"مش هنسلم مش هنلين" هكذا همس في أذني أحد المصريين الثوار الأحرار الطالب بالصف الثالث الإعدادي في قفص المحكمة بجواري ينتظر محاكمته لاشتراكه في أحد المظاهرات (عامل ايه يا ابو حميد) فأجاب في حماسة وقوة: "مش هنسلم مش هنبيع" بروح جميلة ثابتة تدل على شبابية هذه الثورة وأنها ثورة ولادة متجددة، هذا الشباب الصغير وآخرين من أقرانه قاموا لتحرير الوطن من المستعمرين والفاسدين.

نعم.. أننا اليوم على الطريق الصحيح، ونحن في نهاية المشهد، وأنه القصف على الجدار الأخير وهذه بعض الدلالات:

أولاً: استمرار الحراك الثوري السلمي للثوار حوالي عام ونصف منذ بداية الانقلاب العسكري والحفاظ على السلمية وعدم استخدام العنف رغم كل المماراسات القمعية من قتل واعتقال ومطاردة ومصادرة أموال بل تضاعفت الفعاليات حتى وصلت لأكثر من 1400 فعالية في يوم التظاهر الرئيسي يوم الجمعة.

ثانيًا: التجدد الجغرافي للثورة والثوارات في العالم دائمًا تكون في العواصم الكبرى، إلا أن ثورتنا أصبحت في كل مدينة وقرية ونجع وجامعة ومدرسة ومصنع فالثورة أصبحت في قلوب المصريين إيمانًا وعقيدة فهم يريدون التحرير من الظلم والاستبداد.

ثالثًا: التنوع العمري والفئوي للثوار، ما بين كبار السن ، وطلاب الجامعات وطلاب الثانوي والعمال، وحدث ولا حرج عن الملحمة التي تسطرها نساء مصر وخاصةً الفتيات في الجامعة والمدارس وحركة 7 الصبح وخلافه.

رابعًا: ظهور أكذوبة الظهير الشعبي للانقلابيين، والتي فضحت بقوة في الاستفتاء على الدستور في محاولةٍ يائسة لشرعنة الانقلاب ثم كان الانتهاء لهذه الأكذوبة فيما سمي "الانتخابات الرئاسية"؛ حيث ظهر رموز الانقلاب على شاشات الإعلام يستجدون أصوات الشعب المصري، في مشهد يبين مدى انهيار هذه الأكذوبة من الشعبية.

خامسًا: التخطيط في تطبيق خارطة الطريق المزعومة تدل على انهيار مركزية الدولة وتعدد القيادات واختفاء المنسق العام للمشهد فهناك أكثر من يد تعبث في المشهد الانقلابي والنتيجة طرطور جديد بطعم العسكر.

سادسًا: الفشل المتكرر للانقلابين، فغالبًا ما تنجح الانقلابات خلال 72 ساعة الأولى في إحداث نقلة نوعية في حياة الشعوب عن الإدارات السابقة وصناعة جدار الخوف، لكن انقلاب 3 يوليو يواجه فشلاً متكررًا علي المستوي السياسي العام الدولي وفي عدم الاعتراف الدولي حتى الآن، وفشله الواضح في تشويه القضية الفلسطينية في الحرب الأخيرة، فضلاً عن فضيحة تورط الجيش المصري في ضرب ليبيا، وعلى المستوى الداخلي فشل في إدارة الأزمات الداخلية ويطل علينا زعيم الانقلاب في خطابٍ سطحي ليبرر الظلام التام لمصر، وحدث ولا حرج عن أزمة التموين، والوقود، وغلاء الأسعار، والبطالة، وإغلاق المصانع.. الخ.

سابعًا: تغير المناخات، فلم ينجح الانقلابيين في صناعة جدار الخوف وتعميق حالة الكراهية والانقسام في الشارع، ففي مثل هذه الأيام كانت أغاني الانقلاب تتقدم الأفراح والمواصلات وطابور المدارس ورنات المحمول، واختفت ظاهرة اعتراض المسيرة من الأهالي الشرفاء وانضمت شوارع جديدة للثورة، والثوار بعد أن تبيَّن لهم زيف هذا الانقلاب.

ثامنًا: وجود رأية ورأس لهذه الثورة متمثلة في التحالف الوطني لدعم الشرعية واستمراره ونجاحه في إدارة المشهد سواء على المستوى السياسي أو على مستوى حركة المتظاهرين في الشارع وبناء العقلية النورية في ظلِّ الإستراتيجية السلمية المبدعة، فضلاً عن استمرار هذا التحالف رغم المحاولات المضنية لتفتيته.

تاسعًا: استمرار جماعة الإخوان المسلمين كنواةٍ للثورة وعمود فقري لها لتأدية دورها والقيام بواجبها التاريخي في إرساء قواعد الحرية وتحرير الوطن من الفاسدين والمستبدين باعتبارها أحد مكونات الجماعة الوطنية المخلصة برغم الفاتورة الضخمة التي دفعتها من شهداء ومعتقلين ومصادرة أموال ومطاردين ومحاولة تشويها ووصمها بالإرهاب.

عاشرًا: الصمود الأسطوري للرئيس المنتخب الشرعي الدكتور محمد مرسي وعدم تنازله عن المسار الديمقراطي في تداول السلطة وهي الطريقة التي ارتضاها العالم الحر.

حادي عشر: انكشاف الزعامات الثورية الزائفة التي طالما تغنت بالحرية والليبرالية وأصبحت هي عراب هذا الانقلاب؛ مما يسهل المهمة مستقبلاً في بناء وطن حر قائم على الشراكة الوطنية الحقيقة.

وأخيرًا.. إن كل هذه الدلالات وغيرها الكثير تؤكد انكسار الانقلاب وأن المشهد في نهايته حتى وأن طال مشهد النهاية قليلاً، وانتصار الثورة بات قاب قوسين أو أدنى بإذن الله، فالثورة أصبحت في قلوب المصريين تنتظر اللحظة المواتية للحسم ووضع مصر على الطريق الصحيح ليفرح الثوار بنصر الله وتأييد الحق.

والله أكبر وتحيا مصر حرة أبية.
---------------------------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والقيادي بتحالف دعم الشرعية
* معتقل في سجن الأبعادية