بقلم: عماد عجوة

عالمنا العربي والإسلامي زاخرٌ بكنوز رائعة من المعالم الإسلامية التي تمثل النتاج المادي للحضارة الإسلامية، والتي تزخر بها متاحف العالم، إلى جانب التراث المعماري، منه ما يقصد للتعبد قبل أي شيء آخر، كبيت الله الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنوَّرة، والمسجد الأقصى في القدس الشريف، فكَّ الله أسره من أيدي اليهود الغاصبين.

 

ومن المعالم التي تستحق القصد والاهتمام والمشاهدة أيضًا في بلاد الإسلام الآثارُ الحضارية للأمم السابقة على الإسلام، كالفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا، والآشورية والبابلية والسومرية في العراق، والسبأية والحميرية في اليمن، والبربرية في بلاد المغرب، ومدائن صالح بالسعودية وغيرها، فالتمتع بمشاهدة هذه المعالم أمرٌ مباح شرعًا في الإسلام، ويمكن أن تتحول من عادة إلى عبادة للزائر المسلم، حين تتحقق فيها مراميها وأهدافها الإسلامية؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: من الآية 20)، ومشاهدة هذا التراث التي تزخر به بلادنا بهذا المعنى أمرٌ مشروعٌ ومحمودٌ ولا يمنعه الدين بل يشجِّع عليه كما سيتضح فيما بعد.

 

دعوة للتأمل

 

يهدف الإسلام الحنيف من وراء دعوة المسلمين للسياحة ومشاهدة تراث الأمم السابقة على أمة الإسلام إلى التأمل والعظة واستخلاص الدروس والعبر منها، فقد تكررت دعوة المولى سبحانه وتعالى لعبادِه بالمشي في مناكب الأرض للتأمل والتدبُّر والتفكُّر في ملكوته وصنعه جل وعلا، وكذلك للوقوف أمام عظمته وما فعله بالظالمين الذين كذبوا رسالاته وأشركوا وعبدوا الأوثان والطواغيت من دونه سبحانه وتعالى، فالقرآن الكريم يوضح لنا ذلك في الآيات التالية.. يقول المولى عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ( يوسف: 109) وقوله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: 101)، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55) ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11)، ويقول تعالى: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ( سورة النحل: من الآية 36).

 

ولمشاهدة المعالم الأثرية الإسلامية وغير الإسلامية في بلاد الإسلام فوائد كثيرة، منها تكميل النفس وتعليمها، يقول الإمام الشافعي: إن في الأسفار خمس فوائد، هي: تفريج همّ، واكتساب معيشة، وعلم وآداب، وصحبة، وإبراز المميزات الخاصة لكل دولة إسلامية؛ بحيث تجعل منها وجهةً سياحيةً متميزةً، وكذلك إبراز مدى غِنَى الإرث التاريخي والحضاري والثقافي للدول الإسلامية، كما أن زيارةَ الأماكن الأثرية هي إحدى سبل سدّ الفراغ في حياة الشباب وتعميق الإيمان في قلوبهم وكذلك الوطنية والانتماء، وهي ركيزة فكرية تحميهم من الغزو الفكري المكثَّف الذي يتعرضون له في معتقداتهم، حين يعلمون مِن مشاهدتهم لحصاد حضارتهم أنهم أصحابُ تاريخ عظيم سطَّره أجدادُهم المسلمون، علَّموا به الدنيا وقت ظلامه