عرض: حسين التلاوي

- عنوان الكتاب: قتل الأمل: تدخلات العسكريين الأمريكيين ووكالة المخابرات المركزية منذ الحرب العالمية الثانية

- تأليف: وليم بلوم.

- تعريب: دكتور أسعد إلياس.

- الناشر: شركة مكتبة العبيكان بالتعاقد- الرياض/ بالتعاقد مع زيد بوك- المملكة المتحدة.

- تاريخ الطبع: الطبعة العربية الأولى- 2006م.

- عدد الصفحات: 283 صفحة من القطع المتوسط

 

في ظل الهيمنة الأمريكية الحالية على الشأنِ العالمي والتي تستخدم فيها الإدارة الأمريكية الجمهورية كافة الوسائل السياسية والعسكرية، ويأتي هذا الكتاب "قتل الأمل "الذي يتم عرضه في هذه السطور ليتناول الدور الذي قامت به المؤسسة العسكرية الأمريكية في السياسة الدولية، ويركز على طبيعة المهام التي أنيطت بجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" في هذا السياق الذي كان هدفه الرئيسي ضرب الشيوعية في العالم والتكريس للهيمنة الأمريكية الحالية على مختلف الشئون العالمية، ويتابع الكتاب تطور تلك التدخلات الأمريكية منذ الأربعينيات في القرن العشرين وحتى الغزو الذي قامت به القوات الأمريكية للعراق في مارس من العام 2003م، مقدمًا العديد من النماذج على التدخلات الأمريكية في الشئون الدولية.

 

وقد أعد هذا الكتاب المؤلف وليم بلوم الذي يعتبر واحدًا من كبار المحللين الإستراتيجيين والذي أعد سابقًا كتاب (الدول المارقة) والذي كان وقت صدوره الكتاب الأكثر مبيعًا، ويطرح المؤلف في كتابه الجديد سؤالاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى بالفعل إلى نشر الديمقراطية على مستوى العالم وتتخذ في ذلك الوسائل الملائمة، واتبع المؤلف في إعداده للكتاب الترتيب الزمني في سرد الوقائع أي أنه لا يستند إلى الترتيب الجغرافي للأحداث أو الترتيب حسب الأهمية والتأثير سواء في الداخل الأمريكي أو على مستوى العالم، وكذلك اعتمد المؤلف على تنويع الحالات التي يذكرها دون الاقتصار على منطقةٍ سياسيةٍ أو جغرافية معينة، كما يقدم في نهاية مُؤَّلَفِه مجموعةً من الملاحق التي تستند في غالبيتها إلى وثائق رسمية أمريكية تدعم المعلومات التي وردت في الكتاب.

 

نماذج "التدخل"

يتناول وليم بلوم في مقدمة الكتاب خلفية الصراع بين الأمريكيين والاتحاد السوفيتي السابق ويقول: إن الدافع الرئيسي وراء الكراهية الأمريكية للشيوعية هي خشية رجال الأعمال الأمريكيين على ثرواتهم من النفوذ الشيوعي إلا أن الكاتب يوضح وجود العديد من المشكلات التي شابت تعامل الولايات المتحدة مع هذا الملف؛ الأمر الذي أدَّى إلى انتشار الشيوعية في العالم وهي النتيجة التي كان الأمريكيون يخشون منها!!

 

وقد قسم مؤلف الكتاب عمله إلى 17 فصلاً تناول في كلٍّ منها نموذجًا على تدخل المؤسسة العسكرية الأمريكية في الشئون العالمية والدور الذي لعبته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في هذه المخططات إلى جانب 3 ملاحق تدعم ما يقوله الكاتب بالإضافة إلى عددٍ من الملاحظات التي تُوضِّح بعضًا مما قد يكون غامضًا على القارئ في ثنايا الكتاب؛ وذلك ضمانًا لفهم مَن يقرأ الكتاب الحدث من زاويتيه الطبيعيتين، وهما الأولى السياق التاريخي للحدث والثانية الدلالات السياسية له.

 

في الفصل الأول تناول المؤلف التدخل الأمريكي في الملف الصيني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقال في هذا السياق إنَّ عددَ أفراد الجيش الأمريكي في الصين بلغ 100 ألف جندي في العام 1946م كانوا يدعمون نظام شيانج كاي تشيك المعارض لنظام الثورة في الصين بقيادة ماو تسي تونج، ويذكر أن المساعدات المقدمة لتشيك بلغت قيمتها المادية ملياري دولار في العام 1949م إلى جانب مليار آخر على شكل مساعدات عسكرية، إلا أن الجيش الصيني ردَّ على تلك الانتهاكات الأمريكية للسيادة الصينية من خلال التصدي للوجود العسكري الأمريكي، وينتهي هذا الفصل بالإشارة إلى أن الأمريكيين قد استخدموا أسلحة كيماوية في عملياتهم العدائية ضد الصين لتبدأ فصول المواجهة بين الصينيين والأمريكيين والتي لا تزال مستمرة للآن بصورة أكثر حدة بعدما انتهت الحرب الباردة.

 

الأمريكيون لا يستحون!!

وفي نموذج من الشرق الأوسط على التدخلات العسكرية والسياسية الأمريكية، تأتي محاولة الأمريكيين لـ"شراء حكومة سورية"، ويبدأ الفصل الذي يتناول تلك المحاولات بمقولة لجون فوستر دالاس الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية الأمريكية في العام 1956م عندما قال: "إن الحياء تحول بصورة متزايدة إلى مفهوم عتيق"!!

 

وتبلور هذه العبارة الفكر الحاكم للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط بضرورة القيام بكل ما هو مطلوب من أجل تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، ففي تلك الفترة من التاريخ العربي كان توجه السوريين نحو اليسار، وقد تأكد ذلك للأمريكيين عندما رفضت سوريا المساعدات المقدمة منهم، وقد أكدت بعض التقارير السرية الأمريكية أنه "إذا استمر التوجه الشعبي نحو اليسار في سوريا لمدة طويلة سيكون هناك خطر حقيقي بأن تقع سوريا كليًّا تحت خطر الجناح اليساري"، فماذا فعل الأمريكيون....؟!

 

أعد الأمريكيون العديدَ من الخطط ومن بينها المشاركة مع البريطانيين والحكومة بالعراق- والتي كانت في هذا الوقت حليفًا للأمريكيين- للإطاحةِ بالنظام السوري وكذلك بنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في المنطقة، ويبرز في هذا السياق دور الاستخبارات المركزية الأمريكية التي أكدت ضرورة "ترك عبد الناصر وشأنه" في هذا الوقت على أن يتم التحرك ضد السوريين، كان الحل هو استخدام سياسة تمويل القوى التي كان يراها الأمريكيون "محافظة" في الحياة السياسية السورية على أن يتضمن ذلك شراء الصحف بأموال أمريكية صرفة، وتقول الوثائق السرية الأمريكية إنَّ حرب السويس في العام 1956م مثلت فرصة للأمريكيين لكي يدفعوا القوى التي يدعمونها في سوريا إلى القيام بانقلابٍ على النظام السوري الحاكم، ويظهر من خلال تلك الواقعة التاريخية الموثقة أمريكيًّا أن الأمريكيين لم يرغبوا على الإطلاق في نشر الديمقراطية حول العالم وإنما كانت الرغبة الرئيسية في تدخلهم هي تأسيس نظم مؤيدة لهم، وهو الأمر الذي لا يجدون حرجًا في أن يقولوا إنه "نشر الديمقراطية"؛ الأمر الذي يجعل مقولة جون فوستر دالاس حول الحياء كـ"قيمة عتيقة" في السياسة الخارجية الأمريكية.

 

ولما تكشَّفت المؤامرة الأمريكية ضد سوريا قام السوريون بإعلان ذلك على المستوى العالمي، لكن الأمريكيين- وبأسلوب يخلو من الحياء- قالوا إن الكلام السوري "مختلق" و"عارٍ عن الصحة!! ويشير وليم بلوم في آخر تناوله لتلك الواقعة التاريخية إلى أن الأمريكيين للآن لا يزالون يخشون من تنامي تيار اليسار في الحياة السياسية السورية؛ وذلك على الرغم من أن سوريا لم تتحول إلى "دولة شيوعية"!!

 

تصفية سوكارنو...!

سياسة الاغتيالات التي تمارس ضد القيادات السياسية التي تتبنى توجهات معارضة للخطط الأمريكية حول العالم ليست جديدة، فما حدث في العام 1965م من محاولة انقلابية في إندونيسيا أمر يدخل في هذا المقام؛ حيث أكد العديد من الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين السابقين أن الاستخبارات المركزية الأمريكية شاركت في التخطيط لعملية انقلابية تورَّط فيها الحزب الشيوعي الإندونيسي ضد نظام الرئيس الإندونيسي الراحل أحمد سوكارنو!!

 

ويؤكد بعض هؤلاء المسئولين السابقين أن الأمريكيين ساهموا بفاعلية في تلك المحاولة الانقلابية، ومن بينهم الموظف السابق في القسم السياسي بالسفارة الأمريكية في جاكرتا روبرت مارتنز الذي قال في العام 1990م: "ربما كانت يداي ملوثتين بكثيرٍ من الدماء"، لكن كيف يتفق دعم الأمريكيين لمحاولة انقلابية قام بها شيوعيون؟!! الوثائق الأمريكية- وفق وليم بلوم- تشير إلى أن الأمريكيين قد نجحوا في اختراق الحزب الشيوعي على مستويات مختلفة وعليا؛ وذلك من أجل استخدام الحزب في تنفيذ مخططاتهم في المنطقة، ويورد الكاتب بعض التحليلات التي تقول إن الاستخبارات الأمريكية علمت على دفع الحزب الشيوعي في تلك المحاولة لكي تحقق هدفين:

 

الأول: وهو خلخلة نظام سوكارنو والتخلص منه بتعبير التصفية الذي تضمن إمكانية العزل أو القتل وفق تعبير أحد ضباط الاستخبارات الأمريكية كما أورد المؤلف في الكتاب.

 

أما الهدف الثاني: فهو التخلص من الحزب الشيوعي في إندونيسيا في حالة فشل الانقلاب، وإلى جانب ذلك أيضًا فقد أراد الأمريكيون ضمان تولي كيان سياسي يسيطرون عليه في حالة نجاح العملية الانقلابية حيث- كما سبقت الإشارة- كان الأمريكيون قد نجحوا في اختراق ذلك الحزب الشيوعي.

 

تاريخ من الدسائس

يشير الكتاب إلى أن الأمريكيين يمارسون السياسة الخارجية من منطلق الرغبة في تحقيق المصلحة الأمريكية وكذلك الحفاظ على ما هو متحقق بالفعل من تلك المصالح، دون النظر إلى أية اعتبارات سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية؛ الأمر الذي ينفي كل الدعاوى التي تسوقها الإدارة الأمريكية الحالية- والتي يهيمن عليها المحافظون الجدد- من أن الغرض النهائي للسياسة الأمريكية هو دعم الديمقراطية؛ حيث قامت الولايات المتحدة بدعم العديد من أطراف المعارضة العراقية ماليًّا وسياسيًّا حتى تمت الإطاحة بنظام البعث في العراق بعد غزو قادته الولايات المتحدة في مارس من العام 2003م، لكن كثيرًا من تلك القوى السياسية حصلت على الدعم المالي الأمريكي ثم انقلبت على الأمريكيين، وأكبر نموذج على ذلك نائب الرئيس العراقي أحمد الجلبي الذي كان من أخلص الحلفاء للأمريكيين قبل الغزو ثم تحول ولاءه للإيرانيين بعد ذلك ما يوضح طبيعة القوى التي تدعمها الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية!!