك وهو ولي عهده: إن الوليد بن هشام كتب إلي كتابًا ظني أنه تزين بما ليس هو عليه ولو أمضيت شيئًا على ظني ما عمل لي أبدًا، ولكني آخذ بالظاهر وعند الله علم الغيوب، فأنا أقسم عليك إن حدث بي حادث وأفضى هذا الأمر إليك فسألك أن ترد إليه رزقه وذكر أني نقضته فلا يظفر منك بهذا أبدًا فإنما خادع بالله والله خادعه، فلما مات عمر واستخلف يزيد كتب الوليد: إن عمر نقصني وظلمني، فغضب يزيد وبعث إليه فعزله، وأغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر ويزيد كلها فلم يلِ له عملاً حتى هلك.
6- في الهدية لولاة الأمر:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى اعتبار الهدية لولاة الأمر من خلفاء وولاة الأقاليم وقضاة وغيرهم رشوة وقد رفض الهدية مع شدة حاجته إليها وأمر الناس بعدم تقديم الهدايا لولاة الأمر كما أمر الولاة بأن لا يقبلوا شيئًا من الهدايا، عن فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فبعث فلم يجد شيئًا يشترون له به، فركب وركبنا معه فمر بدير فتلقاه غلمان للديرانيين معهم أطباق فيها تفاح، فوقف على طبق منها فتناول تفاحة فشمها ثم أعادها إلى الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم لا أعلمكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء قال: فحركت بغلتي فلحقته فقلت: يا أمير المؤمنين، اشتهيت التفاح فلم يجدوه لك فأُهدي لك فرددته قال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية. قال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة.
7- في نقض الأحكام إذا خالفت النصوص الشرعية:
كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس. وقد وافق عمر بن عبد العزيز في رد الأحكام إذا خالفت كتاب الله أو سنة نبيه أو الإجماع، الشورى وذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد أنه ينقضي الحكم إذا خالف الكتاب والسنة أو الإجماع.
8- في من ضيع أمانته فعليه اليمين بعدم التفريط:
كتب وهب بن منبه إلى عمر بن عبد العزيز: إني فقدت من بيت مال اليمن دنانير. فكتب إليه عمر: أما بعد فإني لست أتهم دينك ولأمانتك ولكن أتهم تضييعك وتفريطك، وإنما أنا حجيج المسلمين في مالهم، وإنما لأشحهم يمينك فاحلف لهم والسلام.
9- في أثر البينة الغائبة على تأخير القضاء:
كان عند عمر بن عبد العزيز نفر من قريش يختصمون إليه فقضى بينهم فقال: المقضي عليه: أصلحك الله! إن لي بينة غائبة فقال عمر: إني لأؤخر القضاء بعد أن رأيت الحق لصاحبه، ولكن انطلق أنت فإن أتيتني بينة وحق هو أحق من حقهم فأنا أول من رد قضاءه على نفسه.
10- نفقة البعير الضال:
عن الشعبي قال: أضل رجل بعيرًا فوجده عند رجل قد أنفق عليه، أعلفه وأسمنه، فاختصما إلى عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أمير على المدينة فقضى لصاحب البعير ببعيره وقضى عليه بالنفقة.
11- في حرية اللقيط:
جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أهل مكة أن اللقيط حر.
12- شهادة الرجل لأخيه أو لأبيه:
إن عمر بن عبد العزيز كتب: أن أجز شهادة الرجل لأخيه إذا كان عدلاً.
ثانياً: في الدماء والقصاص:
1- تخيير الأوفياء في قتل العهد بين العفو والدية والقتل:
كتب عمر بن عبد العزيز في امرأة قتلت رجلاً: إن أحب الأولياء أن يعفو عفوًا، وإن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وإن أحبوا أن يأخذوا الدية أخذوها وأعطوا امرأته ميراثها من الدية.
2- في التأني حتى يبلغ ولي المقتول:
كتب عمر بن عبد العزيز في رجل قُتل وله ولد صغير، فكتب أن يتأنى بالصغير حتى يبلغ
3- في عفو بعض الأولياء يسقط القود:
عن الزهري قال: وكتب به عمر بن عبد العزيز أيضًا: إذا عفا أحدهم فالدية.
4- في القتل بعد أخذ الدية:
قال عمر بن عبد العزيز: والاعتداء الذي ذكر الله أن الرجل يأخذ العقل، أو يقتص، أو يقضي السلطان فيما بين الجارح والمجروح أو يعدو بعضهم بعد أن يستوعب حقه، فمن فعل ذلك فقد اعتدى والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة، ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو عنه بعد اعتدائه إلا فإذن السلطان، وعلى تلك المنزلة كل شيء من هذا النحو فإنه بلغنا أن هذا الأمر الذي أنزل الله فيه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء، من الآية 59)، وما كان من جرح فوق الأدنى ودون الأقصى فهو يرى فيه بحساب الدية.
5- في القتيل يوجد في السوق:
كتب عدي بن أرطأة قاضي البصرة إلى عمر بن عبد العزيز إني وجدت قتيلاً في سوق الجزارين قال: أما القتيل فديته من بيت المال.
6- في القتل في الزحام:
إذا قتل الإنسان بسبب ازدحام الناس ولم يعلم من قتله فهل يذهب دمه هدرًا؟ إن عمر بن عبد العزيز يرى أن مات بهذا السبب فديته في بيت المال. فعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في رجلين ماتا في الزحام: أن يؤديا من بيت المال فإنما قتله يد أو رجل.
ثالثاً: في الديات:
1- مقدار الدية:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد أن الدية كانت على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مائة بعير.
2- في دية اللسان:
عن سليمان بن موسى قال: في كتاب عمر بن عبد العزيز في الأجناد: ما قطع في اللسان فبلغ أن يمنع الكلام كله ففيه الدية كاملة وما نقص دون ذلك فبحسابه.
3- في دية الصوت والحنجرة:
حيث إن الصوت مصدره الحنجرة وأن إتلافها قد يذهب بالصوت ومن ثم فلا كلام فقد رأى عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أن فيها الدية كاملة إذا انقطع الصوت من ضربة، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: في الحنجرة إذا كسرت فانقطع الصوت الدية كاملة.
4- في دية الذكر:
وأما الذكر فلأهميته للرجل ولأنه إذا ذهب انقطعت شهوته وذهب نسله فقد رأى عمر بن عبد العزيز أنه إذا ذهب كله ففيه الدية كاملة، وما كان دون ذلك فيحاسبه، فعن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز في الذكر الدية، فما كان دون ذلك فبحسابه.
5- في دية إفضاء المرأة:
إذا أصاب الرجل المرأة فأفضاها فقد ينتج عن ذلك منع اللذة والجماع، وقد نتج عنه عدم حبس الحاجتين والولد، ونظرًا لخطورة هذا الأمر فقد جعل فيه عمر بن عبد العزيز الدية كاملة وفي رواية عنه أنه جعل فيه ثلث الدية، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن عمر بن عبد العزيز يجعل في إفضاء المرأة الدية كاملة إذا لم يحبس الحاجتين والولد، وثلث الدية إذا حبس الحاجتين والولد.
6- في دية الأنف:
نظرًا للمصالح المترتبة على وجود الأنف من التنفس عن طريقه ومعرفة الروائح والتمييز بينها، إضافة إلى جمال الوجه بوجود الأنف، والتشويه الحاصل بقطعه كما أن العرب ترى في جدع الأنف إهانة لا يعدلها إهانة، لذلك فقد جعل عمر بن عبد العزيز فيه الدية كاملة إذا جدع من أصله، وأن ما كان دون ذلك فبحسابه.
7- في دية الأذن:
حيث إن الأذن تؤدي نصف منفعة السمع ولأنها مهما يكون في الإنسان منه اثنتان فإن عمر بن عبد العزيز يرى إذا استؤصلت أو ذهبت منفعتها ففيها نصف الدية حيث إن قوله في الأذن نصف الدية يتناول ذهاب سمعها ويتناول استئصالها.
8- في دية الرجل:
لما كان الإنسان لا يستطيع المشي إلا بالرجلين وأنه بالرجل الواحدة يكون قعيدًا ولأن الرجل مما يكون في الإنسان منه اثنتان، فقد جعل عمر بن عبد العزيز في الرجل نصف الدية.
9- في دية ما بين الحاجبين:
هناك بعض الجزئيات في الديات لم يتعرض لها العلماء وقبل عمر بن عبد العزيز، وها هو عمر بن عبد العزيز يرى فيها رأيه، من هذه الأمور دية الكسر إذا وقع بين الحاجبين وشان الوجه ولم ينقل منها العظام، فقد قال:.. فإن كان بين الحاجبين كسر شان الوجه ولم ينقل منها العظام فربع الدية.
10- في دية الجبهة إذا هشمت:
قال عمر بن عبد العزيز: في الجبهة إذا هشمت وفيها غوص من داخل مائة وخمسون دينارًا.
11- في دية الذقن:
وأما الذقن إذا كسرت فإن عمر بن عبد العزيز فيرى أن فيها ثلث الدية، فقد قال: في الذقن ثلث الدية. هكذا يقرر عمر بن عبد العزيز باجتهاده وبرأيه السديد أمورًا لم يسبق إليها منها دية الذقن إذا كسرت فإنه جعل فيها ثلث الدية نظرًا لأهميتها حيث يمتنع مع كسرها مضغ الطعام وفتح الفم. ويبدو أن هذا القول تفرد به.
12- في دية الأصابع:
نظرًا لأهمية الأصابع وخاصة أصابع اليد، فقد رأى عمر بن عبد العزيز أن في كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر الدية وفي كل قصبة من قصب الأصابع ثلث دية الأصبع إلا الإبهام لأنه قصبتان ففي كل قصبة منه نصف دية الأصبع، فعن عمر بن عبد العزيز: في كل أصبع عشر من الإبل أو عدل ذلك من ذهب أو ورق.
13- في دية الظفر:
حتى الظفر لم يغفل عنه عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- فقد جعل فيه إذا أسود أو سقط عشر دية الأصبع عشرة دنانير، فعن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع له في الظفر إذا نزع فعرّ، أو سقط أو أسود، العشر في دية الأصبع، عشرة دنانير.
رابعًا: في الحدود:
1- أهمية إقامة الحدود:
حيث إن إقامة الحدود سبب في حفظ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم واستتباب الأمن في بلادهم، فقد أكد عمر بن عبد العزيز على إقامة الحدود حتى جعلها من حيث الأهمية كإقامة الصلاة والزكاة، فقد كتب عمر بن عبد العزيز: إن إقامة الحدود عندي كإقامة الصلاة والزكاة.
2- في منع الرجوع عن الحدود بعد بلوغها الإمام:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى مسائل الحدود إذا رفعت إلى الإمام أو القاضي فإنها تكون قد بلغت حدًا لا يمكن الرجوع فيه بل يجب تنفيذ ما ثبت من الحدود.
3- في اجتماع أكثر من حد على رجل واحد:
قد يأتي الرجل بعدة جرائم قبل أن يقام عليه الحد مثل أن يزني ويسرق ويقتل، فهل قتل كافٍ عن الحدود الأخرى فيأتي عليها؟ أم أنها تقام عليه الحدود ثم يقتل؟ إن الرواية عن عمر بن عبد العزيز تدل على أنه يقيم الحدود أولاً ثم يقتله.
4- في عدم القطع أو الصلب إلا بعد مراجعة الخليفة:
رأى عمر بن عبد العزيز أن على الولاة مراجعة الخليفة في قضايا القتل والصلب، وألا يُقتل أحد ولا يُصلب إلا بعد موافقة الخليفة على ذلك.
5- يشترط في المقذوف لحده أن يكون مسلمًا:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنه لا حد في قذف كافرًا، وذلك لأن الكفر أكبر من الزنا المقذوف به، فلا حاجة إلى إثبات براءته من هذا الذنب ما دام فيه أكبر منه وهو الكفر، فعن طارق بن عبد الرحمن ومطرف بن طريف قالا: كنا عند الشعبي فرفع إليه رجلان، مسلم ونصراني، قذف كل واحد منهما صاحبه فضرب النصراني للمسلم ثمانين، وقال للنصراني: لما فيك أعظم من قذف هذا فتركه، فرفع ذلك إلى عبد الحميد بن زيد، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز فذكر ما صنع الشعبي، فكتب عمر يحسِّن ما صنع الشعبي. هكذا يرى عمر بن عبد العزيز أنه لا حد على قذف الكافر إذ ليس بعد الكفر ذنب، ولأن الكافر فيه الكفر وهو أكبر مما قذف به، إذ لو وجد فيه الزنا فهو أقل من الكفر، إذن فلا حد على من قذف الكافر.
6- عدم سقوط الحد بقذف الرجل ابنه:
إذ قذف الرجل ابنه، فهل يقام عليه الحد أم لا يقام؟ وهل من حق الأب على ابنه أن يقذف بما ليس فيه؟ وإذا كان عليه حد فهل يسقط عنه إذا عفا الابن؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن من قذف ابنه يقام عليه الحد، إلا أنه إذا عفا الولد عن والده فلا يقام عليه حد، فعن ابن جريح قال: أخبرني رزيق- صاحب أيلة- أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل افترى على ابنه، فكتب بحد الأب إلا أن يعفو عنه ابنه.
7- عقوبة قذف النصرانية تحت المسلم:
إذا كانت النصرانية تحت مسلم، ونظرًا لأن قذفها يتعدى لزوجها المسلم أو ابنها المسلم فإن عمر بن عبد العزيز يجلد من قذفها دون الحد. فعن أبي إسحاق الشيباني عن عمر بن عبد العزيز في رجل قذف نصرانية لها ولد مسلم، فجلده عمر بضعة وثلاثين سوطًا. وقد وافق عمر بن عبد العزيز في رأيه هذا الزهري، وقال قتادة: يجلد الحد. وقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يحد، وأما المالكية فقالوا: ينكل من أجل أولادها المسلمين.
8- قذف المرأة للرجل بنفسها:
عن عمر بن عبد العزيز أنه أتته امرأة فقالت: إن فلانًا استكرهني على نفسي، فقال: هل سمعك أحد أو رآك؟ قالت: لا، فجلدها بالرجل. هذه مسألة لا تتناول عقوبة الزنا، وإنما هي خاصة بالقذف، فالمرأة التي تدعى على الرجل أنه استكرهها على الزنا، هي بكلامها هذا تعتبر قاذفة له بنفسها وعليه حد القذف إلا أن تأتي ببينة تدرأ عنها هذا الحد، فسماع صياح المرأة هو عند عمر بن عبد العزيز يعفيها من حد القذف أو أن يكون أحد رآها وقد وافق عمر بن عبد العزيز في جلدها إن لم يكن لها بينة وافقه الزهري وقتادة وربيعة ويحي بن سعيد الأنصاري.
9- قطع السارق قبل خروجه بسرقته:
ذهب عمر بن عبد العزيز بأنه لا قطع على السارق حتى يخرج بسرقته، فعن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقطع حتى يخرج بالمتاع من البيت.
10- النباش سارق يستحق القطع:
إن من الناس من يأتي أمورًا تشمئز منها النفوس، حتى الميت في قبره لم يسلم من بعض المنحرفين، فهناك سارق يحفر القبر ويأخذ أكفان الميت، وهذا عمر بن عبد العزيز يرى أن النباش سارق يستحق القطع، لأن من سرق من الأموات كما سرق من الأحياء، فعن معمر قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز قطع نباشًا.
11- عقوبة شرب الخمر للمرّة الثانية:
عن عبادة بن نسي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يضرب رجلاً حدًا في خمر فخلع ثيابه ثم ضربه ثمانين رأيت منها ما بضع ومنها ما لم يبضع ثم قال: إنك إن عدت الثانية ضربتك ثم ألزمتك الحبس حتى تُحدث خيرًا. قال يا أمير المؤمنين أتوب إلى الله أن أعود في هذا أبدًا فتركه عمر.
12- عقوبة ساقي الخمر:
إن من يوفر الخمر أو يقدمها لم يشربها ينبغي أن لا تقل عقوبته عن شاربها لأنه تسبب في إيصالها لمن يشربها، ولذلك فقد جلد عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- ساقي الشراب مع الذين يشربون، فعن ابن التميمي أن عمر بن عبد العزيز وجد قومًا على شراب، ووجد معهم ساقيًا، فضربه معهم.
13- إتلاف أواني الخمر مع الخمر:
عن هارون بن محمد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يأمر بزقاق الخمر أن تشقق وبالقوارير أن تكسر.
14- إدخال الكفار الخمر إلى بلاد المسلمين:
إذا كان الكفار يعتقدون حل الخمر ويشربونها في بلادهم، فإذا جاؤوا إلى بلاد المسلمين ومعهم الخمر فهل يسمح لهم بدخولها معهم؟ أو يسمح بتوفيرها لهم ليشربوها في بلاد المسلمين؟، إن الكفار في بلاد المسلمين أن يصبروا عن الخمر ما داموا يرغبون العيش في بلاد المسلمين، وإذا كان لكل دولة نظمها والداخل إليها يجب أن يراعيها، ولأن هذا نظام دولة الإسلام وهو أيضًا نظام رب العالمين فهو أحق بالرعاية والالتزام، ومن هذا المنطلق نجد عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الذمة من إدخال الخمر معهم إلى بلاد المسلمين فقد كتب عمر في خلافته: أن لا يدخل أهل الذمة بالخمر أمصار المسلمين فكانوا لا يدخلونها.
15- في عقوبة الساحر:
عن همام عن يحيى أن عامل عُمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز في ساحرة أخذها، فكتب إليه عمر: إن اعترفت أو قامت عليها البينة فاقتلها. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد، وقد كتب عمر بن الخطاب في خلافته إلى الولاة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.
16- استتابة المرتد:
المسلمون لا يكرهون أحدًا على الإسلام ولكنهم أيضًا لا يقبلون التلاعب بالدين، فمن دخل في دين الإسلام طائعًا مختارًا أو ولد في الإسلام ثم كفر بعد إيمانه فإن عمر بن عبد العزيز يرى أن يستتاب ويدعى إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام قبل منه فإن أبى ضربت عنقه.
17- طريقة استتابة المرتد:
عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه قال: كنت عاملاً لعمر بن عبد العزيز فكتبت إليه أن رجلاً كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود فرجع عن الإسلام، فكتب إلى عمر: أن ادعه إلى الإسلام، فإن أسلم فخل سبيله وإن أبى فادع بالخشبة فاضجعه عليها، ثم ادعه، فإن أبى فأوثقه ثم ضع الحربة على قلبه ثم ادعه، فإن رجع فخل سبيله وإن أبى فاقتله. قال: ففعل ذلك به حتى وضع الحربة على قلبه، فأسلم فخلى سبيله. قال الدكتور محمد شقير: لم أر قولاً لغير عمر بن عبد العزيز بهذا التفصيل وذهب الأئمة الأربعة إلى أن المرتد يقتل بعد استتابته إذا لم يرجع إلى الإسلام.
18- عقوبة المرتدة:
رأى عمر بن عبد العزيز أن تستتاب المرتدة، فإن تابت وإلا تسترق وتباع على غير أهل دينها. وهذا رأي قتادة قال: تُسبى وتباع، وكذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة ، وروي عن الحسن قال: لا تقتلوا النساء إذا هنّ ارتددن عن الإسلام ولكن يدعين إلى الإسلام، فإن هن أبين سبين فيجعلن إماء المسلمين ولا يقتلن.
خامسًا: في التعزيرات:
1- في الحد الأقصى للضرب تعزيرًا:
العقوبة بالجلد تنقسم إلى قسمين: حد وتعزير، فالحد قد نص الشارع الحكيم عليه، فمقداره محدد، لا مجال لأحد أن يزيد عليه أو ينقص منه، وأما الجلد تعزيرًا فهو عقوبة لإتيان أمر لا حد فيه، أو أي جناية لا حد فيها فهو متروك للحاكم ليحدد مقداره حسب ما يرى، إلا أن عمر بن عبد العزيز جعل لذلك حدًا أقصى لا تجوز الزيادة عليه على قولين، الأول، لا تجوز الزيادة على ثلاثين جلدة، فعن محمد بن قيس أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بمصر: لا تبلغ العقوبة أكثر من ثلاثين سوطًا إلا في حد من حدود الله. وفي القول الثاني: لا يبلغ بالجلد تعزيرًا أقل الحدود فعلى هذه الرواية لا يزاد للحر عن تسع وثلاثين جلدة ولا يزاد للعبد على تسع عشرة جلدة، لأن العشرين للعبد والأربعين للحر هي أقل الحدود وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أن عاقبوا الناس على قدر ذنوبهم، وإن بلغ ذلك سوطًا واحدًا وإياكم أن تبلغوا بأحد حدًا من حدود الله.
2- النهي عن أخذ الناس بالمظنة وضربهم على التهمة:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى عدم جواز الأخذ بالظن أو الضرب على التهمة فهو يقرر بهذا مبدأ العدالة وترجيح التحقيق العادل على التحقيق الحازم، وذلك خوفًا من أن يظلم بريء فقد فضل عمر بن عبد العزيز أن يلقوا الله بخيانتهم على أن يلقى الله بدمائهم، عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال حدثني أبي عن جدي، قال لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقًا ونقبًا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد وأسأله أخذ الناس بالمظنة وأضربهم على التهمة أو أخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس، فكتب إلي أن أخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله، قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقًا ونقبًا وكتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز.... أما بعد أصلح الله أمير المؤمنين فإن قبلي أناسًا من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل، مالاً عظيمًا لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- أن يأذن لي في ذلك أفعل. قال: فأجابه أما بعد: فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل، فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم، وخل سبيله، وأيم الله، لأن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم. وهكذا يقرر عمر بن عبد العزيز الأخذ بالتحقيق العادل لا بالتحقيق الحازم. وقد قال بعدم الأخذ بالمظنة والضرب على التهمة كل من عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وعطاء.
3- النهي عن المثلة:
حلق الرأس جعله الله نسكًا وسنة- في الحج والعمرة- كما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن حلق اللحية ولكن بعض الناس خالفوا ذلك كله وجعلوا حلق الرأس واللحية عقوبة، وهذا عمر بن عبد العزيز ينهى عن هذا العمل ويسميه المثلة. فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له: إياك والمثلة جز الرأس واللحية ومذهب الأئمة، الأربعة أن لا يجوز التعزير بحلق اللحية وعند مالك وأبي حنيفة ولا يحلق الرأس.
سادسًا: في أحكام السجناء:
1- تعجيل النظر في أمر المتهمين:
أمر عمر بن عبد العزيز بتعجيل النظر في أمور المتهمين، فمن كان عليه أدب فيؤدب ويطلق سراحه ومن لم يثبت عليه قضية يخلي سبيله، ويرى أن إقامة الحدود سبب لقلة السجناء لأنه يكون زاجرًا لأهل الفسق والزعارة، فعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز.... فلو أمرت بإقامة الحدود لقلَّ أهل الحبس، ولخاف أهل الفسق والدعارة، ولتناهوا عما هم عليه، إنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمورهم، إنما هو حبس وليس نظر، فمر ولاتك جميعًا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل الأيام، فمن كان عليه أدب وأطلق، ومن لم تكن له قضية خلي عنه.
2- في الاهتمام بأمور المسجونين:
قام عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- بالإصلاح على كل طريق، وحقق العدل على كل صعيد، فقد اهتم بأمر المسجونين اهتمامًا شديدًا، وأصدر تعليماته بتعهدهم بكل ما يحتاجونه من طعام وأدم وكسوة وغير ذلك، وعن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز:..... وأجروا عليهم من الصدقة ما يصلحهم في طعامهم وأدمهم... فمر بالتقدير لهم ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم، وصير ذلك دراهم تجري عليهم في كل شهر يدفع ذلك إليهم، فإنك إن أجريت عليهم الخبز ذهب به ولاة السجن والقوام والجلاوزة، ووكل ذلك رجلاً من أهل الخير والصلاح، ويدفع ذلك إليهم شهرًا بشهر، يقعد ويدعو باسم رجل رجل ويدفع ذلك إليه في يده... وكسوتهم في الشتاء قميص وكساء وفي الصيف قميص وإزار، وتزاد المرأة مقنعة.... ومن مات منهم ولم يكن له ولي ولا قرابة يغسل ويكفن من بيت المال ويصلى عليه ويدفن. وكتب إلى أمراء الأجناد: وانظروا من في السجون ممن قام عليه الحق... ولا تعد في العقوبة، ويعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال.... وانظر من تجعل على حبسك ممن تثق به ومن لا يرتشي، فإن من ارتشى صنع ما أمر به.
3- سجن خاص بالنساء:
يمضي عمر بن عبد العزيز قدمًا في تنظيم السجون والاهتمام بأمر المسجونين وتعاهدهم، فيأمر بأن يجعل للنساء حبس خاص بعيدًا عن الاختلاط بالرجال مما يؤكد اختيار أهل الدين والأمانة، ليتولوا أمور السجناء. فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد: وانظروا من في السجون ممن قام عليه الحق فلا تحبسه حتى تقيم عليه، ومن أشكل أمره إلي فيه، واستوثق من أهل الزعارات فإن الحبس لهم نكال، ولا تعد في العقوبة، ويعاهد مريضهم ممن لا أحد له ولا مال، وإذا حبست قومًا في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الزعارات في بيت واحد ولا حبس واحد واجعل للنساء حبسًا على حدة، وانظر من تجعل على حبسك ممن تثق به ومن لا يرتشي فإن من ارتشى صنع ما أمر به ومما سبق نلاحظ اهتمام عمر بن عبد العزيز بالسجناء وحرصه على إقامة العدل فيهم وإصلاح ما أفسده من قبله في التعامل معهم.
سابعًا: في أحكام الجهاد:
1- سن من يشرع له الاشتراك في القتال:
كان شباب الرعيل الأول من المسلمين يتسابقون ويتنافسون على الاشتراك في القتال، وإذا لم يسمح لا حدهم بالاشتراك في القتال فإنه يتحسر ويحاول إقناع ولي الأمر بأنه لا يستطيع القتال وقد حدد عمر بن عبد العزيز سن من يسمح له بالقتال، والفرض له مع المقاتلة حدده بخمس عشرة سنة ومن كان دون ذلك فيكون فرضة في الذرية ولا يسمح له بالاشتراك في القتال.
2- كيفية بداية قتال غير المسلمين:
عن صفوان ابن عمرو قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة إلى عامله أن لا تقاتلن حصنًا من حصون الروم ولا جماعة من جماعتهم حتى تدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا فاكفف عنهم وإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فانبذ إليهم على سواء.
3- في مدة الرباط:
الرباط في سبيل الله من أحب الأعمال إلى الله تعالى ويترتب عليه الأجر الوفير من الله سبحانه وتعالى، وقد ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن مدة الرباط أربعون يومًا، فقد قال: تمام الرابط أربعون يومًا.
4- في حكم تصرف المقاتل في ماله:
قال عمر بن عبد العزيز: إذا كان الرجل في الحرب على ظهر فرسه يقاتل فما صنع في ماله فهو جائز.
5- في بيع الخيل للعدو:
بيع السلاح ونقله أو الخيل أو ما يقوى الأعداء ويشد من أزرهم ويقويهم على حرب المسلمين، جريمة في حق من يفعله وينبغي حجز هذه الأشياء وما في حكمها حتى لا تصل إلى العدو ومن هذا المنطلق منع عمر بن عبد العزيز حمل الخيل إلى الهند باعتبارها بلدًا من بلدان المشركين في زمن عمر بن عبد العزيز، والعداوة لا تخفى بين أهل الإسلام وأهل الشرك.
6- افتداء أسارى المسلمين ولو كثر الثمن:
أكد عمر بن عبد العزيز على وجوب فك أسارى المسلمين في رسائله إلى عماله بأن يغادروا مهما بلغ ذلك من المال، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أن فاد بأسارى المسلمين وإن أحاط ذلك بجميع مالهم، وعن ربيعة بن عطاء عن عمر بن عبد العزيز أنه أعطى برجل من المسلمين عشرة من الروم وأخذ المسلم. وفي رواية أن فادوا بأسارى المسلمين وإن أحاط ذلك بجميع مالهم.
7- افتداء الرجل والمرأة والعبد والذمي:
عن ربيعة بن عطاء قال: كتب عمر بن عبد العزيز معي وبعث بمال إلى ساحل عدن أن افتدي الرجل والمرأة والعبد والذمي. مما تقدم يظهر عدل عمر بن عبد العزيز جليًا حيث أمر بافتداء من يعيش على أرض المسلمين حتى ولو كان عبدًا أو ذميًّا لأن الذمي له أن يحفظ ويدافع عنه ويفتد لو وقع في الأسر، وهذا أكبر دليل على وفاء المسلمين بذمتهم إلى أبعد مما يتصوره أحد.
8- كراهة قتل الأسرى:
عن معمر قال: أخبرني رجل من أهل الشام ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز ما رأيت عمر بن عبد العزيز قتل أسيرًا قط، إلا واحدًا من الترك قال: جئ بأسرى من الترك، قال: فأمر بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا- لأحدهم- وهو يقتل في المسلمين لكثر بكائك عليهم: قال: فدونك: فأقتله، قال: فقام إليه فقتله.
لقد كره عمر بن عبد العزيز قتل الأسرى، ومنع ذلك إلا واحدًا قتل كثيرًا من المسلمين، ولكنه أذن في أن يسترقوا.
ثامنًا: في النكاح والطلاق:
1- زواج المرأة بغير ولي:
عن سفيان عن رجل من أهل الجزيرة عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً تزوج امرأة ولها ولي هو أدنى منه بدروب الروم، فرد عمر النكاح وقال: الولي وإلا فالسلطان.
2- تزويج الوليين للمرأة على رجلين:
عن ثابت بن قيس الغفاري قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في جارية من جهينة زوجها وليها رجلاً من قيس، وزوجها آخر رجلاً من جهينة، فكتب عمر بن عبد العزيز أن أدخل عليها شهودًا عدولاً وخيرها فأيهما اختارت فهو زوجها.
3- زواج الرجل بالمرأة بعد الفجور بها:
إذا زنى رجل بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها فهل يحل له ذلك؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى جواز ذلك إذا رأى منها خيرًا، وهذا رأي رشيد لأنه يسد كثيرًا من أبواب الشر لأنه لا فرق بين من فجر بها ومن لم يفجر بها، فلو قلنا لا يجوز ذلك فغير هذا الرجل أولى بأن لا يقبلها، وفي هذا شرور ومفاسد عظيمة، عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز سئل عن امرأة أصابت خطيئة، ثم رأى منها خيرًا، أينكحها الرجل؟ فقال له: الظن كما بلغني، أي إنها له.
4- نكاح امرأة الأسير:
عن عمر بن عبد العزيز قال: لا تنكح امرأة الأسير أبدًا مادام أسيرًا. فالأسير المسلم إنما وقع في الأسر نتيجة لإقدامه وبلائه في قتال الإعداء رفعًا لراية الإسلام، أو دفاعًا عن بلاد المسلمين وتقديرًا لهذا الموقف النبيل حيث ضحى بنفسه في سبيل دينه، فإن على امرأته أن تقدر له ذلك وأن تصبر حتى يفك الله أسره ثم يعود إليها خاصة أن بقاءه في الأسر وغيبته هذه ليست من اختياره، كما أن إطلاق سراحه محتمل في كل وقت ولذلك كله كان من العدل والإنصاف أن لا تتزوج امرأة الأسير مادام أسيرًا.
5- نكاح امرأة المفقود:
إذا فقد الرجل وانقطعت أخباره، فلا يدرى أحي هو أم ميت فهل تبقى زوجته تنتظره؟ وما مدة الانتظار؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن امرأة المفقود تعتد أربع سنين وبعدها تتزوج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أن امرأة المفقود تعتد أربع سنين، والظاهر أن عمر بن عبد العزيز يرى جواز زواج امرأة المفقود بعد مضي السنين الأربع، والعدة بعدها أربعة أشهر وعشرًا.
6- صداق المطلقة قبل الدخول بها في مرض زوجها:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن لها نصف المهر، فلا تأثير لتطليق زوجها في حال المرض، فعن عمر بن عبد العزيز قال: لها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدة عليها.
7- اشتراط الرجل لنفسه شيئًا عند زواج ابنته:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن المهر للمرأة وإن اشترط والدها شيئًا لنفسه فهو للمرأة دون الأب، وعن الأوزاعي أن رجلاً زوج ابنته على ألف دينار وشرط لنفسه ألف دينار فقضى عمر بن عبد العزيز للمرأة بألفي دينار دون الأب.
8- في اللعب بالطلاق جد:
يرى عمر بن عبد العزيز، أن الرجل يحاسب على الطلاق سواء كان جادًا أوهازلاً، فعن سليمان بن حبيب المحاربي قال: كتب إليّ عمر بن عبد العزيز: مهما أقلت السفهاء عن شيء فلا تقيلوهم الطلاق والعتاق.
9- في طلاق المكره:
قد يحصل للإنسان بعض مواقف يكره فيها على الطلاق كأن يستحلف بالطلاق على أن يفعل كذا أو يترك كذا، وقد يكره ويهدد إذا لم يطلق امرأته، فهل هذا النوع من الطلاق على الصفة يقع؟ ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن طلاق المكره لا يقع، عن عمر بن عبد العزيز قال: لا طلاق ولاعتاق على مكره.
10- في تطليق الرجل نصف تطليقة:
قيل لعمر بن عبد العزيز: الرجل يطلق امرأته نصف تطليقة قال: هو تطليقة.
11- تطليق المرأة نفسها إذا جعل أمرها بيدها:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن الطلاق يقع وأن هذا الطلاق وإن كان ثلاثًا يعتبر واحدةً، وهو أحق بها إن أراد مراجعتها، فقد كتب عمر بن عبد العزيز في رجل من بني تميم جعل أمر امرأته بيدها، قال: إن ردت الأمر عليه فلا شيء وإن طلقت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها.
12- إسلام المرأة تحت الكافر:
إذا أسلمت المرأة تحت الرجل الكافر فإنها تخرج منه، ويفرق بينهما، فعن معمر بن سليمان عن أبيه أن الحسن وعمر بن عبد العزيز قالا في النصرانية تسلم تحت زوجها، قالا: الإسلام أخرجها منه. فمتى أسلمت المرأة وبقى الرجل على الكفر فلا بد من التفريق بينهما، حتى لا تكون للكافر ولاية على مسلمة، لأن هذا غير مقبول في شرع الله، فعن عمر بن عبد العزيز يرى أنه إذا أسلمت المرأة تحت الرجل الكافر فإنها تخرج منه ويفرق بينهما، وهذا التفريق لا يأتي إلا بعد عرض الإسلام عليه فإن أسلم فهي امرأته وإن أبى فإن عمر بن عبد العزيز يرى أن ذلك تطليقة بائنة. وأما إذا أسلم ولازالت امرأته في العدة فهو أحق بها.
13- مدة انتظار الغائب:
ذهب عمر بن عبد العزيز إلى أن هناك حدًا أقصى لمدة الغيبة وهو سنتان، وبعدها إما أن يقفل الغائب إلى زوجته، وإما أن يطلقها، فقد كتب: من غاب عن امرأته سنتين فليطلق أو ليقفل إليها.
هذه بعض الاجتهادات الفقهية والفتاوى والأحكام القضائية التي مارسها عمر بن عبد العزيز والتي تدل على تبحره في المسائل الشرعية وقدرته على الاجتهاد وإصدار الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله ومن سبقه من الخلفاء الراشدين وعلماء الأمة، وقد قام الدكتور محمد شقير بجمع فقه عمر بن عبد العزيز، في مجلدين فمن أراد التوسع فليرجع إلى هذه الرسالة العلمية التي نال بها صاحبها درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء بالرياض في المملكة العربية السعودية.