بقلم: عماد عجوة*

عاش المجتمع المصري فترات كثيرة من تاريخه السياسي والإداري ما يعرف بظاهرة البذل والبرطلة، ونعني بهما الرشوة بمصطلح العصر الحديث، وهو ما يُعبِّر عمَّا وصل إليه المجتمع من تفككٍ وانحلالٍ نتيجة لتأصل هذه الظاهرة قديمًا وحديثًا في ذهن كلٍّ من الحاكم والمحكوم، حيث كان البذل "البرطلة" الطريق الوحيد الموصل إلى الوظائف الهامة في الدولة بعد أن أصبحت الجدارة والكفاءة لا قيمةَ لهما أمام طوفان الأموال المبذولة؛ الأمر الذي أدَّى في النهاية إلى ما تعيش فيه مصر اليوم من فسادٍ سياسي وإداري واقتصادي واجتماعي يرجع إلى تفشي هذه الظاهرة بين طبقة رأس المال في المجتمع والسلطة الحاكمة.

 

على أنه من الخطأ البيِّن أن نرمي كل الحكام بالرشوة والانغماس فيها؛ لأنَّ التاريخَ يحدثنا عن وجود فئة من الحكام عرفوا بنزاهتهم وتعففهم عمَّا بأيدي الرعية من الأموال وغيرها، وقد بذلت قدر طاقتها للقضاء على هذه الظاهرة التي حرمها الإسلام ونهى عنها، فقد روى عنه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه قال: "لعن الله الراشي والمرتشي"، ولكن ماذا تستطيع تلك الفئة من الحكام أن تفعل أمام ضعاف النفوس الراغبين في الثراء بأيسر الطرق وأخس الوسائل بدليل استمرار تلك الظاهرة على مرِّ العصورِ حتى وقتنا الحاضر وأصبحت تمارس علنًا دون خفاء.

 

وقد روت المصادر التاريخية حالات كثيرة لا تُحصى ولا تُعدُّ لتولي المناصب عن طريق البذل و"البرطلة" خاصةً في الوظائفِ العسكرية والإدارية وحتى الدينية فقد تعرَّضت الوظائف الإدارية لموجة كبيرة من البذل والبرطلة والتي سادت عصورًا مختلفةً من تاريخ مصر كالعصر الأخشيدي والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني، ويأتي على رأس هذه الوظائف الوزارة والوزراء، فقد كان الخاطبون لها يتنافسون في السعايات والوساطات ودفع الرشاوى إلى خاصية الحكام؛ أملاً في الوصول إلى مركز الوزارة، ومما كان يزيد الطين بلة أن تولاها أوباش الناس في كثيرٍ من فتراتها، وكان بمجرد نجاح هذا الساعي وتوليه الوزارة فإنه كان يسارع إلى تولية حاشيته وأنصاره ليضعهم في وظائف الوزارة، فإذا ما سقط هذا ذهب هؤلاء بذهابه؛ الأمر الذي نتج عنه ضعف مركز الوزارة وضعف عملها مما وقف حائلاً دون الاستقرار الإداري فأصاب الخلل أركان الدولة وفشا الفساد وعمت الرشوة وكثرت المظالم.

 

ولا جدالَ في أنَّ البذل والبرطلة قد سرى وشاع في الوظائف الدينية ولا شك أيضًا أن المتتبع لأخبار هذه الوظائف في المصادر التاريخية سوف يلاحظ بوضوح مدى التدهور الذي آلت إليه هذه الوظائف وبخاصة القضاء والحسبة ومشيخة الشيوخ وبيت المال وغيرها نتيجةً للبرطلة عليها بعد أن انعدمت الكفاءة والجدارة؛ حيث حل محلها المال وسلطانه، فأقبل أصحاب النفوس الضعيفة يزايدون على هذه الوظئاف الجليلة إما طمعًا في تحقيق كسب غير مشروع أو حرصًا على الاحتفاظ بأحد المناصب الهامة أو المتوارثة أو نكاية في بعض الأفراد.

 

ويرى المؤرخ القلقشندي صاحب كتاب الأعشى أن وظيفة قاضي القضاة كانت تأتي على رأس هذه الوظائف الدينية التي كان من الطبيعي أن يكثر البذل والبرطلة عليها، ويكشف لنا ابن خلدون في تاريخه مدى ما أصاب هذا المنصب من انحطاط نتيجة للتكالب عليه بالبذل والبرطلة، وقد شن ابن خلدون (الذي لم يسلم من الاتهامات هو أيضًا) حملة نكراء على بعض القضاة لسعيهم وراء الوظائف بالمال ولانغماسهم في الرشوة مما يتنافى مع مهام وظائفهم؛ الأمر الذي جلب عليه في النهاية كراهيتهم له وتحزبهم ضده.

 

وأصبحت هذه الوظيفة موضع صراع بين المتنافسين عليها، وتضمنت المصادر التاريخية كثيرًا من الأمثلة لحالات البذل والبرطلة ودفع الرشاوى للحصول على هذا المنصب، فيذكر المقريزي في كتابه السلوك أنَّ الشيخ شمس الدين الهروي سنة 825هـ- 1422م سعى في قضاء القضاة الشافعية وحمل معه للسلطان الأشرف برسباي هدية قيمت بنحو خمسمائة دينار سوى ما أهداه للأمراء، ويذكر السخاوي أن الشيخ صالح بن عمر العسقلاني الذي أعيد إلى قضاء الشافعية ببذل مال كثير قيل أنه تجاوز الثمانية آلاف دينار.

 

وتعدى الأمر مجرد دفع الرشوة للحصول على منصب القضاء؛ بل كان كثيرًا من القضاة الذين وصلوا لهذا المنصب بالبذل والبرطلة يتقاضون الرشاوى أثناء عملهم فيذكر لنا الكندي في كتابه الولاة وكتاب القضاة أن يحيى بن ميمون الحضرمي تولى قضاء مصر سنة 105هـ/ 723م في خلافة هشام بن عبد الملك وكان لا يكتب قضية إلا برشوة، وعندما علم الخليفة بالأمر كتب للوليد بن رفاعة والي مصر أن اصرف يحيى عمَّا يتولاه من القضاء مذمومًا مدحورًا وأن يختار رجلاً عفيفًا ورعًا تقيًَّا سليمًا من العيوب لا تأخذه في الله لومة لائم، وتحتوي مصادر العصر الفاطمي في مصر على العديدِ من الحالات التي تثبت بما لا يقبل الشك أن الرشوة كانت متفشية بين أفراد هذا العصر، ولعل شيوع الرشوة بين بعض قضاة هذا العصر جعلت الخليفة الحاكم بأمر الله حسبما ذكر الكندي يضاعف من أرزاق وإقطاعات القضاة حتى يحول بينهم وبين أخذ الأموال بغير الحق، ولم يكن العصر الأيوبي أقل حظًّا من تفشي ظاهرة الرشوة والبرطلة، فتذكر المصادر التاريخية أن الرشوة كانت متفشية في بعض نواحي الجهاز الإداري، فيذكر عبد الرحمن الشيزاري في كتابه نهاية الرتبة في طلب الحسبة أن وكلاء القضاة قد دأبوا على أخذ الرشوة من المتخاصمين.

 

تعددت الأسباب

من المعروف أن دراسة هذه الظاهرة الاجتماعية تعتمد أساسًا على عدة أبعاد أهمها البعد الاجتماعي والبعد السياسي والبعد الاقتصادي والبعد الفردي والبعد المؤسسي، وهي تُكمِّل بعضها البعض، ولا يمكن تغافل أي منها حتى يمكن فهم هذه الظاهرة فهمًا واضحًا، والمتتبع لتاريخ مصر الاجتماعي سوف يلاحظ بوضوح مدى أهمية البعد الاقتصادي في انتشار هذه الظاهرة، فقد كانت وما تزال موجات الغلاء التي شهدتها وتشهدها البلاد أثر على تدهور الحياة الاقتصادية وسبب في التجاهر بأخذ الرشاوى والبراطيل.

 

يُضاف إلى ذلك سبب آخر هو فساد النظام السياسي خاصةً في فترات كثيرة من التاريخ السياسي المصري، فأصبح الولاة أداة ومعول تخريب في الدولة بسبب طلبهم المال، حتى إنَّ كثيرًا ممن حكموا مصر لجئوا لتدبير الأموال اللازمة لإشباع نهمهم المتزايد وطلبهم للمال عن طريق أخذ البراطيل على الوظائف، بل وصل الأمر أنه كلما شعر أحد الحكام بحاجته إلى المال سارع بالضغط على كبار موظفي الدولة من الوزراء ونواب السلطنة والقضاة وتهديدهم بالعزل من وظيفتهم حتى يبذلوا له المزيد من المال حرصًا على الاحتفاظ بمنصبه، فتروي المصادر كيف أنَّ الوزيرَ عيسى بن نسطوريس عندما قبض عليه الخليفة الفاطمي العزيز استشفع بست الملك ابنة الخليفة وقدم لخزانة العزيز ثلاثمائة ألف دينار ثمنًا لإطلاق سراحه.

 

أما عن الأسباب الاجتماعية لهذه الظاهرة فتبدو بوضوحٍ من خلال حاجة كثير من حكام مصر إلى الأموال نتيجةً لحياة الترف التي أقبلوا عليها طوال سنوات حكمهم، وقد حرص كثيرٌ من المؤرخين على ذكر المبالغ الباهظة التي أنفقها الحكام في حياتهم، وتفيض كتابات المؤرخين بأخبار أفراح السلاطين والحكام والأمراء وأبنائهم وحفلاتهم وما تنطق به هذه الاحتفالات من ثروةٍ وإسراف.

 

وهكذا وجد كثيرٌ من الناس في البذل والبرطلة وسيلة لسرعةِ الترقي والتدرج في الوظائف فأقبلوا على السلاطين وكبار رجال الدولة حاملين الأموال الجزيلة؛ الأمر الذي أدَّى إلى انتشار هذه الظاهرة، مما حدا بالمؤرخ ابن تعزى بردي أن يذكر أنه صار لا يترقى في الدولة إلا مَن يبذل المال ولو كان من أوباش السوقة لشره الملوك في جمع الأموال، هذا ويجب ألا يغيب عن الذهن أنَّ الرغبة في قضاء المصالح والحوائج كانت من أكبر العوامل التي ساعدت على ذيوع هذه الظاهرة في المجتمع المصري قديمًا وحديثًا.

 

نتائج تفشي ظاهرة الرشوة

هكذا يتضح مما سبق عرضه أنَّ انتشار وازدياد ظاهرة الرشوة أو ما عُرف قديمًا بالبذل والبرطلة لم يكن نتيجة عامل واحد أو سبب بعينه، وإنما جاء في الواقع نتيجةً لأسباب وعوامل متعددة تضافرت جميعًا حتى أخذت الرشوة صورة صارخة ترتب عليها عدة نتائج خطيرة حددها كثير من المؤرخين.

 

فقد أجمل لنا المؤرخ المقريزي في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" بعضًا منها أثناء حديثه عن انتشار هذه الظاهرة فيقول: "... وصل هذا الفساد ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل فتخطى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وباغٍ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة لتوصله بأحد حواشي السلطان ووعده بمالٍ للسلطان على ما يُريده من الأعمال، ولا جرم أنه يغمض عينيه ولا يبالي بما أخذ من أنواع المال ولا عليه بما يتلفه في مقابلِ ذلك من الأنفس ولا بما يريقه من الدماء ولا بما يستقه من الحرائر، وعلى هذا فقد بات واضحًا أنَّ البذلَ والبرطلةَ قد أفضيا في النهايةِ إلى توصل أوباش الناس إلى الرتب العليا والمراتب السنية، بل وإلى استقرار العوام وآحاد الباعة في سلك الجندية وأيضًا إلى وقوع الساعين على الوظائف والمتنافسين عليها تحت وطأة الدين وكاهله".

 

ويشير المقريزي إلى امتداد هذه الظاهرة وتأثيرها على الأقاليم والريف فيقول: "فما دهى أهل الريف بكثيرة المغارم وتنوع المظالم اختلت أحوالهم وتمزقوا كل ممزق وجلوا عن أوطانهم فقلت مجابي البلاد ومتحصلها لقلةِ ما يُزرع بها ولخلو أهلها ورحيلهم عنها لشدة الوطأةِ من الولاة عليهم؛ وذلك لأنَّ الولاة في الأقاليم وغيرهم في الوظائف الدولة انصرفوا مباشرةً عن مهام وظائفهم وأعبائهم إلى جمعِ المال من كل صوبٍ وحدب، إما لتعويض ما سبق أن بذلوه للحكام على هذه الوظائف؛ الأمر الذي أدَّى في النهاية إلى فساد هذه الوظائف وانهيارها خاصةً بعد أن وليها ممن ليس أهلاً لها".

 

ويذكر المقريزي أنه نتج عن ظاهرة البرطلة والرشوة في المجتمع المصري إلى ظاهرة جديدة هي الجمع بين عدة وظائف في آنٍ واحد وأيضًا إلى الاستنابة فيها، وأحيانًا إلى التنازل عنها نظير مبلغ من المال مما أشاع الفساد في جميع أركان الدولة؛ حيث انتشرت الفوضى بعد أن تهاون ولاة الأمور في تتبع أصحاب الجرائم فانتشر الذعر وقطاع الطرق وامتدت أيديهم إلى سلبِ ما في أيدي الناس من البضائع والأموال، كل ذلك وأرباب الوظائف غافلون عنهم بجمعِ المال وإنفاقه في الشهواتِ واللذات التي حرمها الشرع.

 

هذه الصورة التي صورها المقريزي لحال المجتمع المصري في فترة تاريخ مصر وكأنه يصف حال مصر اليوم وما تعيشه من فسادٍ سياسي واقتصادي واجتماعي وسيطرةٍ لأصحاب رأس المال على مقاليدِ الحكم مما آل بالبلادِ والعباد إلى ما نعيشه من انهيارٍ وفساد، ويا ليتنا نأخذ العبرة والعظة من تاريخنا ومؤرخينا ولله الأمر من قبل ومن بعد".

---------

* ماجستير آثار إسلامية