عرض: أحمد التلاوي

عنوان الكتاب: الخوف من الإسلام.

تأليف: عطية الويشي.

الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع- القاهرة.

تاريخ النشر: الطبعة الأولى- 2006م.

عدد الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير.

 

صور مسيئة.. فيديو وقِح يتطاول على الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم).. تصريحات مريبة لقادة غربيين يتطاولون فيها على الإسلام ويعلنونها صريحة "إنَّها حربٌ صليبية".

 

هذه بعض ملامح لقطات سوداء، ألقتها علينا وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة؛ لتُعْلِن بكل وضوح أنَّ هناك حربًا صريحةً على الإسلام، وتؤكد أنَّ كل الروابط الحضارية التي عمل الإنسان في القرون الماضية على تطويرها قد سقطت لحساب مشروع الكراهية والتحريض الغربي الرامي إلى فرض نموذج الحضارة الغربية المسيحية- اليهودية بقيمها المادية على العالم كله، والذي- أي هذا المشروع- قد وجد في الإسلام والحضارة العربية- الإسلامية منافسًا خطيرًا يجب إزاحته بأية وسيلة من مسار المنافسة "الحضارية".

 

وما بين كوبنهاجن حيث يتمُّ بثُّ الصور والأفلام المسيئة إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وواشنطن حيث تنطلق تصريحات الحرب الصليبية الجديدة خيطٌ رفيعٌ ولكنه قويٌّ يعبر بشكل كافٍ عن حجم ما يتم التخطيط له تجاه المسلمين شعوبًا وحضارةً، وتجاه الإسلام دينًا وأسلوبَ حياةٍ، وحتى باستبعاد نظرية المؤامرة- وإنْ كانت واردةً على أي حال- فإنَّ مثل هذه الإساءات تعكس ما يكنُّه الضمير السياسي والشعبي الغربي تجاه المسلمين والإسلام بكل رموزه.

 

وهذا هو الأخطر من نظرية المؤامرة؛ لأن المؤامرة تزول بزوال أطرافها، كما أنَّ أية مؤامرة يكون لها بُعدٌ رسميٌّ قد يتبدَّل وتتحوَّل اتجاهاته بتحول أو تَغَيُّر الطرف الرسمي الواقف خلفها، أمَّا الضمير السياسي والشعبي فيعني أنَّ هناك تأصيلاً وترسيخًا مبرمجَيْن لمشاعر الكراهية والتحريض وكذلك العداء لدى الغرب ضد الإسلام ومعتنقيه وحضارتهم؛ مما يجعل المعركة أكثر صعوبةً.

 

وفي هذا الإطار كان هناك الكثير من التفاعلات الفكرية والسياسية والإعلامية لهذه الأزمة المُسْتَجَدَّة على الساحة العربية والإسلامية، وحاولت العديد من الأقلام أنْ تتناول هذه الإشكالية بمختلف جوانبها، وفي هذا الإطار يأتي كتابٌ جديدٌ أصدرته دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة مؤخرًا للكاتب الإسلامي عطية الويشي حول هذه القضايا بعنوان "الخوف من الإسلام"، ومن خلال هذا العنوان ومحتويات الكتاب يناقش الكاتب في صراحة ووضوح قضية "التخويف" من الإسلام، كما تحاول بعض الدوائر الغربية حاليًا، ومستهدفات هذا "التخويف"، والتي يأتي على رأسها محاولة الحد من وعي المسلم بتاريخه وذاتيته الحضارية وتميزه في هذا المقام على كل ما عداه من الحضارات.

 

والمؤلِّف من أهم كتبه التي صدرت في هذا الإطار كتابان "حوار الحضارات"، و"واقعنا بين العلمانية وتصادم الحضارات" الذي حمل الرقم (59) في سلسلة التنوير الإسلامي التي تُصدرها نهضة مصر.

 

أهداف مسمومة

يتكوَّن الكتاب من سبعة فصول، تناولت العديد من الإشكاليات الفرعية حول القضية الأم التي يطرحها، وهي "الخوف من الإسلام" أو بمعنى آخر "التخويف" منه.

 

ومبدئيًّا رغب المؤلف في إقرار حقيقة أنَّ شعارات "الخوف من الخطر الأخضر" التي يرفعها الغرب في الوقت الراهن لا تنطلق من قناعات حقيقية أو من دواعٍ فعليةٍ لدى الغرب تدفع للخوف من الإسلام، ولكن الحقيقة أنَّ الحملة الراهنة على الإسلام ورموزه ومقدساته تنطلق من هدف رئيسي لدى الدوائر الثقافية والإعلامية الغربية وهو "التخويف" من الإسلام والسعي إلى محاولة حصاره حتى على مستوى أتباعه.

 

وفي هذا السياق ناقش الكتاب مصطلح "الإسلام فوبيا" محاولاً أنْ يجد أصله في الثقافة الغربية وأسباب ظهوره، وفي هذا المستوى من التحليل لم يتحرَّج الكاتب خلال محاولته من تحديد أسباب ظهور هذا المصطلح ودبجه لدى الأوساط الغربية؛ حيث ذكر أنَّ جزءًا من المسئولية في ظهور مشكلة "الإسلام فوبيا" أو ظاهرة "التخويف من الإسلام" يعود إلى المسلمين أنفسهم في ظل حالة التراجع الحضاري الراهنة التي تعيشها الأمة.

 

والظاهرة التي يتناولها الكتاب بالتحليل في هذا الموضع تحتمل في تفسيرها العديد من الأسباب، بعضها تاريخي يعود إلى جذور التنافس الحضاري بين الشرق والغرب، وكذلك ظاهرة "الخوف من الآخر" التي تُعتبر أحد السمات الرئيسية للحضارة الغربية المسكونة دائمًا بهواجس التفوق والخوف أيضًا.

 

هذه العوامل التاريخية ترجع في جذورها أيضًا إلى حالة الوعي المشوَّه الذي نشأ لدى المواطن الأوروبي، والتي خلَّفَتْها فترة الحروب الصليبية، والتضليل الذي مارسته الكنيسة حول الإسلام والحضارة الإسلامية في ذلك الوقت.

 

والبعض الآخر يعود إلى الواقع الحضاري للمسلمين أنفسهم كما سبق القول، كما أنَّ هناك العديد من الأسباب التي تعود إلى غير المسلمين، ومن ضمن هذه العوامل الطبيعة المادية التي تُمَيِّز الحضارة الغربية، والتي ترفض في جوهرها كل القيم الروحية والأخلاقية التي يدعو إليها الإسلام، كما أنَّ الخشية من التنامي الديموجرافي لحجم المسلمين في العالم، وبالذات في المناطق التي تطوِّق أوروبا في جنوب المتوسط وفي داخل أوروبا الغربية ذاتها باتت على رأس العوامل التي خلقت ظاهرةَ "الإسلام فوبيا" هذه.

 

وقد استغلت العديد من الدوائر الصهيونية والغربية حالة السيولة الراهنة في النظام العالمي، التي ظهرت في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق للترويج لنسق الكراهية والتحريض الراهن ضد العالم الإسلامي وضد الإسلام، تحت مسميات "الحرب العالمية ضد الإرهاب" ومواجهة "الفاشية الإسلامية"، مع تحريك قوة نيران عسكرية هائلة في أفغانستان والعراق لتدعيم المزاعم الخاصة بالاتهامات الموجَّهة للإسلام، والتي ورد آخرها على لسان رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر، والتي زعم فيها أنَّ الإسلام دين يدعو إلى العنف وأنه انتشر بحد السيف!!

 

والحقيقة إنَّ أفكار جوديث ميلر وبرنارد لويس وغيرهما من عتاة التطرف الفكري الغربي ضد الإسلام وحضارته قد وجدت طريقها إلى صانع القرار الأمريكي والغربي بوجه عام، وقد دعَّمَتْ مجموعةٌ من المصالح الاقتصادية والسياسية وكذلك الأمنية هذه النظرة؛ بحيث باتت المؤسسات العسكرية والسياسية الأمريكية تبحث بالفعل عن عدوٍّ لها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وقد وقع الخيار على العالم العربي والإسلامي.

 

ومن بين أبرز التقييمات التي ظهرت في الولايات المتحدة في هذا الشأن تقرير بعنوان "تهديد الإسلام الإستراتيجي" لأحد مستشاري الأمن القومي للبيت الأبيض، وهو يهودي يُدعى إيزكيل درور، وفيه طالب درور الغرب بالتجاوز عن الأخلاقيات لـ"تسويد القيم الغربية" و"درء المفاسد الكبرى"، وكلها توصيات يبدو جليًّا لكل ذي عينين أنَّه يتم تطبيقها الآن بحذافيرها.
وكما تمَّ تطبيق مثل هذه "التوصيات" جازت أيضًا مقولة الفيلسوف والقاضي الأمريكي أوليفر هولمز "إنَّ الحق يمتلكه الشعب القادر على قهر الشعوب الأخرى" التي أطلقها في الربع الأول من القرن العشرين في الوقت الراهن في ظل المؤشرات التي تعطيها الأوضاع في العراق والسودان وغيرها.

 

أدوات سوداء

وفي سبيل تحقيق أهداف الغرب تجاه العالم الإسلامي والحضارة الإسلامية تبنَّت الدوائر الصهيونية والمسيحية المحافظة في الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الصهيوني وغيرها من بقاع العالم الغربي أو تلك المحسوبة على "الحضارة" الغربية مجموعةً من الإستراتيجيات المتكاملة التي شملت العسكري والإعلامي والثقافي وغير ذلك من المداخل.

 

ومن بين أهم تلك الأدوات:

1- إعادة كتابة التاريخ الإنساني على ذات النسق الغربي ومن وجهة نظر الغربيين.

 

2- تدعيم النشاط الاستشراقي والتسويق من خلال ما يُكتَب من دراسات استشراقية لنموذج "التخويف" من الإسلام.

 

3- دعمت صناعة السينما الأمريكية في هوليوود بما تمتلكه من رأس مالٍ يهودي عملية "عولمة" مصطلح "الإسلام فوبيا".

 

4- دعم الكثير من الأنظمة السياسية الحاكمة ذات الطابع الاستبدادي والشمولي في سبيل إضفاء صورة سيئة ومتخلفة على العالم العربي والإسلامي.

 

وبجانب هذا الإطار عمدت الآلةُ الإعلاميةُ الغربيةُ ذات التمويل الصهيوني في الغالب على الترويج لمشاعر التخويف والكراهية في العالم كله ضد الإسلام والمسلمين، بل وفي أوساط المسلمين أنفسهم، مع السعي لتدعيم النموذج الغربي و"قيمه" داخل الأمة عبر التحكُّم في مصائرها وثرواتها واقتصادياتها، بل والتحكم في أفكارها ذاتها، عن طريق الإعلام ووسائط المعلومات والثقافة الحديثة، وقد نجم عن ذلك الوضع مجموعتان رئيسيتان من التداعيات أو التأثيرات على العالم الإسلامي وعلى المسلمين بين السلب والإيجاب.

 

وفي الجانب السلبي من التأثيرات هناك ظواهر عدة مسَّت المسلمين في الغرب مع انتشار جرائم الكراهية ضد العرب والمسلمين، مع ممارسة أسوأ ألوان الحصار والاضطهاد ضد الأقليات الإسلامية في الغرب، مع الحيلولة دون اندماج المسلمين في البلدان الغربية في مجتمعاتهم الجديدة.

 

ومن بين هذه الجوانب أو الظواهر السلبية إيجاد المبررات لشنِّ الحروب على بعض البلدان العربية والإسلامية كما في أفغانستان والعراق وكما يُدَبَّر حاليًا ضد السودان، مع حرص الغرب على تدعيم قيم الوهن الحضاري والحصار الثقافي والفكري داخل بلدان العالم الإسلامي، مع زيادة نفوذ المؤسسات الصهيونية واليمينية المتطرفة على دوائر صنع القرار في هذه البلدان، كما تمَّ تجريم المقاومة المشروعة ضد المحتل الأجنبي الغاشم ووصمها بـ"الإرهاب"؛ وذلك لإفساح المجال أمام التحالف الأمريكي- الصهيوني للتغلغل داخل الأمة دون وجود أي رادع.

 

وعلى الجانب السياسي أيضًا للتأثيرات السلبية لهذه السياسات الغربية نجد أنَّ بلدان العالم الإسلامي باتت تعاني من أسوأ ألوان الديكتاتورية وانتهاكات حقوق الإنسان؛ مما أضاع حقوق الأقليات وزرع بذور الفتنة الطائفية وزاد من حالة "التفخيخ" القائمة في الحياة السياسية في العالم الإسلامي.

 

ولكن الصورة ليست مظلمةً في مختلف جوانبها، فهناك آثارٌ إيجابيةٌ لهذه الحملة على الإسلام، وإنْ لم تكن بذات قوة التأثيرات السلبية بطبيعة الحال، ولعل أبرز المناحي الإيجابية في هذا المقام هو بدء اهتمام الأوساط الغربية بالإسلام دينًا وحضارةً، سواءٌ الجامعات أو مراكز الأبحاث وحتى الكنائس، مع وجود اتجاه جديد في داخل المجتمع الأمريكي ذاته يحاول أنْ يفهم حقيقة ما تقوله وسائل الإعلام والأدوات الثقافية والمعرفية الغربية والصهيونية عن الإسلام والمسلمين من مزاعم.

 

ردٌّ على الشبهات

وفي ختام كتابه أفرد عطية الويشي قسمًا كبيرًا في نهايته للردِّ على مجموعة من الشبهات التي حاولت الآلة الإعلامية والسياسية الغربية الترويجَ لها، وكان أهم ما ركَّز عليه في هذا الإطار شبهة العنف و"الإرهاب"، وكذلك رفض الآخر، وقال المؤلف في هذا الشأن إنَّ فكر الإرهاب والعنف ورفْض الآخر كان الغرب هو المؤسس الأول له، وكان الحاضنة الرئيسية له، ودلَّل على ذلك بالحروب الصليبية.

 

وذلك مع التأكيد على طبيعة القيم التي جاء بها الإسلام، والجانب العالمي للرسالة الإسلامية وأهدافها التي لم تكن أبدًا لنفي الآخر كما يزعم الغرب، بل للإعلاء من قيم الإنسانية وأخلاقياتها كما أنزلها الله سبحانه وتعالى.