إعداد: عماد عجوة*
الكتاتيب، من أهم المنشآت التعليمية والاجتماعية والتربوية لأطفال المسلمين، كانت معروفة قديمًا بـ(مجالس الأدب)، ومن المرجح أن هذا النوع من دور العلم قد عُرِفَ تاريخيًّا منذ أيام سيدنا عمر بن الخطاب، فقد روى أن جبير بن حيوة كان معلمًا أو مؤدبًا في أحد مكاتب مدينة الطائف، ثم انتشرت الكتاتيب بعد ذلك، ويذكر أن الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105هـ كان مؤدبًا للأطفال والصبيان في أحد كتاتيب مدينة الكوفة، وكان لديه آنذاك ثلاثة آلاف صبي.
وتورد المصادر التاريخية أن ظاهرة انتشار الكتاتيب قد استمرت على مر العصور في شتى أنحاء العالم الإسلامي فقد أحصى ابن حوقل في جزيرة صقلية ما يقرب من ثلاثمائة كتاب، كان مؤدبيها يحظون باحترامٍ وافر، كما لاحظ الرحالة ابن جبير وجود العديد منها في كل من القاهرة ودمشق، فالقاهرة كان بها مائتان وخمسة وأربعون كتابًا إبَّان الحملة الفرنسية ثم أخذت في التناقص حتى صارت مائتين في أيام علي مبارك.
وكانت الكتاتيب في بداية أمرها قاصرة على تعليم الأطفال الأيتام وأبناء الفقراء، ثم ما لبثت أن زادت قاعدتها واتسعت، نتيجة لما حققته من أهداف كثيرة ممثلة في غرس الروح الإسلامية وتنميتها في قلوب النشء الصغار من خلال حفظ القرآن الكريم وفهمه؛ لذلك حرص الأولياء والآباء أن يرسلوا أبناءهم إلى الكتاتيب المنتشرة في جميع المناطق رغبةً منهم في تربية أبنائهم وتعليمهم، وترسيخ قواعد الإسلام لديهم والأكثر من ذلك يرون أن تعليم أبنائهم القرآن واجب شرعي، وفي ذلك يذكر العلامة ابن خلدون اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في أمصارهم لما يسبق به إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائد من آياتِ القرآن وبعض فنون الأحاديث.
كما ساهمت الكتاتيب في مكافحة الأمية بين الناس، كما يؤكد ذلك سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: "ثلاثة لا بد للناس منهم؛ لابد للناس من أميرٍ يحكم بينهم ولولا ذلك لأكل بعضهم بعضًا، ولا بد للناس من شراء المصاحف وبيعها ولولا ذلك لقل كتاب الله، ولا بد للناس من معلمٍ يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرًا ولولا ذلك لكان الناس أميين".
مؤسسة اجتماعية
ساهمت الكتاتيب بدورٍ هامٍ وبارزٍ في تقديمِ خدمات الرعاية الاجتماعية لعديد من الأطفال الأيتام والفقراء، وكان لكثرتها وانتشارها داخل المدن الإسلامية أكبر الأثر في تعميم خدماتها وإتاحتها لأكبر عددٍ ممكن من الأطفال، فالكتاب الملحق بمدرسةِ السلطان حسن بالقاهرة كان به حسبما ذكر السيوطي وابن كثير والمقريزي عدد ثلاثمائة طفل.
وقد كان منشئو الكتاتيب يحرصون على أن يكون الأطفال المقبولون بالكتاتيب من ذوي الحاجة الفعلية ممن تعجز أسرهم عن إعالتهم؛ ولذلك كان الأطفال الأيتام هم الفئة الأساسية التي أُنشئت من أجلها الكتاتيب؛ ولذلك كان السلطان المؤيد شيخ يشترط فيمن يقبل في كتابه أن يكون من أيتام المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم، ورغم ذلك فإن الكتاتيب كانت تقبل أيضًا أطفال الفقراء ولو كان أبوه حيًا على أن يعاملوا معاملة الأيتام.
وكان الكتاب يقبل الأطفال الأيتام والفقراء من سن الخامسة فيوفر لهم التعليم المجاني، والخبز والراتب والكسوة في الصيف والشتاء، مما يرفع عناء إعالتهم عن كاهل أسرهم، فإذا ما بلغ الطفل الحلم وكان قد حفظ القرآن ونال قسطًا من معرفة مبادئ علوم العربية والحساب انتقل إلى الحلقة التالية من حلقات تلك السلسلة من خطوات الرعاية المتصلة التي وفَّرها المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى حيث يدخل المدرسة حيث يتوفر فيها الإيواء والإعاشة الكاملة والراتب والكسوة وغيرها.
![]() |
فلم يكن الكتاب منشأة تعليمية فقط تمنح الطفل اليتيم أو الفقير تعليمًا مجانيًا فقط، ولكنها كانت إلى جانب ذلك تكفي أسرته مؤنته؛ ولذلك نستطيع أن نقول إن
