حوار- وفاء سعداوي

 

رمضان خير الشهور، ينال فيه المسلمون خيرًا عظيمًا، فهو شهر الإقبال على الله عز وجل؛ لذا يجب على كلٍّ منا أن يكون له برنامجٌ عمليٌّ في رمضان، يسعى من خلاله إلى النَّيل من خيراتِ الشهر الكريم وعظيم ثوابه.

 

وفي حوارٍ مع الأخت الفاضلة الداعية وفاء مشهور طلبنا منها التعرف على برنامجها الرمضاني، وهل تختلف أهدافها وأنشطتها كداعيةٍ في رمضان، وذكرياتها الرمضانية مع والدها الداعية الكبير الأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله- فقد كان مثالاً للرجل القرآني المعلَّق قلبُه بالمساجد، حتى إنه كان يقول: "إذا كان للإنسان العادي خمس حواس، فإن للأخ المسلم حاسة سادسة، وهي الدعوة"؛ لذا حرصنا على أن يكون لنا حوارٌ مع إحدى كريماته في رمضان لنتعرف على برنامجها الدعوي والأسري، كما نتعرف على والدها.. كيف كان في رمضان؟! مع أسرته؟ ومع أقاربه؟ ومع إخوانه؟ ومع الدعوة التي فاجأ زوجته بعد زواجه بأنها الثانية وأن زوجته الأولى هي الدعوة فقالت له وأنا خادمتها.

 

* في البداية سألناها عن شخصية الداعية (المرأة) في رمضان هل تختلف عن باقي الشهور؟

** بالتأكيد تختلف عن باقي الشهور؛ لأن الداعية لديها أهداف كثيرة تريد تحقيقها، منها:
أولاً: مع نفسها، فهي تريد أن تستفيد من نفحاتِ الشهر الكريم لتعميق معاني الربانية في نفسها حتى تكون عبدًا ربانيًّا تقتدي بها الأخريات في كل شئونِ الحياة.

 

ثانيًا: مع بيتها، حيث تستشعر الجوَّ الروحاني في هذا الشهر، فتجتمع عليه الأسرةُ متفقةً على برنامجٍ إيماني في رمضان بدافعِ إيقاظِ الإيمانِ وفعل الخيراتِ فيصبح البيتُ كالمصباحِ يُنير الحي الذي فيه فيقتدي به الجيران والمعارف، فهي بهذا حققت المرتبة الثانية من مراتب الدعوة.

 

ثالثًا: مع مجتمعها بأن تُوقظ القلوب المحيطة بها وتدفع بالهمة والمشاركة في فعل الخيراتِ وتُحيي الشعائرَ مع الجيرانِ وتجتمع مع أفرادِ العائلة على إفطاراتٍ هادفةٍ تُنمي الروابطَ العائلية والاجتماعية.

 

كما عليها كداعية أن تتميز في أدائها لعملها سواء أكانت موظفةً أو طالبةً أو طبيبةً.. فليس معنى أنه شهرُ عبادة أن يقل الإنتاج ويضعف العمل.

 

* ما برنامجكم الشخصي والدعوي في رمضان؟

 

** الأصل فيه الحفاظ على صلاةِ التراويح في مسجد الجماعة وعمل إفطاراتٍ هادفةٍ سواء مع الأهل أو الأقارب أو مع أخواتي وزميلاتي؛ وكذلك تنظيم الوقت بحيث لا يستغرق إعداد الطعام أجمل الأوقات والتي هي قبل آذان المغرب فأحرصُ قدر الإمكانِ أن أنتهي من إعدادِ الطعام قبل وقتِ المغربِ بساعة على الأقل؛ لأنها فعلاً أجملُ الأوقات مع اختيارِ الوجباتِ السهلة الخفيفة الصحية السريعة.

 

بالإضافة إلى الحرص على النومِ المبكر؛ حيث إنني أذهب إلى عملي في الصباحِ الباكر، وفي الواقع طبيعة عملي كموجهٍ تربوي بمدارس إسلامية تُساعدني كثيرًا على حسنِ الاستفادة من الشهر خلال اليوم المهني ودعويًّا؛ حيث إنَّ قبل رمضان أبدأ أتابع الآتي:

 

- تجهيز هدية رمضان التي ستُوزع على الأطفال أول يومٍ لإضفاءِ البهجةِ والسرور على استقبال الشهر الكريم.

 

- حث الجميع على تعليقِ الزينة والفانوس في كل مكانٍ؛ حيث يُمكن إضاءته داخل البيوت والأبراج والشوارع والشرفات.

 

- إشاعة التهاني والترحاب بقدوم الشهر وحث الطالبات على هذا.

 

- ثم تجهيز جداول الخواطر الرمضانية في إذاعاتِ الصباح وغيرها.

 

- ثم تجهيز شنطة رمضان سواء التي تُوزَّع عبر اليوم الدراسي على فقراءِ المدارس التي توجد في القرى والأماكن الشعبية أم التي تُوزَّع مساءً على أسرٍ بعينها.

 

- كما يتم تجهيز مواعيد الإفطاراتِ الهادفة سواء مع طبقة المثقفاتِ من سيدات المجتمع أو مع الأقارب وأهل الزوج أو مع أخواتي أو مع الطالبات.

 

- كما يتم أيضًا تجهيز معارض التكافل لمساندةِ الفقراء؛ حيث تُجمع فيها الملابس وتُكوى وتُغسل بالإضافة إلى ملابس جديدة (للعيد)، ويشترك الطالبات والأطفال في الكي والتغليف والتوزيع.

 

- متابعة كيف يتم هذا النشاط وقد ترك أثرًا تربويًّا وإيمانيًّا وأخويًّا في تفويضِ القائمين عليه، بالإضافةِ إلى إدخالِ البهجة والفرحة على قلوبِ الفقراء.

 

* كيف تحققين التوازن بين إدارةِ البيت والدعوة والبرنامج الشخصي؟

** تحقيق التوازن لا يكون أثناء رمضان فقط؛ لأن الأصل أن تكون الأخت المسلمة قادرةً على تحقيقِ التوازن طوال حياتها عندما تقوم بجميعِ الأدوارِ المطلوبة منها كأم وزوجة وداعية فيأتي عليها رمضان وقد اعتادت على ذلك، وجدير بنا الآن أن نذكر بعض العوامل التي تساعد على تحقيق التوازن، ومنها:

 

- تعودي على السرعةِ والإتقان أثناء أداء عملك.

 

- اغتنمي كل دقيقة وأحسني الاستفادة منها.

 

- عوِّدي الأبناء على تحمُّل المسئولية والمساعدة في البيتِ وفرض بعض الأعمال لهم مع تحديدها ومتابعتهم فيها ليعتادوا عليها.

 

- تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ؛ وعلاج آفة العصر وهي السهر والاستيقاظ متأخرًا.

 

- الاهتمام باحتياجاتِ الزوج جيدًا ومعرفة ما يسعده وما يغضبه فتؤدي حقوقه وواجباته بشكلٍ جيدٍ يدفعك إلى إتقانِ باقي الأدوار.

 

- حسن ترتيب أولويات الواجبات والتي هي: التكاليف التعبدية, واجبات الزوج، البيت والأولاد، التكاليف الدعوية والعلاقات العامة.

 

- ثم بعد ترتيب الواجبات والأولويات الرئيسية؛ فرتبي أولوياتِ الأعمال التي داخل كل أولوية، مثلاً: رتبي أولويات الأعمال المنزلية، ثم رتبي أولوياتِ الأعمال الدعوية، وما يمكن تفويضه للأبناء من الأعمال المنزلية أو الواجباتِ الاجتماعية أتركيه للأبناءِ مثل الردِّ على التليفون وزيارة مريضٍ في العائلة، ويمكن أن يقوم أبناؤك الكبار بالتهنئة بشهرِ رمضان والعيدِ للأهل والأقارب وهكذا.

 

* كيف كان الوالد في رمضان؟

** كان يستقبل شهر رمضان بالتهاني لجميع أفراد العائلة وأسر الإخوان خاصةً أُسر المعتقلين؛ حتى أذكر أنه كان يحرص أن يكون معه كشف بأسماءِ وتليفوناتِ أُسرِ المعتقلين ويتواصل معهم طوال الشهرِ بالسؤال وبثِّ رُوح الفخر والاعتزازِ باعتقالِ والدهم.

 

وكان يفطر أول يوم رمضان مع العائلة في القرية؛ حيث تتجمع العائلة من كلِّ البلدانِ والمدن ليفطروا معًا في القرية فكان شديد الحرص على هذا، ويدفعنا أن نتوارث هذا عنه، وأذكر أنه هو والوالدة عليهما الرحمة عوداني أنا وزوجي أن نفعل هذا في قرية زوجي مع عائلته، وفعلاً نحرص أن نفطر أول يوم رمضان وسط الأهل والأقارب جميعًا.

 

كما كان حريصًا على الإفطار الصحي ويحثنا دائمًا على عدمِ الإرهاقِ في إعدادِ الطعام وعدم الإسرافِ، وكان يشاركنا على مائدةِ الإفطار الأقاربُ خاصةً الذين غاب عائلهم في سفر أو وفاة، وكان يفعل هذا مع أسر الإخوان ويشجعنا أن نفعل هذا أيضًا مع أسر الإخوان المحيطين بنا في كل مكان.

 

أما عن عبادته في رمضان: فقد كان أصلاً شديدَ الحرصِ على الصلاةِ في المسجد جماعةً، وفي رمضان كان أشد حرصًا؛ حتى إنه كان يذهب للمسجدِ في رمضان لصلاةِ المغرب قبل الأذان؛ أما صلاة التراويح في المسجد فهذا هو الأصل عنده ولا يتأخر عنها أبدًا، ويحرص على النومِ مبكرًا بعد أن يعود من صلاةِ التراويح ويأكل شيئًا خفيفًا ثم يُصلي قبل النومِ ما استطاع من ركعاتٍ أخرى ثم يستيقظ قبل السحورِ للتهجدِ ويُوتر ويتناول السحور ثم يذهب إلى المسجدِ لصلاةِ الفجر ثم يعود ليستريح قليلاً ثم يستعد للذهابِ إلى العمل يوميًا كالمعتاد.

 

* والاستفادة من الوقت؟

** كان يتجهز للخروج إلى المقرِ ويتلو القرآن وهو في انتظار مَن يصحبه إلى المقر فيستفيد من كل دقيقةٍ في قراءة القرآن؛ وكان يحرص أن يُلبي دعوة إخوانه على الإفطار وكانت الوالدة عليها رحمة الله لا تُبدي ضيقًا من هذا الأمر.

 

وأذكر حين كنتُ مع أبي قبل زواجي كان يجمعنا حوله بعد صلاةِ العصر لقراءةِ المأثوراتِ ووردِ الرابطة والتحدث في بعض المعاني الإيمانية.

 

وأكثر ما كان يلفت النظر أنه كان لا يجلس على المائدة إلا إذا اطمئن على إفطار واحتياجات جميع الأفراد من أول بواب العمارة لأصغر الأحفاد الموجودين.

 

وكان يحرص على تأديةِ الواجبات الاجتماعية في رمضان مهما كانت الظروف مثل عيادة المريض، حل مشكله، حضور عزاء.. إلخ.

 

كان حريصًا على قيام الليل

* ماذا كان يختلف أو يزيد في رمضان، مع ذكر برنامجه الشخصي؟

** فعلاً كان حريصًا على قيامِ الليل طول العام، ويوقظ مَن في البيت جميعًا لحضور قيامِ الليل قبل صلاةِ الفجر وهو لا يختلفُ كثيرًا عن رمضان إلا أنه قد تكون مدة الصلاة أطول والإطالة في الدعاءِ في الوتر، وكنتُ أصلي معه وأشعرُ أنه يكون في غايةِ السعادةِ وهو يؤدي صلاة القيام مهما كانت طبيعة الجو (برد أو حر).