هم الإخوان المسلمون، الذين أشهد أنهم مدرسة كبيرة وعظيمة وممتدة، تربت فيها أجيال متعاقبة، تلمح فى أقوالها وفعالها وسلوكها وأخلاقها أثر النبوة، وسيما الصلاح والجدية والوقار، وما كنا نعلم أن فى تلك الأمة آثار من عبق الصحب الكرام وسلفنا الصالح حتى عرّفنا الله بتلك الثلة المباركة، التى نقلتنا من ساحات التيه والجهل إلى واحات الفهم والعلم والطاعة والذكر. 


لقد عاصرنا إخوة لنا، كانوا قبل تعرفهم على الإخوان أمثلة فى الضياع والتفريط وقلة الحيلة، ثم إنهم صاروا- لما اختلطوا بأعضاء الجماعة- قدوات فى البر والفضيلة وفعل الخير، والتفوق فى مجالات العلم والعمل الدنيوي، وما ذاك إلا لأنهم أشربوا الإسلام الصحيح، بطرق صاغها المؤسس الأول -رحمة الله عليه- ووضع لها الأركان والتتمات حتى صارت ثوابت تورث، قلما تنتج نتاجًا ذا عوج. 

إن ما يتعلمه الفرد فى الإخوان المسلمين، وما يعايشه، وما يؤمر به وما يُنهى عنه.. تجعله شخصًا آخر غير الذى كان، فهو ذو همة، ورأى ونشاط وعزيمة، ينظر إلى الدنيا وعينه على الآخرة، مقدام لا يعرف الترد أو الخبث أو المراوغة، سليم الصدر عف اللسان بعيد عن الشبهات، مثقف الفكر، كيس فطن، ليس ممن يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، بل هو من يقول (ها أنذا)، لعلمه أنه يستمد فكره من الدستور الخالد الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو لا يزيغ ولا يضل ولا يطغي، فإن مسه طائف من الشيطان تذكر فإذا هو مبصر رشيد. 

التحق الجهال بالإخوان فصاروا دعاة وأئمة فى الفقه والدين، والتحق من كانوا لا يؤبه لهم بالجماعة فصاروا شيئًا عظيمًا تتفاوض معهم الحكومات والدول، ولو بقوا على حالهم الأولى لعاشوا وماتوا فلم نسمع لهم ذكرًا، غير أنهم لما أخلصوا نياتهم لله وعقدوا العزم على أن ينصروا دينه، رزقهم الله من جعلهم أئمة هدى ومصابيح رشد، وقد حازوا -لا نزكيهم على الله- خيرى الدنيا والآخرة.
 
وإن أدبيات الجماعة وصفحات تاريخهم الممتد، مليئة بمئات الأسماء والأمثلة التى حولها الإخوان من حال إلى حال، ولم ينكروا أنهم تعلموا ما تعلموا من إخوانهم الذين إذا بنوا أحسنوا، وإن عاهدوا وفوا، وإن قاموا قامت الدنيا لهم، فهم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء الصحابة وحلقة فى سلسلة السلف الكريم، فإذا ما سمعنا ورأينا أوشاب الخلق يرمونهم بالرذائل والنقائص قلنا: الحمد لله أن شرفهم بهذه المنزلة، فتلك طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد الخاتم، ما جاء أحد بمثل ما جاءوا به إلا أوذى وأخرج من بلده وألحق به وبصحبه أشد العذاب. 

ستظل دعوة الإخوان المسلمين جامعة إسلامية تاريخية كبري، يتخرج منها الدعاة والمصلحون والأسوياء والفائقون، فلن ينافسها مدرسة وجامعة أخرى ما بقيت على الطريقة التى أسست عليها، فإن حقل المتدربين فى هذه الجامعة هو القرآن الكريم وسنة النبى الكريم، وإن ورش العمل فيها يديريها أفذاذ صالحون مبرزون فى أقوامهم وأهليهم، وإن برامجها العملية تقاس بتأثير الكتاب والسنة فى هذا العضو أو ذاك، وهل صار طوعًا للخالق أم مازال مترددًا متذبذبًا بين الشك واليقين.. 

أثناء محاكمات الإخوان عام 1955، تولى اللواء صلاح حتاتة رئاسة إحدى هذه المحاكم الظالمة، وكان سفيهًا متطاولاً على أبناء الدعوة بالسخرية والشتم، فما سلم واحد من الذين عُرضوا عليه من السب بأقذر الألفاظ، وبما أن الليلة السابقة للمحاكمة كانت تخصص لتعذيب الإخوان كى لا يتحدثوا بكلمة واحدة أمام المحكمة -فلم يكن يجرؤ أحدهم على الرد عليه أو مراجعته، إلا أن اثنين خالفا القاعدة ولقناه دروسًا فى الاحترام والأدب، أولهما محمد أنور رياض الذى قال له بالحرف: احترم الكرسى الذى تجلس عليه أيها القاضي. أما الثانى فهو البطل الشهيد أحمد حامد قرقر (والد الدكتور محمد مورو) الذى أجاب عن أسئلة القاضى بطريقة جلبت التعذيب الرهيب له ولباقى إخوانه بعد عودته إلى المعتقل. فحينما سأله حتاتة عن سبب ممارسته للدعوة رغم حظر الحكومة لأنشطة جماعته وإصدارها قرارًا بحلها، أجاب قرقر: «نحن لا نعترف بقرار الحل، فإننا لم نأت بقرار كى نُلغى بقرار، وقد عشنا إخوانًا مسلمين، وسنظل إخوانًا مسلمين، وإذا متنا فسوف تنطق كل قطرة من دمنا باسم الإخوان المسلمين». 

ورغم ما تعرض له قرقر من تعذيب وإيذاء بسبب هذه الجرأة، فإنه كان يلقى احترام عساكر وجاويشية السجن. يحكى الدكتور نجيب الكيلانى فى مذكراته أن 
"أحمد حامد قرقر" كان جالسًا معنا، وجاء الجاويش أمين؛ رائد التعذيب الأول فى السجن الحربي، ولما رآه اقترب منه، وصافحه بحرارة وقال:"انت راجل يا قرقر.. لا يوجد فى مصر كلها عشرة مثلك.. انت بطل.." ثم نادى بأعلى صوته قائلاً: "يا عسكري.. هات شاى لقرقر". 

لقد حُكم على البطل أحمد حامد قرقر، بالأشغال الشاقة عشر سنوات، ثم نُقل إلى ليمان طره مع عدد من إخوانه حيث قُتل بعد ذلك بنحو عامين داخل السجن فى حادث طره الشهير الذى دبرته الحكومة ضد مسجونى الإخوان وراح ضحيته واحد وعشرون سجينًا.. رحم الله البطل الشهيد.