بقلم: مجد عبد الفتاح

الخطابة بكل أنواعها سياسية ودينية وغيرها لون من الأدب وهي وسيلة اتصال جماهيرية أثبتت الدراسات قوة تأثيرها على المتلقين، وهذا التأثير يرتبط بجمال أسلوب الخطيب وقوة حجته ورجاحة منطقه وبلاغة مقولته.

 

وقد مرت الخطابة بمراحل طويلة من القوة والضعف ولكن ما نراه في عصرنا الذي نعيشه من تدهور لم يسبق له مثيل ففي الخطابة الدينية لا تستطيع أن تستمع إلى خطبة لمدة خمس دقائق فقط دون أخطاء لغوية فادحة، فضلاً عن نمطية الأداء وعدم الاهتمام بالكلمة ورونقها وبلاغتها إلا القليل النادر ممن هم نتاج عصور سابقة، وكما لا يختلف الأمر في الخطابة السياسية، فما أن تحدث مظاهرة لأي سببٍ إلا أننا نجدها فقط مجرَّد سباب وشتائم ولا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيدٍ بالخطابة، كذلك الشأن مع المرافعاتِ التي كانت تجلجل بأقوى العباراتِ في المحاكم اقتصرت الآن على كتابةِ مذكراتٍ يكتبها المحامون بأساليب ركيكة وبأخطاء كبيرة.. ترى لماذا تردت حال الخطابة بهذا الشكل؟

 

هل هو التعليم وبرامجه أم الاستبداد السياسي؟ أم غير ذلك؟

وكيف يمكن أن ينشأ جيلٌ على حُبِّ الخطابة ويستطيع أن يُمارسها في مختلفِ المحافل الأدبية والسياسية والدينية؟

 

يقول الدكتور الطاهر مكي- أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- إنَّ الخطابة لون أدبي رفيع من ميزات الأمة العربية، كما يقول الجاحظ وهي تعتمد في المقاوم الأول على الارتجال في الكلمات والعفوية والبديهية لدى المتحدث، وتبين قدرته اللغوية وحصيلته المعرفية وهي في عصرنا الآن تتراجع إن لم تكن تتدهور؛ لأنَّ الثقافةَ بشكل عام تتراجع.

 

ويرجع هذا التدهور إلى اختفاء الثقافة الأصيلة من حياتنا، فمَن يتعرض للخطابة لا يحفظ شيئًا من الشعرِ أو النثر الجميل على الرغم من أنَّ التراث كله درر مكتوبة لكنها مهجورة فأصبحت الحصيلة اللغوية ضعيفة؛ ولذلك فإن الخطابة تدفع الثمن.

 

ويضيف: كذلك المناهج الدراسية أيضًا يوجه إليها الاتهام لأنه قديمًا كانت الخطابة مادة دراسية وكانت جماعات الخطابة تنتشر في المدارس والجامعات فكان الأمر مناسبًا لبروز نجوم في الخطابة.

 

ويشير إلى أنَّ الحالةَ الثقافيةَ العامة تتدهور وكذلك الحالة السياسية والاقتصادية وعندما يعتل الجسم السليم ينهشه السقم من كلِّ جانب، فالتراجع أصاب كل شيء ولا نستطيع أن نعالج جانبًا دون آخر؛ ولذلك لا نستطيع أن نعد جيلاً في هذا المناخ الذي لا يحترم حرية الفكر والتعبير بل في جوٍّ يتكلم فيه الخطيبُ وتُعدُّ عليه أنفاسه قبل كلماته فأنى تُنشئ جيلاً يمتاز بجمال البيان؟ إنَّ الأمرَ يحتاج إلى إصلاحٍ شامل.

 الصورة غير متاحة

 النائب علي لبن

 

أما النائب علي لبن- عضو مجلس الشعب والموجه بالأزهر سابقًا- فيرى أنَّ السبب الرئيسي في تراجع الخطابة هو الاستبداد السياسي ووضع شرطة سرية في المساجد وسماح وزارة الأوقاف بأن تكون الكلمة الأولى لوزارة الداخلية فهي تبعد عناصر على مستوى عالٍ من المهارةِ اللغوية والأدبية بحجة التنظيمات السياسية؛ مما يحرم الجماهير ممن لهم قدرة حقيقية على الخطابة، التي تحتاج إلى البلاغة لأنها تعتمد على التأثيرِ في المتلقي، ومن المعروف أن الأدب ينمو ويزدهر تبعًا لنمو وازدهار الحرية، فالجانب السياسي ضرب الأدب في مقتل بعد سيطرة الأمن على الخطابة في تحديد موضوعاتها والتحذير من كل ما يتعلق بقضايا الأمة الحقيقية بكل مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي ضعف الأدب وتراجعت الخطابة، ويضيف النائب علي لبن أن الاستبداد السياسي لم ينعكس على الخطبة الدينية؛ بل الخطب السياسية أيضًا لأنَّ سياسةَ الحزب الواحد جعلت م