بقلم: حمدي عبد العزيز*

تواجه الأنساق القيمية المختلفة أو المخالفة كما يتصورها النسق الغربي- وخصوصًا الإسلامية- حملة من الصدام والتهميش والتشويه؛ مما أدَّى إلى تغييبها بأشكال متفاوتة في المجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن عبادة واحدة من العبادات الإسلامية، وهي الصوم في رمضان بتنوعها وشموليتها تؤكد قدرة القيم الإسلامية على توحيد المسلمين في أنحاء العالم كافة وفق النسق القيمي الإسلامي الذي يقبلونه رضاء دون أي إرغام أو قسر.

 

وتوجد اتجاهات غربية تصف القيم الإسلامية، بل الإسلام ذاته بالتخلف؛ لأنه المسئول والمولد لهذه القيم فتحاول أن تصم الإسلام بقيم هي ليست منه، ثم تصف هذه القيم بالسلبية والتخلف، ثم تصف الإسلام ذاته بالتخلف، ضمن أكبر عملية لصناعة الصورة، ضمن ما يُشار إليه (تغطية الإسلام).

 

وفي المقابل تجري عملية هندسة القبول (قبول ما لا يقبل) للأنساق القيمية الغربية من خلال تحويل الحداثة الغربية والعولمة من مفاهيم ومذاهب ism إلى عمليات process وليس كل قبول يُعبِّر عن حالةٍ من الرضا المتكامل والاقتناع مثلما هو الحال في القيم الإسلامية، وإنما قد يُعبِّر عن قبول يغلف ضمن عناصر إذعان أو سيطرة أو ترهيب أو تعميم وتنميط، وهو بعبارة أدق إكراه في ثوب القبول.

 

القيم الإسلامية

والمعروف أنَّ الغايةَ من الصيام هي التقوى يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، وتتحقق هذه الغاية في جوٍّ من التيسير ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة)؛ حيث إنَّ تكاليفَ العقيدة ميسرة لا عُسرَ فيها تطبع نفس المسلم بطابعٍ خاصٍّ من السماحة (أي الجود والعطاء ولين الجانب) التي لا تكلف فيها ولا تعقيد، سماحة تُؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض، وكل نشاط الحياة الجادة يصفها صاحب الظلال (رحمه الله): "وكأنما هي سبيل الماء الجاري ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينةٍ وثقةٍ ورضاءٍ مع الشعورِ الدائم برحمةِ الله وإرادته".

 

وممارسة الفرائض والمعاملات في ظل التيسير والسماحةِ لا يعني فقط إظهار الهوية الإسلامية وإنما هي أيضًا إحياء لمعالم المنهج الوسطي في العبادات والمعاملات، والذي يشمل معالم عديدة، إضافةً إلى اليسر والسماحة مثل:

- الوسطية وهي عدم مجاوزة الحد إفراطًا أو تفريطًا، فيقول تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾ (هود).

- رفع الحرج والمشقة، والحرج كل ما أدى إلى مشقةٍ زائدةٍ في البدن والنفس والمال حالاً ومآلاً، فيقول تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).

- عدم التكليف بما لا يُطاق فيقول تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286).

- النهي عن الغلو في التدين وعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه مجاوزة الحد بأنه يزاد في الشيء في حمده أو ذمه، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إياكم والغلو في الدين" (ابن ماجة).

- المؤاخذة حال الخطأ والنسيان، فيقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إنَّ الله تجاوزَ عن أمتى الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه".... إلخ.

 

وفضلاً عن إحياء المنهج الوسطي نجد أنَّ رمضانَ يصبغ عالم المسلمين بالقيم الإسلامية في المجالات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية بصورةٍ واضحةٍ في شهر رمضان:

- ففي المجال الفكري: يهيئ الصوم للوحدة في عالم المسلمين فيمنع من تفرق الصف الذي يمهد التربة للفشل والضعف وغزو القيم الخارجية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)، ويُعلِّم الصائمين الدقة وتنظيم الوقت فنرى الأمة بكاملها تفطر وقت الفطور وتمتنع عن الطعام والشراب ساعة السحور، والصوم بهذا الشكل يقوي الارتباط بين الناس والعلاقات داخل المجتمع بما يعني ترسيخ معنى الاتحاد والتعاون، فالمسلمون يصومون عند رؤية الهلال ولسان حالهم يردد مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).

 

كما يثبت الصوم أنَّ السعادةَ والحريةَ الحقيقيتين لا تكون بالتمتع بالشهوات بل في الترفع عنها، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالةَ فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه"، رواه الترمذي وهو ما يخالف الفكرة الغربية السائدة عن الحرية والسعادة والتي تروج للتمتع بالشهوات المادية والجسدية دون أية ضوابط أو تحمل للمسئولية بدعوى أن إطلاق العنان للشهوات يساعد على حصول الإنسان على حريته وسعادته، ولعل من الأدلة على عدم وجود ترابط بين المادة والسعادة ما أشار إليه أحد علماء الغرب وهو "روبرت رايت الباحث في جامعة بنسلفانيا" من أنه لا تلازمَ بين مسارِ المال والرخاء المادي مع السعادة، إذ تبين أنَّ الدولَ الفقيرةَ أكثر سعادةً من الدولِ الغنية التي تتمتع بكل أسباب الرفاه المادي.

 

- أما في المجال الاقتصادي: فيشيع إفطار الصائمين والتصدق على الفقراء والمساكين، ويقوم كثيرٌ من المسلمين بأداءِ فريضةِ الزكاة في مثل هذا الوقتِ من كلِّ عامٍ مساهمةً في رفع الضيم عن الفقير وابن السبيل ومساهمةً في إعمارِ وتنشيطِ بعض المرافق الضرورية من أجل رفع مستوى حياة المسلم.

 

وتزيد الصدقات في رمضان؛ لأنها أفضل فيه عن غيره فيقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "سُئل أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان" وفي الصحيحين عن بن عباس: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة" رواه أحمد وزاد: "ولا يسأل شيئًا ألا أعطاه" ويقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9)﴾ (الإنسان: 8، 9).

 

كما يعتاد الصائمون على تقديم وجبات الإفطار والإنفاق بغية مضاعفة الحسنات وسد حاجات المعوزين كما يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه مسلم، وذلك رغبة في الحصول على الأجر؛ حيث يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن فطَّر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء".

 

الأنشطة الاقتصادية:

وأهمها جمع زكاة الفطر وتوزيعها على المحتاجين، والمعروف أنَّ زكاةَ الفطر تختلف في أحكامها عن زكاةِ المال التي لا يخرجها إلا مَن كان عنده مال فائض عن حاجته الضرورية وبلغ النصاب، وحال عليه الحول، أما زكاة الفطر فتجب على كل مَن يملك قوت يومه حتى لو كان فقيرًا، ويقول الإمام الشافعي: "تقسم الزكاة على مَن تقسم عليه زكاة المال، وأحب دفعها إلى ذوي رحمه الذين لا تلزمه نفقتهم بحال و... لو دفعها الإمام أو الساعي أو من تجمع عنده  للناس وأذن له في إخراجها أجزاه ولكن تفريقه بنفسه أفضل من هذا كله".

 

- وفي المجال الاجتماعي: لا ينعزل الإنسان عن أسرته ومجتمعه، فيأتي الاجتماع العائلي على الطعام ليوحِّد العائلة، ويظهر تمسك المسلم بنظامه الاجتماعي القائم على حُبِّ أفراد العائلة لبعضهم البعض، وسعيهم لمرضاةِ رب العالمين وحده الذي حدد لهم أهدافهم في الحياة.

 

ويتحرك الصائمون في رمضانَ في حقوقِ الناس بطاقاتٍ متنوعةٍ، فمَن يملك المال يتصدقون منه لسدِّ حاجاتِ الفقراء والمساكين، ومن يملك الجاه يوظفه في حلِّ مشكلاتِ المجتمع على اعتبار أنَّ أعظمَ الأعمال في رمضان تفريج هم أو كربة مسكين أو حل مشكلة إنسان أو تخفيف معاناته أو إصلاح ذات البين أو كفالة يتيم أو مساعدة أرملة.

 

كما تأتي العلاقات الاجتماعية بين أفراد المسلمين وتزاورهم وتوادهم في رمضان، لتثبت أهمية تماسك المسلمين فيما بينهم وتراصهم الذي حث عليه الإسلام، ويتجلى هذا الأمر في تصرفات المسلم المتنوعة، منها: امتلاء المساجد ودور العبادات بالمسلمين من مختلف الأعمار والجنسيات مثبتين المساواة، كما في قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، وامتناع المسلم عن إيذاءِ أخيه المسلم أو الإساءةِ إليه ولو بالكلمة، كما جاء على لسانِ رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قال: "إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم"، ومسارعة المؤمن إلى إدخال الفرح والسرور على قلوب الآخرين عبر أي عمل خيري تطوعي، وإن كان عن طريقِ إطعام الضيف في رمضان، كل ذلك بهدفِ اكتساب الثواب في الدنيا والآخرة.

-------

المصادر:

- الموسوعة العربية العالمية

- أ . د سيف الدين عبد الفتاح العولمة: مراجعة نقدية.. في ضوء الخطاب العربي المعاصر والرؤية الإسلامية، مجلة الكلمة، العدد 44، السنة 11، صيف 2004م- 1425هـ.
- رضا دلاوري الحداثة وما بعد الحداثة.. التعريف، الميزات، الخصائص، مجلة الكلمة، العدد 44، السنة 11، صيف 2004م- 1425هـ.

أ .د  نهى قاطرجي "رمضان يتحدَّى العولمة"، موقع صيد الفوائد www.said.net

---------

* صحفي وباحث مصري