تحقيق- محمد أبو دهبية
عندما بدأ محمد علي باشا- والي مصر- مشروعًا للتحديث كانت الترجمة من أبرز معالمه، وفي هذا العصر وبالرغم من التقدم العلمي وتعدُّد وسائل النشر والاتصال وثورة التكنولوجيا، ورغم دور الترجمة في التفاعل بين الحضارات ومدّ جسور الاتصال مع الثقافات المختلفة والمتنوعة.. إلا أن واقع الترجمة في عالمنا العربي في تدهورٍ مستمرٍّ، وقد تأكد ذلك مؤخرًا- من جديد- من خلال الحرب الصهيونية الغاشمة على لبنان؛ حيث كشفت عن عدم تعاطف الرأي العام الأوروبي والأمريكي مع موقف المقاومة التي أَسَرَت جنديَّيْن صهيونيَّيْن، في حين أن الكيان الصهوني يأسر الآلاف، فما زالت الصورة القديمة التي رسمها الإعلام الصهيوني للعرب والمسلمين في عقل الإنسان الغربي هي الأسوأ والأكثر تشويهًا، وهو ما يدعونا إلى بحث دور الترجمة وواقعها في الوطن العربي الآن ودراسة التحديات التي تواجهها ومتى يقرِّر العرب إنشاء مؤسسة عربية للترجمة؟ وما الأهداف التي يمكن أن تقوم هذه المؤسسة يتحقيقها؟ وما خطورة ضعف وتواضع الترجمة في العالم العربي؟!
المترجم شوقي جلال- مؤلف كتاب (الترجمة والعالم العربي)- يوضح أن العالم العربي والذي يزيد عدد سكانه على 250 مليونًا يترجم في العام الواحد نحو 450 عنوانًا، ومن هذه النسبة الضئيلة من الكتب المترجمة لا تمثل الكتب العلمية سوى جزء يسير، وبمقارنة بسيطة بين العرب والكيان الصهيوني في مجال الترجمة نجد الكيان الذي لا يتجاوز عدد سكانه 4.5 ملايين نسمة يتشهد سنويًّا ترجمة 450 عنوانًا، أي ما يعادل ما يُتَرجَم إلى اللغة العربية، وذلك على الرغم من الفارق الهائل في عدد السكان بين الجانبين، بالإضافة إلى أن الصهاينة وضعوا عام 1959م برنامجًا طموحًا بمساعدة أكبر مؤسسة متخصصة، وفي عام 1967م تعاقدت مع نحو 500 مترجم متفرغ، ونحو 1440 مترجمًا معاونًا من خارج المؤسسة لصالح حركة الترجمة لديها.
مؤسسة عربية
ويؤكد الدكتور أحمد مستجير- من أبرز المهتمين بالترجمة- أن هناك أعدادًا هائلةً من الكتب العلمية والمتخصصة لم تُتَرجم إلى العربية؛ مما جعل القارئ غير مدرِكٍ لِمَا يجري في العالم، ولاحظ أن الترجمات التي تتم في غاية السوء؛ لأن المترجم في أغلب الأحيان لا يفهم ما يترجمه؛ ولذلك يطالب الدكتور أحمد مستجير بإنشاء مؤسسة عربية للترجمة تتضافر فيها الجهود؛ بحيث تكون دعامةً من دعامات بنية متكاملة لمشروع حضاري شامل في كل مجالات الحياة، وأن يكون دورها إعداد المترجم وتحديد المهمة الجديدة بالترجمة، مع التركيز على الكتاب العلمي، والحرص على أن يكون المترجم وثيق الصلة بالتخصص الذي يترجم عنه.
ترجمة إلى الخارج

ويؤكد الدكتور مجاهد توفيق الجندي- أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر- أن العالم العربي يعاني من تقصير وعجز كبيرَين في الترجمة إلى الآخر، ويرى أنه من المفروض أن نُتَرجِم كتبَنا الإسلامية وحضارتَنا إلى العالم كله، وهذا يحتاج إلى تضافر الجهود والانفلات على الترجمة وتشجيع المترجمين؛ لأن الترجمات كنوزٌ للدول والشعوب، فالمعلومات الآن أهم من المال.
مشيرًا إلى أن الأمة الإسلامية لها تجارب تاريخية في تعريب العلوم وترجمتها، ففي عهدها هارون الرشيد والمأمون والأمين ترجمنا كتب اليونان والهنود والفرس وغيرهم إلى لغتنا العربية، ونقلنا العلوم والفنون الهندية من السنسكرتية إلى العربية، وكذلك نقلنا من اللغة اليونانية إلى العربية، وكان المأمون يعطي لمن يترجم كتابًا وزنه ذهبًا، وكانت أسرة بختيشوع المشهورة بترجمتها من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية تكتب على ورق مقوَّى (كارتون)، ورغم هذا كان المأمون يعطيهم وزن هذه الكتب ذهبًا، فقد كان هناك تشجيعٌ في أمة الإسلام على الترجمة.
ويضيف أنه ينبغي أن نشجِّع الترجمة من العربية إلى لغات الأمم المختلفة، مثل الصينية والهندية وجميع اللغات بشكل متوازٍ مع الترجمة إلى العربية، ولتشجيع التر