بقلم: عماد عجوة*
![]() |
وفي نفس الوقت يُفتح بابٌ من الأبواب الإثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة، ويَخرج منها فارسٌ يدور حول الساعة، ثم يعود إلى حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسًا مرةً واحدةً، ويدورون دورةً كاملةً ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتغلق خلفهم، كان هذا هو الوصف الذي جاء في المراجع الأجنبية والعربية عن تلك الساعة التي كانت تُعدُّ وقتئذٍ أعجوبةَ الفن، وأثارت دهشة الملك وحاشيته.. ولكنَّ رهبان القصر اعتقدوا أنَّ في داخل الساعةِ شيطانًا يحرِّكها، فتربصوا به ليلاً، وأحضروا البُلَط وانهالوا عليها تحطيمًا، إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئًا، وتُوَاصل مراجع التاريخ الرواية فتقول: إنَّ العرب قد وصلوا في تطويرِ هذا النوع من الآلاتِ إلى قياس الزمن؛ بحيث إنه في عهد الخليفة المأمون أهدَى إلى ملك فرنسا ساعةً أكثرَ تطورًا، تُدارُ بالقوة الميكانيكية بواسطة أثقالٍ حديديةٍ معلَّقة بسلاسل؛ وذلك بدلاً من القوة المائية.
وقد تجلَّت مهارة المسلمين الميكانيكية في صناعة الساعات الكبيرة والصغيرة، ويذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) أنَّ أحد أبواب جامع دمشق كان يُسمَّى باب الساعات؛ لأنه عُمل فيها الساعات التي اخترعها فخر الدين الساعاتي، وكان يعمل بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير وحية من نحاس وغراب، فإذا تمَّت الساعة خرجت الحية فصفَّرت العصافير وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطستِ فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة.
ويقول ابن جبير في وصف هذه الساعة: "إنها كان لها بالليل تدبيرٌ آخر؛ إذ تُجهز بمصباح يدور به إلى خلف زجاجة داخل الجدار، فكلما انقضت ساعة عمَّ الزجاجة ضوءُ المصباح ولاحت للأبصار دائرةٌ محمرةٌ"، وكانت هذه الساعة في غرفة كبيرة، وهناك شخص يقيم بداخلها مسئول عن صيانتها وإدارتها مدرَّب على أعطالها الميكانيكية، فهي أشبه بمحطة من محطات توليد الطاقة في عصرنا الحاضر.
وفي سنة 758 هـ صنع المهندس أبو عنان المريني المغربي ساعةً ضخمةً من النحاس، وُضعت في الساحة العامة بسوق القصر بالمغرب، وكانت في كل ساعة تُسقط صنجةً كبيرةً فوق طاس كبير.. فيَحدُث لها دويٌّ كبيرٌ يسمعه أهل المدينة.
من هذه القصص نرى مدى تطور المسلمين في علوم الميكانيكا أو ما كانوا يسمونه علم الحِيَل الهندسية، في حين كانت أوروبا في عصر الظلمات.
جِمال المسلمين وفيِلَة الفرس في معركة القادسية
في معركة القادسية فوجئ المسلمون في اليوم الأول للمعركة بظهور الفِيَلة في مقدمة جيش الفرس، وكانت الفِيَلة بحجمها وصراخها المرتفع تُخيف خيول المسلمين فتتراجع الخيل أمامها، وبسرعة خاطفة تشاور قادة المسلمين، وأعدوا خطةً للتغلب على الفيلة، فجاءوا في مقدمة جيشهم بجمال ضخمة وربَطوا كل جملين معًا وكسوهما بثوبٍ واحد حتى بدت الجمال كأنها وُحُوشٌ هائلةٌ، وأخذ الرماةُ على الجمال يُصَوِّبون سهامَهم إلى عيون الفيلة، فأصيبت الفِيَلة بالذعر فألقَت بالجنود من فوقها وعادت وهي تدهس كل مَن في طريقها من جنود الفرس، وبهذا انقلبت الهزيمة إلى نصر.
