بقلم: صادق أمين
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4).. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: 89).. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: 10) اللهم آمين.
يظن كثير من الناس حينما يعطيهم الله منصبًا أو مالاً ومكانةً في هذه الدنيا يظنون أنهم فوق المحاسبة، وأنهم فوق المساءلة كيف يُحاسبون ويُسألون وهم يمتلكون من القوة والسلطان ما يجعلهم ينسفون الحجج للآخرين بما امتلكوا من وسائل للدعاية يعلو صوتها.
وحينما ينظر المؤمن إلى وضعٍ كهذا الوضع يرى الحق يتعرض للمتاعب والعقبات، ويرى الطهر والعفاف في قفص الاتهام، ويرى الشر يجلس في مقاعد الحكم, وكأنَّ هذه الدنيا قد تحولت إلى مسرح عابثٍ يعلوه الشر، وتحقق فيه الرذيلة، وتعلو قيم الفساد على حساب قيم الحق والخير، ولكن ينبغي أن يكون في أذهاننا دائمًا حقائق وقوانين وضعها الله لأصحاب الدعوات- طُبقت قديمًا وتُطبق في الواقع الذي نعيش فيه- ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
هذا القانون ذُكِرَ في معرض قصة يوسف عليه السلام، وقدْ أُخِذَ يوسفُ، وأُلقي في البئر وهو لا يملك قوةً يدفع بها هذا الأذى الذي تعرَّض له, وبعد أن وصلَ إلى قصرِ الحاكمِ إذا به يُتَّهمُ في تُهمةٍ هو منها براء حتى الشهود الذين جيء بهم للشهادة كانت شهادتهم في مصلحة يوسف، ولكن سُجِنَ يُوسفُ عليه السلام؛ لأنه طاهر؛ لأنه عفيف؛ لأنه صفَّ أقدامه على طريق الحقِ.
جلسَ الشرُ في مقاعد الحكم، ودخل يوسفُ الصديقُ السجنَ، وعاش فترةً فيه، ورتب الله الأحداثَ بطريقةٍ وصلت في منتهاها إلى أن يوسف وصل إلى مقعد الحكم، وجاء له إخوته الذين كادوا له يمدون أيديهم بالتسول والشحاذة.. ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (يوسف: 88)، وكما نجح في ابتلاءاتِ الشدةِ التي تعرَّض لها من إخوته ومن أقربائه، ونجح في اختبار محنة القصر وفتنة السجن؛ نجح حينما انفتحت عليه الدنيا، وكثيرٌ من الناسِ تعصف بهم المحن إذا انفتحت الدنيا عليهم.. وشأن المؤمن الصادق أن يثبت في مواطن الشدة وفي مواطن النعمة.
ولد مُوسى في وضعٍ كان فرعون يذبح الأطفالَ، ويهدد النساء, ولد مُوسى وعيون فرعون في كل ناحيةٍ تبحث عن مواليد بني إسرائيل, وها هي أم موسى تضع موسى الرضيع والسكين يُوشك أن يجتز عنقه, لا تدري كيف تتصرف وماذا تفعل- ويأتي جند فرعون- وإذا بالله رب العالمين يُوحي إليها وحيًا إلهاميًا يخبرها كيف تتصرف.. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص: 7)، واستجابت لهذا الوحي، وألقتْ هذا الوليدَ في البحر كما أوحى إليها، ووصلَ مُوسى الرضيع الذي لا يملك شيئًا من أسباب القوة؛ وصل إلى قصر فرعون، أوصله الله إلى هذا المكان ليقول لفرعون في رسالةٍ مؤداها: (ها هو طفل رضيع أوصله إلى قصرك، وأنت الذي ستتولى تربيته وتنشئته وهلاكك سيكون على يديه, وقد كان....) ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
نرى الشر يجلس في مواقع الحكم على البرءاء، الذين لم يقترفوا ذلةً إلا أنهم صفُّوا أقدامهم على طريق رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
نرى هؤلاء الأطهار يُحاكمون في محاكمَ هزليةٍ، الخصم فيها هو الحكم, قديمًا حاكم الحجاج سعيد بن جبير بغير ذنبٍ ارتكبه سعيد إلا أنه يُقيم قيم الحق والخير في مجتمعه، وجيء بسعيد بعد أن أُلقي القبضُ عليه، وحُوكِمَ في مُحاكمةٍ هزلية.
قال له الحجاج: ما اسمك؟
قال سعيد: سعد بن جبير .
قال: بل شقي بن مكسور.
قال سعيد: أمي أعلم باسمي منك.
قال: شقيتَ وشقيَتْ أمك.
قال الحجاج: ماذا تقول فيَّ؟
قال سعيدُ: لقد علمتُكَ مُحارِبًا لدين الله سفَّاك الدماء.
قال الحجاجُ: ألم أفتح بلاد السند!
قال: نَعَم، ولكنك مسرفٌ في الدماء، وقتل امرِئ مُسلمٍ أشدُ حُرْمَةً عند اللهِ من حُرْمَةِ الكعبة.
اغتاظ الحجاج، وأمر أن يُقتل سعيد فضحك سعيد, قال: ما أضحكك؟
قال: أضحكُ من جرأتك على اللهِ وحلم الله عليك.
أخذوه، فرفع سعيد شكواه إلى الله: اللهم لا تُصلِّته على أحدٍ يقتله من بعدي.
وتفتحت أبوابُ السماءِ لدعوته؛ دعوة المظلوم التي لا تُردُّ, فلم يمضِ على الحجاجِ إلا القليلُ وإذا به يُصاب بالمرضِ لا يستطيع معه النوم, وإذا به يُردد: ما لِيَ ولسعيد بن جبير، وظلَّ على هذه الحالة حتى مات.
وقديمًا حُمِلَ الإمامُ أحمدُ أمامَ المأمونِ بعدما ضيَّق على الدُعاةِ وأودع الأئمة السجونَ وبقي الإمامُ أحمدُ، وجاء الدورُ عليه، فجيء به مقيدًا بالسلاسل لكي يُقتل, قابله رجل وهو في طريقه إلى المأمون قائلاً له: لقد جرَّد لك المأمونُ سيفًا لم يجرده لأحد من قبلك، فجثا الإمامُ أحمدُ على ركبتيه وقال: يا رب غر هذا الأميرَ الأحمق حلمك به.. اللهم اكفنيه بما شئت وكيف شئت, فلم يأتِ العصر إلا وصُرِخَ في بغداد أن المأمون قد مات.
فلا يظن أحدٌ أن هؤلاء الذين يظنون أنهم فوق المساءلة سيتركون، وعلى المؤمنين الأطهار أن يرفعوا أيديهم إلى الله بالدعاء؛ فهو سلاح المؤمنين الذين يتعرضون للظلم حينما يحملون قِيم الحق في وسط مجتمعهم، نستعين عليهم بدعاء السَحَرِ وسِهَامِ القدرِ؛ فارفعوا أكفَّ الضراعةِ إلى الله، اسألوه أن يرفع الظلمَ عن إخوانكم، وألا يمهل هؤلاء الظالمين الذين طغوا في البلاد.