نقد: عمرو محمود

عندما شاهد الرئيس جمال عبد الناصر وأركان نظامه فيلم (شيء من الخوف) لم يصدقوا ما كتبته التقارير الأمنية وقتها، من أن الفيلم يشير إليهم بأصابع الاتهام، ويشبِّه نظامَ حكمهم بعصابة عتريس، الأمر الذي يعني قصورًا في فهمِ إشارات الفيلم وتلميحاته حول فساد السلطة ورجالها.

 

الشيء نفسه ينطبق على فيلم (عمارة يعقوبيان) الذي يحمل الفكرة نفسها ولكن "موديل 2006"؛ حيث يحكي الفيلم قصة الفساد الذي تغرق فيه مصر اليوم، من خلال عمارة شهيرة في منطقة وسط البلد، تسكنها عيِّنةٌ تمثل الشعب المصري، ففيها زكي "عادل إمام" ابن الباشا الوزير السابق، والذي يعيش حياة الأعزب الذي جاوز الستين وأهدر حياتَه وراء نزواته، وفي العمارة أيضًا عزَّام "نور الشريف" ماسح الأحذية الذي حاز الملايين وأصبح عضوًا في مجلس الشعب؛ ليحقِّقَ المزيدَ من الأرباح، رغم وضاعة أصله، وأيضًا يسكن في العمارة الصحفي حاتم رشيد (الشاذ) ويعيش البوَّاب وأسرته الفقيرة في أسفل العمارة ويرقد على السطوح عددٌ من الأُسَر الفقيرة التي تكافح وتضحِّي من أجل لقمة العيش.

 

الفيلم لا يقدم قصة حب بين أحمد ومنى ولا حتى عنتر وعبلة؛ مما جعله يخرج على الإطار التقليدي للسينما المصرية وأصبح حالةً متفردةً في سوق السينما الذي يتحكَّم فيه الباحثون عن الأرباح من خلال سيناريوهات سطحية ومجموعة أنصاف موهوبين، كل ما يحلمون به الفلوس والشهرة، بينما أدمِغَتُهم مسطحةٌ خاليةٌ من أي فكرٍ أو ثقافةٍ.

 

لذلك عندما جاء "عمارة يعقوبيان" كان هو الاستثناء الذي يحمل فكرةً ويكشف المخبوء خلف الأبواب التي يوصدها الغلابة على أنفسهم، ويسلط الأضواء على ما يجري في كواليس السياسة، ويشرح باقتدار الأسباب التي جعلت الكلَّ يبيع، مثل زكي الثري ابن الباشا، الذي باع كرامته وحياته مقابل نزواته، والفتاة الفقيرة التي تتنازل عن كبريائها وحيائها من أجل العمل والحصول على لقمة العيش، والأرمل التي توافق على الزواج من رجل الأعمال الثري رغم شروطه الظالمة التي تحرمها من ابنها وتحرمه من رعايتها، والسياسي الكبير في الحزب الحاكم الذي يتاجر بمنصبه المهم ويبتزّ رجال الأعمال ويبيع لهم السلطة مقابل المعلوم، وهكذا يعرض الفيلم بتلخيص شديد وتكثيف معبِّر حالةَ مصر التي نعرفها اليوم.

 

فكّ شفرة الفيلم

 

 علاء الأسواني

عندما صدرت رواية يعقوبيان للأديب علاء الأسواني سألوه عن رموز الرواية التي كانت واضحةً وضوحًا شبه كامل أمام القرَّاء فكان ردّ الأسواني أنه لا يقصد شيئًا مما فهمه القرَّاء، وهذا ما قاله المؤلف للصحافة في أحاديث متعددة، لكن بعد عرض الفيلم كان واضحًا أمام الجمهور وعلى نطاق أوسع (مشاهدو السينما، بالإضافة إلى قرَّاء الرواية الأصلية) أن الرموز سهلة الحل، وعلى سبيل المثال الصحفي الشاذ حاتم رشيد ظهر في مشهد اجتماع مجلس تحرير الجريدة التي يرأس تحريرها وتصدر باللغة الفرنسية وأمامه نُسَخٌ من جريدة (الأهرام)؛ مما يؤكد أن المقصود هو رئيس تحرير الجريدة إياها الصادرة عن مؤسسة الأهرام والذي يشغل الآن منصبًا كبيرًا يتعلق بالأدب والثقافة.

 

وكذك شخصية كمال الخولي السياسي الكبير الذي يتاجر بمنصبه في الحزب الحاكم ويفرض الإتاوات على الراغبين في السلطة، وليس مطلوبًا أن يبذل أحد أدنى جهد في التعرف على الشخصية الحقيقية لهذا الرمز، والذي كان يشغل المنصب ذاته في الحزب الحاكم، بل يتحكَّم في الوزراء ورئيس الحكومة وكلمته نافذة عند القيادة السياسية، ويخشاه جميعُ أعضاء الحزب الذين يتقربون إليه بشتى الوسائل، ومنها دفع الأموال نقدًا أو بشيكات، بل إن اسمه أيضًا (كمال) وهو الذي قام بدوره بكل إتقان خالد صالح، ولذلك يكون صحيحًا ما تردد عن قيام الشخصية الحقيقية لكمال بالذهاب إلى دور السينما في إحدى الحفلات المتأخرة لمشاهدة نفسه في الفيلم، وربما لو كان كمال الحقيقي في نفوذه وهيلمانه الآن لانتَقَم من الجميع، لكن القدَرَ شاء له أن يُصبح الآن وزيرًا سابقًا ومديرًا لأحد المجالس القومية، أي أنه الآن مجرد من أسلحته التي كان يُرهب بها جميع مخالفيه بلا استثناء.

 

أما شخصية عزام "نور الشريف" الذي كان ماسحًا للأحذية وأصبح من ذوي الملايين عندما بدأ يتمرد على كمال نسفه الأخير ثم أعاده بعد دفع المعلوم، فهي إشارةٌ واضحةٌ إلى كل رجال الأعمال الذين تفضحهم الصحافة بالوثائق والمستندات وتؤكد الأجهزة الرقابية إدانتهم، بحيث لا يصبح أمامهم إلا السجن، ولكن فجأةً يبدأون في تسوية ديونهم بشكل مُريح ويتم رفعُ سيف العدالة عنهم ويعودون إلى المزيد من النهب والأمان في ظل المصالحة مع السلطة ورضاها المشمول بالتأمين الكامل لعمليات سرقة الوطن.

 

النص السينمائي

 

وحيد حامد

في السابق كان معروفًا عن السيناريست وحيد حامد عداؤه الشديد للتيار الإسلامي، واتسمت معالجاته لهذا التيار بالسلبية الشديدة، فقد كان دائمًا ما يخلط بين جماعات العنف والتيار الإسلامي المعتدل، وتظهر في أفلامه عناصر الإسلاميين في صورة المتطرفين والإرهابيين وهو في ذلك ينافق السلطةَ التي أعطته الضوء الأخضر في هذا الاتجاه، لكنْ في "عمارة يعقوبيان" حدَثَ تطورٌ إيجابيٌّ محدودٌ في سيناريو وحيد حامد، الذي عرض شخصية الشاب التقي المسالم، الذي تقبض عليه أجهزة الأمن وتقوم بتعذيبه وانتهاك عرضه؛ مما يدفعه إلى الانتقام من الضابط الذي ارتكب هذه الجريمة في حقِّه ويلجأ في ذلك إلى رفاقه الذين سرعان ما يلبون نداء زميلهم ويهيئون له الفرصةَ ليثأر من الضابط الذي يلقَى مصرعه بطلقاتٍ من مسدس الشابّ وزملائه؛ مما يدفع مشاهدي عرض الفيلم إلى التصفيق بكل حرارة وكأنهم أمام حدثٍ حقيقيٍّ، الأمر الذي ينفي السلبية عن الشعب المصري ويجعله إيجابيًّا مشارِكًا ولكن في ظروف معينة، ورحم الله المخرج عاطف الطيب صاحب الرؤية المعتدلة للتيار الإسلامي وعقبال وحيد حامد.

 

المشاهد

رغم اشتمال الرواية الأصلية للفيلم- التي كتبها علاء الأسواني- على مشاهد خارجة وتفصيلات تخدش الحياء، إلا أن ذلك تم اختزاله في النص السينمائي للفيلم، ونجَحَ المخرج في التعبير عنه لولا عدد من السقطات والمشاهد التي كان يجب حذفُها تمامًا من جانب الرقابة، وكان من الممكن أن يبدو الفيلم في صورة أفضل وأكثر احترامًا بحيث لا يتحرَّج الناس من مشاهدته لما يشتمل عليه مما يخدش ويجرح، ورغم ذلك فإن هذا النص لو كان في يد غير هذا المخرج ربما أصبح في عداد أفلام البورنو.

 

ملف الشذوذ في السينما

يفتح فيلم "عمارة يعقوبيان" ملف الشذوذ في السينما من جديد؛ حيث ظهر حاتم رشيد "الصحفي الشاذ" في خمسة عشر مشهدًا كان يمكن اختزالها إلى الثلث فقط وكان فيها تجاوزٌ جارحٌ ومثيرٌ للتقزُّز، وقد فشل ها هنا كل من المخرج والسيناريست في التلخيص والتكثيف أو ربما كان هدف توسيع هذه المساحة الشاذة في الفيلم مغازلة مانِحي الجوائز في المسابقات العالمية التي اعتادت على تقييم الأعمال السينمائية حسب حجم الشذوذ و"القرف" المشتملة عليه.

 

والسؤال كيف قبِلَ أحد الممثلين القيام بدور الشاذّ والإجابة بلا شك هي البحث عن مكاسب (ميزانية الفيلم 22 مليون جنيه)؛ لأن هذا الدور تم عرضه على مجموعة من الممثلين ورفضوه خشيةَ أن يربط الجمهور بين الدور وشخصياتهم الحقيقية، لكن هذا الممثل قبِلَ الدور رغم أنه- أي هذا الممثل- ما كان له أن يقبل القيام بدور كهذا؛ لكونه سبق أن قام بدور الرئيس جمال عبد الناصر (دور البطولة) في فيلم أنور القوادري، ورغم فشل الفيلم- بسبب سوء أداء البطل الذي تم اختياره لمجرد التشابه في الشكل بينه وبين عبد الناصر- إلا أنه أصبح بحكم الزمن صاحب دور لزعيم تاريخي، وهو الأمر الذي يفجِّر قضيةً أخرى أهم، وهي أنه إذا كان تمثيل شخصية تاريخية مثل جمال عبد الناصر- سواءٌ اتفقنا أو اختلفنا عليه- يعني اختياراتٍ محسوبةً للممثل، فإنه من باب أولى أن يراعِي ذلك مع أدوار الأبطال التاريخيين للأمة كلها، وعلى رأس هؤلاء يكون الصحابة الذين يتنازع الجاهلون في القيام بأدوار تمثل شخصياتهم، رغم افتقادهم لأدنى مقوِّمات هذه الشخصيات، وبالتالي يكون الموقف الصائب هو عدم تمثيل شخصيات بعض الصحابة مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهذا ليس من باب التقديس ولكن من باب التقدير، الآن ربما نكون خرجنا عن موضوعنا لذلك نقف عند هذه النقطة.