كلمة الدكتور رمضان خميس الغريب أستاذ التفسير بجامعة الأزهر وجامعة قطر..

وهذا نَص الكلمة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

( كورونا بين البلاء والعطاء )؛ الى جماهير شعبنا العزيز نقول :

•    فالإسلام هو دين الله الخاتم ، جمع فيه ما تفرق من شرائعه السابقة ورصد فيها ما يصلح للبشرية كلها عبر الزمان والمكان والأفراد؛ فهو الدين الذي امتد طولا حتى شمل آباد الزمن وامتد عرضا حتى انتظم آفاق الأمم وامتد عمقا حتى شمل أمور الدنيا والآخرة، وله في كل حادثة حديث وفي  كل نازلة تنزل وفي كل مشكلة حل، وعلم أتباعه منهجيات للتعامل مع الأزمات والمحن خاصة أو عامة.

•    لقد مضت سنة الله تعالى أن يبتلي الناس بالخير والشر  كما قال الله تعالى  : (ونبلوكم الشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) كما مضت سنته تعالى أنه له في كل محنة منحة وفي كل بلاء عطاء وفي كل سلب إيتاء،  (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

•    وإننا إزاء هذا الحدث الجلل والوباء المنتشر نتقدم الى شعبنا بهذا البيان الذي كلف الله به علماء الأمة ( ..لتبيننه للناس ولا تكتمونه .. ) ومن منطلق حبنا لشعبنا وأهلنا  ، " فإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم أو نستكين لليأس ، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، و لن نكون عليكم في يوم من الأيام".

ومن هدي  الإسلام   بصفة عامة وفي مثل هذه النوازل بصفة خاصة:

•    الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره  وعدم التسخط أو التشاؤم من المرض  .فمن أنزل البلاء قادر على إنزال الشفاء (وإذا مرضت فهو يشفين)  ، وعلينا أن نتزود من الإيمان بالله وما يبعثه في النفس من الأمن والسكينة والاطمئنان في مواجهة الشدئد

•     أن نجدّد صلتنا بربنا سبحانه وتعالى، وأن نكثر من التقرّب إليه بالطاعات من صلاة وصدقة وصيام وغيرها، وأن نتضرّع إليه بالدعاء كثيرا أن يرفع الوباء عن بلدنا، وعن بلاد الدنيا كلّها،  والله تعالى يقول: ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون) الانعام   42،43وأن نداوم على الاستغفار والتوبة الصادقة

•     الأخذ بأسباب الوقاية  كما قال تعالى: ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) وقوله ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  ( مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) وقال: (يا عبادَ اللهِ تَدَاوَوْا )

وهذا يوجب الالتزام بإجراءات  الحجر الصحي  كما  أشار الى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  فيما رواه البخاري :( لا يُورِدُ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ) أي: لا يُؤتَى بمريضٍ على صَحيحٍ سَليمٍ؛ مخافَةَ أن يُعديَه .

•    التكافل والتعاون والتراحم في مواجهة هذا الوباء وذلك بتعجيل الزكوات والصدقات فإن لله حقوقا كثيرة  في أموال الأغنياء غير الزكاة قررتها الشريعة الغراء  ،و نوصي الأثرياء بأداء واجبهم في تقديم الدعم المطلوب، من تبرعاتهم وصدقاتهم وزكواتهم، لصالح المحتاجين والمضارين  ونشدّد على عدم المبالغة في تَخزين السلع الغذائية والاكتفاء بالحاجات الطبيعيّة، كما نحذّر التجار من عاقبة الاحتكار ورفع أسعار السلع واستغلال حاجات الناس ، كما نوصي الشعب بضرورة التفاعل مع الوطن في هذه المحنة، ونشجّع كافة المبادرات الإيجابية مثل حملات التبرع لدعم المستشفيات وحملات التبرع بالدم وحملات خدمة المحتاجين والمسنين وفي هذا الصدد نشجع مبادرة الأزهر للأسر المضارة مع أخذ أسباب الوقاية من الوباء فقد حثنا على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم  ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ) 

•    نهيب بالجميع أن يلتزموا بالقرارات الإدارية بالبقاء في البيوت، والاستمرار في عدم إقامة الشعائر في المساجد، ومنع التجمعات حتى تنكشف الغمّة،  فهذا مما رخص فيه الشرع الحنيف واتفق عليه العلماء كما نحذّر من نقل الشائعات وترويجها لأنها تضر بالصالح العام.

•    نتوجه  بالشكر الخالص للطواقم الطبية التي تسهر على رعاية المرضى وخدمتهم، وندعوا الله أن يحفظهم وأن يسلمهم من كل داءٍ وشر ، كما نشجع الشباب بالتطوع مع فرق الإسعاف والمؤسسات الطبية والخدمية على أن يكون ذلك كله بالتنسيق مع الجهات المعنية في كل مدينة . فهذا من أعظم القربات والطاعات في هذا الوقت .  

•    كما نهيب بالعلماء والدعاة إلى القيام بدورهم في إرشاد الناس ودعمهم روحياً وثقافياً من خلال وسائل الاتصال الحديثة فهذا هو واجب الوقت عليهم . وتبنّي خطاب حضاري إنساني عالمي، وبثّ روح الأمل والتفاؤل، وإبراز مظاهر التيسير والرحمة والمنح في أوقات البلاء والمحن والشدائد، واعتماد قرارات هيئات الإفتاء التي ما قصرت في البيان .

•    اللهم يا من لا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولابحر ما في قعره ولا جبل ما في وعره يا من يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وما أظلم عليه الليل وما أشرق عليه النهار، اللهم هذا البلاء جند من جندك وخلق من خلق فإذا أعجزنا فإنه لا يعجزك فأنت على كل شيء قدير اللهم  أن ترفع عنا وعن البشرية هذا البلاء.