تحقيق- مجد عبد الفتاح

تُوفي اليوم الأديب والروائي الكبير نجيب محفوظ المولود في العام 1911م بحي الجمالية الذي كان له تأثيرٌ واضحٌ على أعماله الأدبية ذات الكثرة اللافتة، وبعد 11 عامًا قضاها في هذا الحي انتقل إلى حي العباسية الذي ظهر تأثيره في الثلاثية، وقد حصل نجيب محفوظ على درجة الليسانس في الفلسفة من جامعة فؤاد عام 1934م.

 

وقد عانى محفوظ الكثيرَ في بداية حياته الأدبية ولم يعرفه القراء حتى رواية "بين القصرين" رغم أنه حصل على جائزةِ مجمع اللغة العربية، ولم ينتشر شعبيًّا إلى أن جاء إحسان عبد القدوس، وكان هناك الكتاب الذهبي تصدره "روزا ليوسف" فقدََّم رواية زقاق المدق وكتب يوسف السباعي المقدمة ليعرَّفه للقارئ فكانت بداية الانتشار والذيوع الأوسع للأديب محفوظ الذي وصل إلى العالمية.

 

ويقول الناقد الدكتور الطاهر مكي- أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعه القاهرة-: إن نجيب محفوظ أخلص لفنه شكلاً وموضوعًا؛ فحاول أن يُبدع ويجدد ويحسن ويوسع ثقافته.

 

أما إخلاصه لفنه موضوعًا فقد التزم موقفًا لم يتخلَّف عنه والمثقف في العالم الثالث إن لم يكن له موقف فهو تاجر كلام، فهو لم ينافق أحدًا، وليس معنى هذا أننا نتفق معه في كل مواقفه فقد يُصيب في بعضِ المواقف وقد يخطئ، وتميَّز محفوظ بهدوئه فهو يقول رأيه دون ضجيجٍ أو اصطدامٍ، ولكنه لم يبع قلمه ولا فكره لأي هيئةٍ، وكان غزير الثقافة يقرأ بأكثرِ من لغةٍ مثل الإنجليزية أو الفرنسية، فهو متعدد الروافد الثقافية، وكان يقرأ ويستفيد دون أن يزهو أو يتطاول أو يدَّعى لنفسه أنه أنجز عملاً رائعًا في الوقتِ الذي كان ينجز عملاً رائعًا، ومتى اتسم الإنسان بالتواضع حرص على التجويدِ؛ ولذلك فهو روائي وقصاص من الطرازِ الأول الذي تتميز لغته بالبساطة والوضوح.

 

أما ما يؤخذ عليه فهو أنه في كثيرٍ من المعارك آثر أن يقول كلمته من بعيدٍ، فكانت مشاركته غير إيجابية، ولم يُصوِّر الفساد الحادث في ربع القرن الأخير، ربما لأنه لم يخالط أجواء رجال المال والأعمال، أما علاقته مع السلطة فهو لم يدعمها ولم يؤيدها، ولم يصطدم أبدًا معها.

 

مبدع في الرواية

من الذين تخصصوا في أدب نجيب محفوظ الدكتور حسن البنداري- أستاذ الأدب بكلية البنات جامعة عين شمس- فيقول عنه إنه أديبٌ كبيرٌ متخصصٌ في القصةِ والرواية، وإنه كان كتب بعض المقالات في بدايةِ حياته، ولكنه أخلص لفنه الروائي والقصصي، وقد بدأ في كتابة القصة القصيرة عام 1934م. وفي رسالةٍ للماجستير عن القصة في أدبِ نجيب محفوظ أثبت أنه كاتب قصة قصيرة بالدرجة الأولى.

 

أما التطور الذي حدث في الأسلوبِ الروائي لنجيب محفوظ فقد بدأ بالسردِ الوصفي التحليلي الذي كان سائدًا، ولكنه قام بالتطوير من حيث حجم القصة، ومن حيث الأداء اللغوي، وهذا ما نجده متزامنًا مع الرواية فكان يستخدم ما يُسمَّى بتكنيك تيار الوعي؛ وهو استبطان الشخصية ورصد ما يدور في داخلها من مشاعرَ وانفعالاتٍ متصادمة واللجوء إلى عمليةِ التنقل الزمني الذي يبدو فوضويًّا، ولكنه معلل ومبرر فنيًّا بحيث تحب الانتقال من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل مع وجود مبرراتٍ في السياق والنسيج اللغوي، ثم تطورت أكثر عندما يُسمَّى مجموعه تحت المظلة التي أخذت الشكل السريالي غير المعقول فيتحدث عن عوالم غريبة في روايته مثل أن يتحدث عن شخصٍ يُغتال ثم يحيا ثانية.

 

ثم مرحلة يكتب فيها القصة القصيرة المطولة التي تصل إلى 50 صفحة، وهي وسط بين الرواية والقصة مثل "أمشير وسمارة الأمير"، وإن كان في هذه المرحلةِ يكتب أيضًا القصة القصيرة العادية من حيث الحجم وبعد إصابته وتعطل الكتابة بعض الوقت يكتب القصة "قد الكف" عبارة عن 10 سطور ينشرها باسم "أحلام فترة النقاهة" التي ظل ينشرها، ولها عناوين جانبية وهي مركزة جدًّا، والملاحظ أنه مع تغيَّر الشكل عنده إلا أنك لا تشعر بغربة أمام هذا التغيير لأنك تقرأ وتستوعب وتقف على المعنى الذي يريده في هذه القصة أو تلك.

 

ويضيف الدكتور حسن البنداري أن الجانب الروائي عند محفوظ قد مرَّ أيضًا بعدة مراحل.. الرواية التاريخية من خلال التاريخ الفرعون